كانت فترة نهوض الحضارة الإسلامية من أهم فترات التاريخ وكانت أوروبا خلالها سادرة في عصورها المظلمة، فمنذ القرن الأول وحتى القرن السادس الهجري «القرن السابع وحتى الثاني عشر الميلادي» سيطرت الحضارة الإسلامية على المعرفة الشرقية والغربية، وبلغت تلك السيطرة أقصاها في القرن الرابع الهجري «القرن الحادي عشر الميلادي».
لايزال الكثير من التساؤلات والخفايا يلف نواحي عديدة من تاريخ ازدهار العلوم الإسلامية، فمساهمات العلماء العرب والمسلمين في إرساء قواعد ومناهج جديدة للعلوم على مدى أكثر من ستة قرون، لم تنل ما تستحق من البحث والتوثيق، ولاسيما من الباحثين والدارسين العرب وغيرهم، وذلك لإظهار الحقائق التاريخية لمساهمات الحضارة العربية الإسلامية في المسار البشري برمته.
تمهيد
اتجه المسلمون بتطلعاتهم الفكرية إلى ميادين العلوم منذ المطالع الأولى لصدر الإسلام، وكان دافعهم في ذلك معرفة أسس تحديد المواقيت واتجاه القبلة، فاستطاعوا باستخدام الهندسة أن يحددوا اتجاه القبلة، وبالفلك أن يحددوا بداية شهر رمضان، ولم يقتصر دورهم في تطبيق العلوم التي طوروها على مطالب العبادة، بل استخدموها في اتجاهات شتى ولاريب في أن ما ورد في القرآن الكريم من حث للإنسان على النظر في ملكوت السموات والأرض كان القوة الدافعة وراء ذلك.
واهتم العلماء المسلمون بمختلف العلوم وعملوا على تطويرها وإدخال نظريات جديدة عليها، ومنها فروع كان لهم سبق ابتداعها ووضع أصولها ومناهجها، مثل الجبر والبصريات، وبعض تفرعات الفلك والطب وغيرها.
ففي القرون الهجرية الستة الأولى انتشرت دار الإسلام من الهند إلى الأندلس، وكانت بغداد وقرطبة مركز الخلافة والبحث العلمي.
ولم يقتصر الخلفاء على إجراء الحكم العادل، بل أصبح كثير منهم نصيرا للعلوم والمعارف، فشجعوا العلماء البارزين وعضدوهم في أبحاثهم، فترجمت إلى اللغة العربية سلسلة كبيرة من أعمال الهنود والإغريق في العلوم وهي الأعمال التي أعادالأوربيون ترجمتها إلى اللاتينية، وكانت مدينة بغداد مركزا للعلوم والمعارف في ظل الخلافة، وأسس الخليفة المأمون «٧٨٦ - ٨٣٣م»، وهو عالم وفيلسوف، «بيت الحكمة» المشهور، وهو مكتبة جامعة ومجمع علمي وأدبي ودار للترجمة. وأمر بترجمة جميع مؤلفات الإغريق، كما أن مؤلفات بطليموس وإقليدس وأرسطو وغيرهم انتقلت من بغداد إلى البلاد النائية مثل صقلية والأندلس. وانتقلت العلوم إلى أوروبا في العصور الوسطى من خلال الجامعات الأندلسية الإسلامية.
ولاشك أن الإنجازات العلمية التي ميزت العصر الذهبي للحضارة الإسلامية لاتزال مجهولة أو مغيبة بشكل كبير لدى الشعوب الغربية. ولا يتوقف أمر ذلك عند هذا الحد، بل إن تلك الإنجازات كانت في كثير من الأحيان موضع نكران وعدم اهتمام في المؤلفات الأوروبية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وفي أحسن الأحوال كان التذكير بها لا يظهر إلا نادرا في عدد من الموسوعات، ولا يذكر العلماء المسلمين إلا كناقلين للعلوم اليونانية، لكن ذلك التفكير المجحف، بدأ يتغير إيجابيا مع ظهور حركات البحث العلمي في العالم الإسلامي، وتخلص الكثير من الأوروبيين من الأحكام المسبقة والجاهلة.
نشأة العلوم الإسلامية
إن الاهتمام بالعلوم قد برز في عهد الأمويين، وبلغ أوجه في عهد العباسيين، ومن الأخطاء تجاهل المساهمات الأموية، إذ إنهم أول من اهتم بخزائن الكتب والمكتبات، ولعل أشهرها، مكتبة خالد بن يزيد، ومكتبة الوليد بن عبدالملك، وكانت الأخيرة تضم كتبا باللغة اللاتينية حملها فاتح الأندلس طارق بن زياد «670 - 720م» إلى دمشق. كما أن ترجمة علوم الأقدمين لم تبتدئ مع العباسيين بل تحت حكم الأمويين الذين كلفوا بترجمة علوم اليونان. وشجعوا المنجزات الفنية في مجالات العمارة والزخارف والخط والنحت وغيرها.
الترجمة
انكب العرب على الترجمة بكل شغف، ومن الواضح أنهم لم يختاروا ما يترجمون في البداية، بل كانوا يترجمون معظم ما يصلهم من العلوم والفلسفة والأدب، ومن المؤكد أن تأليف الكتب العلمية بالعربية قد ظهر في الوقت نفسه، الذي كانت كتب اليونان والفرس والهند تترجم إلى العربية، وكان ذلك في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، وتحديدا في الكيمياء وعلم الفلك. وكان خالد بن يزيد «ت708م» خطيبا وشاعرا بليغا، مغرما بالعلم محبا له.. فاهتم بعلمي الطب والكيمياء أولا، وطلب من سطفانوس وماريانوس أن يترجما إلى العربية كل المؤلفات التي تتعلق بهذين الميدانين، ويعتبر خالد بن يزيد «حكيم آل مروان» أول من اشتغل من بنى أمية بالعلوم المختلفة وأمر بترجمتها، ويبدو أن العرب والمسلمين ربما يكونون قد استفادوا كذلك من العلوم الصينية، على رغم أنه ليس هناك إلى الآن ما يثبت ذلك، لكن بعض العلماء ـ مثل ابن منعم وصاعد الأندلسي ـ قد تحدثوا بإعجاب واحترام عن الحضارة الصينية، لكن ذلك لا يدل على اطلاعهم على تلك الحضارة وتراثها العلمي. وكان عدد من الاكتشافات تتم أحيانا في بقاع مختلفة إلى أزمنة متفاوتة، من دون أن يكون هناك نقل أو علاقة تربط بين مكتشفيها، ولعل خير مثال على ذلك منها تلك المتعلقة بالتحليل التوفيقي، إذ تبين أن بعض نتائجه كانت معروفة خلال القرن الثاني عشر في المغرب العربي، بينما نجد ذات الاكتشافات في فرنسا خلال القرن السابع عشر، على رغم أنه ليس هناك أي عمليات نقل أو «سرقة». ويلاحظ أن العلماء المسلمين لم يكن لديهم أي موقف أو كراهية تجاه من سبقهم، لدرجة أنهم سموا أرسطو «المعلم الأكبر» ونال أبوقراط، أبا الطب وتلميذه جالينوس نفس المكانة مثلهما في ذلك مثل إقليدس وفيثاغورس وطاليس وبطليموس.
ولاشك أن العلوم الإغريقية لم تصل إلى الأمم اللاحقة إلا عبر المصادر الإسلامية. والترجمات اللاتينية القديمة للمخطوطات الإغريقية تعتمد في الأغلب على مؤلفات إسلامية أكثر من اعتمادها على الإغريقية ذاتها، وهكذا انتقلت علوم الحساب والفلك والطب والكيمياء والجغرافية والعلوم الطبيعية الإغريقية إلى أوروبا عن طريق المسلمين، وطبيعي أن الخدمة التي أسداها هؤلاء لم تقتصر على حفظ ما قامت به الأمم السابقة ونقله، بل تجاوزت ذلك إلى إسهامات واسعة أيضا.
ونظرا لأهمية العلم والتعلم فإن المؤسسات التعليمية العامة، ومنها المدارس والجامعات كانت تمول من قبل المؤسسة الوقفية والخيرية، وذلك في مختلف عصور الحضارة الإسلامية، أما لغة العلم والتعليم فقد ظلت طيلة أكثر من قرون، هي العربية التي تمنت من أن تواكب كل التطورات. فمع نشوء العلوم، تم استعمال العديد من المصطلحات والألفاظ الأعجمية اليونانية والسريانية والفارسية والهندية، لكن التقدم المتواصل في النشاط العلمي والفلسفي سرعان ما زاد من ثراء العربية بحيث صارت تبتكر مصطلحاتها الخاصة بها وتُعرِّب معاني المصطلحات القديمة، ومثال ذلك العالم البيروني «973 - 1041م» الذي أشار إلى مترجم إحدى كتب الفلك الهندية وقد أبقى بعض المصطلحات بلغتها السنسكريتية، ولتصحيح ذلك، قام بإعادة ترجمة ذلك الكتاب بعربية سليمة، كما نجد في ترجمة كتب الرياضيات الأولى مصطلحا مثل «بارابولا» «القطع المكافئ» و«إيباربولا» «القطع الزاد» وهي ظاهرة عرفتها فيما بعد اللغة اللاتينية كذلك، حيث تم الحفاظ على عنوان الخوارزمي «الجبر والمقابلة» كما هو في العربية وكتب باللاتينية "Jabr muqubala وترجم العرب الأعمال الطبية اليونانية من أصولها محافظين في البداية على المصطلحات الأجنبية مثل أسماء بعض الأمراض كالملانخوليا «الاكتئاب» والديابيطا «داء السكري». كما نجد مثلا آخر بكتاب رياضيات ترجم إلى اللاتينية تحت اسم "Liber Meharnalet «كتاب المعاملات» المجهول المؤلف، لكن مضمونه يدل بوضوح على أنه عربي الأصل. وهناك العديد من العناوين لبعض الكتب التي ترجمت من العربية إلى اللاتينية في الفلك والطب والرياضيات والبصريات. ولقد تبين أن هناك كتبا عربية نقلت إلى اليونان في القسطنطينية خلال القرنين الحادي والثاني عشر الميلادي. حيث وجدت هناك مؤلفات فلكية كتبت في بغداد بين القرنين التاسع والعاشر وترجمت إلى اليونانية. ومن الواضح أن سيادة العربية في بلاد الإسلام لم تمنع لغات أخرى من أن تظل متداولة وأن يتم إثراؤها بفضل احتكاكها بالعربية، ولم يحدث قط أي إجراءات تعسفية ضد تلك اللغات. وكان العلماء يومذاك يكتبون مصنفاتهم بالعربية، مهما كانت دياناتهم وقومياتهم. أما في المجال الأدبي، كالشعر، فالأمر يختلف، فعمر الخيام «1048 - 1131م» مثلا كتب رباعياته الشهيرة بالفارسية أما كتبه في الجبر والهندسة فكانت بالعربية.
لقد طرح العلماء المسلمون العديد من الكتب العلمية القيمة، ومنها مثلا التي ألفها جمشيد الكاشي «ت 1436م» في الفلك والرياضيات، لاسيما كتابه «مفتاح الحساب». أما في المغرب الإسلامي، فإن القلصادي «1410 - 1486م» يعد واحدا من الذين عُرفوا كثيرا في أوروبا حتى آخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وأصله من غرناطة، وأكمل دراسته بتلمسان وعاش ببجاية «الجزائر». والواقع أن الاهتمام به يرجع إلى أن كتابه «كشف الأسرار عن علم حروف الغبار» هو أول كتاب معروف يحتوي على رموز رياضية تسمح بالقيام بجميع العمليات الحسابية المتداولة آنذاك.
الفلك والرياضيات والفيزياء
ترجم العرب ستة كتب هندية وتسعة كتب يونانية تتناول علم الفلك، وكانت منطلقهم للتبحر في ذلك العلم، وقاموا ببناء المراصد وصنعوا أدواتها للمراقبة والرصد، وتحديد الأزمنة وحل مسائل رياضية فلكية. وخالفوا الفكرة القائمة عند كثير من علماء العصور الوسطى بالتسليم بمبدأ مركزية الأرض في الكون. والواقع أن البحوث التاريخية بينت أن هذا المبدأ كان موضع جدل لدى علماء المسلمين لاسيما في القرن الحادي عشر. ومن بين الذين أشاروا إليه نذكر ابن سينا «980 - 1037م» وفخر الدين الرازي والسزجي والبيروني وحسن المراكشي «1185 - 1250م». وقد أدى ذلك النقاش إلى صنع أدوات فلكية مثل الإسطرلاب، تقوم على مبدأ دوران الأرض محوريا. فالبيروني الذي حقق أعمال بعض علماء الفلك الهنود يؤكد أن فرضية دوران الأرض كانت متداولة عندهم، وأشار إلى أنها فرضية مقبولة لا تناقض أسس علم الفلك. وهناك العديد من العلماء الذين ساهموا في علم الفلك مثل الخوارزمي وسند بن علي وابن أبي المنصور والبتاني والحباش وابن يونس وابن الهيثم والمجريطي وابن السمح وأبي الوفاء وابن عراق والبيروني وابن الشاطر والكاشي، وهم غيض من فيض.
وكما علماء المشرق الإسلامي فقد كانت هناك أيضا مساهمات علمية أندلسية ومغربية، في مجال الرياضيات والهندسة والجبر، وقد دلل على ذلك الكثير من الدراسات، التي قادت إلى اكتشافات مثيرة. فإذا كان الخوارزمي «780 - 850م» هو الأب الحقيقي للجبر، وجاء بعده علماء رياضيات لامعون من أمثال أبي كامل، والكرجي، والطوسي وغيرهم، وقاموا بتطوير هذا العلم الجديد، ثم زاده تطويرا أبو الجود وعمر الخيام، فإن علماء المغرب العربي والأندلس، مثل المؤتمن بن هود «ت1085م» والسموأل المغربي وابن البنا «ت 1321م» والقطرواني والقلصادي «القرن الرابع عشر»، وابن قنذ القسنطيني «ت1406م» وابن غازي «ت1513م» كان لهم دور كبير في تطوير علم الجبر وإدخال الرموز والأرقام عليه. كما ظهر فرع رياضي جديد هو التحليل التوافقي ويعود الفضل في ذلك إلى أحد علماء المغرب العربي وهو ابن منعم «عاش في القرن الثالث عشر الميلادي» الذي أفرد في كتابه «فقه الحساب» فصلا مستقلا للتحليل التوافقي.
وفي علم الرياضيات، فقد ترجم العرب أمهات الكتب اليونانية في هذا الميدان، وألفوا العديد من الكتب، ولعل أحد أبرز إنجازاتهم كان ميلاد الجبر على يدي الخوارزمي، وكذلك حساب المثلثات، ثم التوافقات، ولاشك أن تلك الأعمال المميزة لم تأت صدفة بل كانت نتيجة لسياق عام بدأ منذ القرن الثامن الميلادي، كما قد رافقها أيضا بعض الإخفاقات، حدث ذلك عدة مرات حينما واجهت العلماء مشاكل تقنية وأخرى تتعلق بالمفاهيم الرياضية.
وفي مجال الفيزياء، اهتم العلماء بمسائل توازن وحركة الأجسام الصلبة والسائلة والبصريات والميكانيكا وحركة القذائف ذات التطبيق العسكري. وأبدوا اهتماما كبيرا بالجانبين التطبيقي والنظري. وينسب لهم إسهامهم في تعميم نظرية أرخميدس حول مراكز الثقل لتشمل الأجسام الثلاثية الأبعاد، وحاولوا مد مقارباتهم الفيزيائية تلك إلى دراسات أخرى مثل الجاذبية، لكن دون تقديم نظريات يعول عليها. كما أسهموا في نظرية رفع الأجسام، وخلقوا الظروف الملائمة لظهور فرع جديد للفيزياء وهو الهيدروستاتيكا «توازن السوائل وضغطها». ولعل ابن الهيثم «966/65 - 1039» يعد خير مثال بينهم، فهو من طوّر علم البصريات وانكسار الضوء.
الكيمياء
إن معلوماتنا عن الكيمياء العربية هو ما ترجم من العربية إلى اللاتينية في أواخر العصور الوسطى. وكان هؤلاء يهملون في أحيان كثيرة الجانب «التقني» للكيمياء إما لأنه لم يكن يهمهم وإما لعجزهم عن إدراكه ونقله إلى اللاتينية. أما المؤلفات التي لم تترجم إلى اللاتينية أو العبرية فلم تدرس دراسة وافية. ولذا ظلت معرفتها محدودة ومشوهة. ولابد من إجراء المزيد من الدراسات والأبحاث حول الكيمياء العربية، ومن المؤكد أن العرب قد ترجموا العديد من كتب الكيمياء الإغريقية، كما برز أعلام أسهموا في تقدم الكيمياء ويعتبر جابر بن حيان «738 - 814م» من أشهرهم. كما أنهم ذكروا أنواع الأحماض والأملاح والمعادن وغيرها وأشاروا إلى صناعة الزجاج والأدوات الكيميائية وطرقها والنظريات الكيميائية المتبعة وتطبيق الكيمياء في المجال العسكري.
علوم الأرض والحياة والطب
اهتم العلماء العرب بعلوم الأرض والحياة ومنها علوم الزراعة وعلم النبات وعلم الحيوان والجيولوجيا، وهي فروع ألفوا فيها كتبا عديدة في المشرق والمغرب، واهتموا أيضا بعلاقة الرياضيات بالنبات كما فعل البيروني في كتابه «آثار باقية عن القرون الخالية»، ومن أشهر المؤلفين في علوم النبات نذكر البصري «828م» في «كتاب الزرع» ومعاصريه الأصمعي «831م» في «كتاب النبات والشجر» وابن حاتم، والأنصاري، وابن العربي، وابن حبيب وابن السكيت، والسجستاني والسكري وابن سلمة، وبن خالويه وغيرهم... وكتب العرب كثيرا عن الجواهر والأحجار الكريمة، ومن تلك العناوين «كتاب في الأحجار والعقاقير والطيب» لابن نصر «القرن الثاني عشر» و«كتاب الجواهر» للكندي «القرن التاسع» و«أزهار الأفكار في جواهر الأحجار» للطفاشي، و«كتاب الأحجار» لناصر الدين الطوسي «القرن الثالث عشر» و«نخب الذخائر في أحوال الجواهر» لابن الأكفاني «القرن الرابع عشر».
وفي مجال الطب فقد اهتم المسلمون بقضية النظافة والوقاية وهو الذي جعل الحمامات العمومية تنتشر بسرعة في بلاد الإسلام، ففي القرن العاشر مثلا كان هناك حمام في كل شارع في بغداد، وفي الوقت نفسه نجد ما يزيد على 6000 حمام في قرطبة، أما في القيروان فكان هناك حمام لكل 80 قاطنا. وكان التأليف بالعربية قد ظهر في القرن التاسع الميلادي لكنه تنامى بسرعة بعد ذلك التاريخ وارتفع شأن الأطباء في المجتمع تباعا، وعلى رغم ذلك لم يظهر الطب في التصنيفات الأولى للعلوم عند العرب كعلم مستقل بل كان يعتبر فرعا من علوم الطبيعة.
وبرع العرب كثيرا في الصيدلة، ومن بين مؤلفاتهم كتاب الأدوية المفردة لإسحاق بن عمران «القرن التاسع» وابن الجزار «القرن العاشر» وكتاب الصيدلة للبيروني «القرن الحادي عشر» والجامع لمفرات الأدوية والأغذية لابن البيطار «القرن الثالث عشر».
لقد لعبت المستشفيات «المشافي» دورا بارزا في الحضارة الفارسية قبل الإسلام، ولاشك أن ذلك هو السبب الذي جعل بعض المصاح الاستشفائية تحافظ على تسمياتها الفارسية خلال عدة قرون في بلاد الإسلام مثل «البيمارستان"، وكانت مقسمة وفقا لما هو موجور حاليا في مستشفياتنا، ولاشك أن التعاليم الدينية قد أثرت بشكل كبير في انتشار شبكة صحية عمومية عبر بلاد الإسلام، وكانت الجيوش الإسلامية مجهزة بمصحات متنقلة، ويبدو أن هارون الرشيد «786 - 809م» كان أول خليفة بادر إلى بناء مستشفى في بغداد، وكان من أطبائه الطبيب أبوبكر الرازي «864 - 932م» وهناك من ذكر أن 34 مستشفى قد أنشئت في بلاد الإسلام بعد القرن التاسع، منها خمسة في بغداد، وفي دمشق أنشئت مستشفيات منها ذلك الذي أمر ببنائه عام 1154 نور الدين زنكي «1118 - 1174م»، والذي ظل يعمل حتى نهاية القرن التاسع عشر، كما عرفت القاهرة المستشفيات منذ القرن التاسع، وكذلك الأمر بالنسبة لباقي الحواضر الإسلامية.
حقائق دامغة
لاشك أن الحضارة الإسلامية، وبخلاف مزاعم بعض المؤرخين والفلاسفة الأوربيين، لم تكن مجرد ناقلة للعلوم، بل على العكس من ذلك، عملت على الاستفادة من علوم وأفكار مختلف الحضارات السابقة لها، ثم طورتها وأضافت إليها، واستنبطت منها علوم وتقنيات وأفكاراً جديدة، وأضافت كل ذلك، ـ بعد إغنائه وتخصيبه ـ إلى التراث البشري. فقد انطلق علماء العرب في رحلات بحث عن المعلومات والنصوص والكتب العلمية وغيرها، لتساعدهم على إيجاد أجوبة لتساؤلاتهم التي طرحتها عليهم الظروف المحيطة التي كانوا يعيشونها. إن نقل العلم من أمة إلى أخرى كان يقابل عادة بالرفض، وهذا لا يتوقف على أمة دون سواها، بل يستوي الجميع في ذلك<sp

