سجلات المحاكم الشرعية ودورها في التأريخ للتشريع الإسلامي في مصر العثمانية

    تعد وثائق أي فترة من فترات التاريخ هي المصدر الرئيسي والجوهري الذي يمكن الباحثين من التأريخ لتلك الفترة, وذلك لقيمة تلك الوثائق وما تحويه من معلومات تخص شتي مجالات التاريخ, فضلاً عن كونها مخلفات نتجت عن النشاط المؤسسي والفردي خلال ممارسة الحياة, فهي بذلك تعكس العلاقات المتبادلة بين أفراد المجتمع والمعاملات المختلفة بينهم, وهي كذلك الدليل الواضح والصريح الذي لا يتطرق إليه الشك والذي يقودنا بالطبع إلي التعرف الدقيق علي الماضي بمختلف صوره.

فالوثائق هي المصادر الأصلية الأولية التي لم تنشيء أصلا لكي تنقل لنا حقيقة تاريخية أو لم يقصد من وراء كتابتها أن تكون شاهدا تاريخيا, ولكننا استخدمناها لإثبات حقائق تاريخية جديدة أو للتأكيد علي حدوث وقائع نعرفها بالفعل.

   وهذا ينطبق تماماً علي وثائقنا التاريخية التي خلفها لنا الأقدمون والتي حفظت في أماكن عديدة, أهمها علي الإطلاق المجموعات التي حفظت بدار الوثائق القومية وغيرها من الأماكن التي تحتفظ بالكثير من الوثائق التي تخص تاريخ مصر.

   والموضوع الذي أتناوله في تلك المقالة الصغيرة يرتبط بفترة أري أنها شديدة الأهمية, وذلك لما تمثله من تحولات وتطورات تاريخية كبيرة مر بها التاريخ المصري واعني بها تلك الفترة التي اصبحت فيها مصر تابعة للدولة العثمانية وتحديداً منذ عام 1517م / 923هـ, والتي ترتب عليها أن أصبحت الإدارة المصرية والقضاء المصري كليهما تابعاً للسلطنة العثمانية .

   والواقع أن دراسة موضوع تاريخ التشريع الإسلامي وتطور النظم القانونية في مصر العثمانية من الموضوعات المهمة الجديرة بالبحث والدراسة, وذلك نظراً لوفرة المواد الأرشيفية والمصادر الوثائقية التي يمكن الاعتماد عليها في محاولة توضيح الحقائق والأمور المتعلقة بالكيفية أو بالمنهج الذي انتهجه قضاة المحاكم في نظر التصرفات القضائية المختلفة, وتتمثل تلك المصادر بشكل أساسي في وثائق المحاكم الشرعية التي نتجت عن ممارسة تلك المحاكم لوظائفها القضائية, حيث نجد الآلاف من الوثائق الأصلية المفردة فضلا عن عدة آلاف أخري من السجلات التي دونت بها صورا لتلك الوثائق الأصلية, ولذلك فهي مادة أرشيفية علي درجة كبيرة جداً من الأهمية في مجال البحث والدراسة للخروج بالكثير من النتائج الجديدة التي تفيد في إلقاء الضوء علي شكل القضاء الشرعي في مصر العثمانية وإدراك ملامحه وأوجه تغيره وما وصل إليه في ذلك العصر .

   والهدف الذي أسعي إلي تحقيقه من خلال تلك المقالة القصيرة هو محولة معرفة أفضل الطرق التي تمكننا من توظيف تلك المصادر الأرشيفية الغنية واستغلالها أقصي استغلالا ممكنا ومحاولة تفسيرها وفهم صياغتها ومدلولاتها, وذلك من أجل إدراك ومعرفة وفهم طبيعة وملامح القضاء الشرعي في مصر العثمانية ومدي التزام القضاة بتطبيق أحكام الشرع والكيفية التي استخدموها في التطبيق, وللوقوف علي مدي التزامهم بتلك الأحكام - أوعدم التزامهم- في مختلف الفترات, وكذلك ادراك معني المحكمة ووظيفتها وأهميتها في ذلك الوقت بالنسبة للفرد والمجتمع, ولمعرفة متي وكيف يلجأ الناس للمحاكم ؟ وما هي أنواع القضايا والدعاوي التي كانت تنظر بمعرفة قضاة ذلك العصر ؟ والكيفية التي يتم بومجبها نظر هؤلاء القضاة في تلك القضايا .. وأيضا لمزيد من إلقاء الضوء علي اختصاصات ومذاهب ودرجات وثقافة قضاة تلك المحاكم, وللتعرف علي مدي الصلة بين القضاة العثمانيين والسلطة, وبيان دور الإفتاء بالنسبة لأحكام القاضي وأهم ملامح المرجعية التشريعية للقضاة في ذلك العصر.

   ويضاف إلي ذلك كله التعرف علي كيفية نشأة المحاكم العثمانية والهيكل الإداري والتنظيمي, مع بيان الدور الذي كان يؤديه كل فرد في ذلك الهيكل بداية من قاضي القضاة شيخ مشايخ الإسلام ( وهو أعلي سلطة قضائية في مصر العثمانية ) ومروراً بنواب القاضي من قضاة المذاهب الأربعة, وانتهاءً بمساعدي القضاة من الباشكتاب والكتاب والشهود وغيرهم من موظفي المحكمة.

   ولكي نصل إلي الهدف المنشود من وراء كتابة تاريخ تلك الفترة بشكل صحيح وموضوعي - من وجهة نظري -  فلابد من أن يسلك الباحث منهجاً بحثياً يمكنه من إدراك المأمول وذلك المنهج البحثي العلمي في حقيقة الأمر يعتمد في المقام الأول بشكل كبير علي حُسن إدراك وتفسير وفهم وتأويل النصوص أو الصيغ التي دونت بها الوثائق. والذي أريد التأكيد عليه تماماً هو عدم الاعتماد دائماً وأبداً علي التفسير أو المعني الظاهري للنص أو للصيغة, بمعني انني عندما أجد في نص الوثيقة صيغة تعبر عن معني معين مثل " فلما تأمل ذلك مولانا تأملا كاملاً وأدركه إدراكاً شافياً " فليس تفسير ذلك بالضرورة أن يكون معني الصيغة هنا أن القاضي قد اطلع اطلاعاً كاملا علي المستند أو البينة المقدمة له, ولكن من الممكن أن نفسر ذلك بأن تلك الصيغة لا تعبر عن فعل بالضرورة قام به القاضي أثناء نظر القضية ولكنها مجرد صيغة دبلوماتية إعتاد كتاب الوثائق علي تدوينها للتاكيد علي صحة وشرعية الحكم الصادر من القاضي المختص.

   ونفس الأمر من الممكن أن ينطبق علي الكثير من الصيغ الأخري التي وردت بوثائق المحاكم العثمانية مثل صيغ الأوامر والمراسلات الشريفة التي وجدت مدونة بسجلات المحاكم- خاصة في صفحاتها الأولي والأخيرة- والتي كان يصدرها قاضي القضاة الحنفي لنوابه بالمحاكم من قضاة المذاهب المختلفة, وكذلك للكتاب برئاسة الباشكاتب من اجل إنتظام سير العمل بالمحاكم ( نوع من الأوامر الإدارية ) وكذلك للرغبة في تحديد اختصاصات كل محكمة ولتهديد الكتاب بالعزل والرفت والإبعاد لكل من خالف تلك الأوامر الإدارية التنظيمية, ولكننا في واقع الأمر إذا نظرنا إلي تلك الأوامر بدقة وروية فسنجد أنها كانت من الكثرة والتكرار بحيث أننا نكاد نجزم بعدم التزام هؤلاء النواب والكتاب بمحاكم القاهرة بتنفيذ شيء منها, وهنا يمكننا القول بإنه ليس بالضرورة أن تواجد مثل تلك الأوامر المدونة بالسجلات يدل علي أن هناك تنظيماً بالفعل داخل المحاكم, وأن تلك المراسلات والاوامر قد تم تنفيذها بالفعل باستثناء بعض الفترات القليلة التي شهدت تنفيذاً لمثل تلك الأوامر حيث يمكن ملاحظة ذلك من خلال التزام المحاكم بالنظر فقط في اختصاصاتها وفقاً لما جاء بالمراسلات, إضافة إلي وجود بعض التنظيم في أساليب كتابة الوثائق وإجراءات سير الدعاوي ونظر التصرفات, ولكنني في واقع الأمر لا يمكن أن أؤكد علي ذلك أو أنفيه إلا بعد دراسة كاملة مستفيضة لتلك الصيغ ومقارنتها بما ورد في الوثائق. 

   فالوثيقة القانونية تعرف من الناحية العلمية بأنها " المكتوب الذي صيغ في قالب خاص مناسب للظرف والحال... " وذلك التعرف السابق يؤكد علي حقيقة مفادها أن الوثيقة ينبغي أن تدون في صيغ معينة او قوالب لفظية خاصة تعكس الهدف من وراء كتابتها, وتلك القوالب أو الصيغ قد تكون موضوعة مسبقاً وفقاً لنوع التصرف المراد تدوينه في الوثيقة, أو المراد كتابة الوثيقة لأجله.

وعلي سبيل المثال الصيغ المتعلقة بوثائق الزواج والتي دونت بسجلات المحاكم الشرعية في العصر العثماني, فمن المعروف أن هناك أركاناً فقهية أساسية لتصرف الزواج لابد أن تشتمل عليه الوثيقة عند كتابتها بالمحكمة مثل الصيغ التي تدل علي العاقد والمعقود عليه والصداق والولي والشهود ..وما إلي ذلك وبمطالعة تلك الوثائق بدقة تبين توافر تلك الأركان بوثائق المحاكم, ولكن رغم ذلك هناك الكثير من الصيغ الغريبة والفريدة التي تختص بها وثائق الزواج في العصر العثماني تحتاج إلي تفسير أو تأويل من قبل مؤرخي التشريع الإسلامي في ذلك العصر .. ومن تلك الصيغ الغريبة ما يلي:  

   اشهد عليه الرايس يوسف بن الحاج محمد بن الحاج احمد الرايس في المراكب بالبحر المالح ...انه اعتق مرقوقته ياسمين البيضا الماجرية الجنس...وتزوج بها تزوجا شرعيا.. وجعل عتقها صداقها ... وثبت الاشهاد بذلك حضرة شهيديه لدي الحاكم الحنبلي.

هنا يمكن أن نتساءل اليس الصداق او المهر من الأركان الأساسية للزواج ؟ إذن هل يجوز أن يكون صداق المرأة عتقها عند القاضي الحنبلي .

والإجابة تحتاج إلي مراجعة أقوال الحنابلة في هذا الشان, وهناك صيغ أخري تخص وثائق الطلاق المعلق ( أي المعلق علي شرط ) او كما تسمي بوثائق التعليق, وقد ترد تلك الصيغ أيضاً بوثائق الزواج وشروط الزوجية, ومنها :

   "علق ابراهيم بن محمد بن احمد علي نفسه من زوجته فاطمة بنت ولي الدين التي هي في عصمته الآن انه طالما ابانها من عصمته أو بانت هي من عصمته وأعادها إلي عصمته بغير رضا عمته اخت والده لامه هي عايشة بنت موسي كانت زوجته طالقا ثلاثا تعليقا شرعيا .."

نجد هنا في نهاية الوثيقة صيغة " تعليقا شرعيا " ولذلك لابد أن نتساءل عن مدي شرعية تلك الشروط التي فيها نوع من الظلم واللامنطقية كما يبدو لأول وهلة عند دراسة ذلك النوع من التصرفات, ولكننا لا يمكن ولا يصح ان نستخرج حقائق تاريخية تتعلق بذلك الموضوع إلا بعد الرجوع إلي كتب الفقه والأحوال الشخصية للدراسة والمقارنة بين تلك الصيغ وما ورد بالكتب والمصادر المختلفة في ذلك الشأن.

وإنني في هذا الصدد يمكن أطرح سؤالاً عن موقف الشرع الإسلامي من شروط الطلاق او شروط الزواج ومدي موافقة تلك الشروط الواردة في وثائق العصر العثماني لأحكام الشرع.

ولقد تلاحظ أيضا أن كتاب الوثائق كانوا لا يفرقون أحيانا بين الألفاظ أو الصيغ المختلفة في معانيها وقد يستخدمونها في بعض الأحيان للدلالة علي معني واحد رغم اختلافها.. مثل:

  " سالت المدعوة ستيتة بنت احمد عرف والده بالعجيل زوجها فتح الله بن علي بن عبد الله ... أن يطلقها طلقة واحدة أولي علي بقية حال صداقها عليه... واجاب سؤالها لذلك وخلعها الخلع المسئول علي العوض المذكور.."

هنا نجد أن كاتب الوثيقة قد استخدم  لفظ الطلاق الذي يختلف عن لفظ الخلع بمعني واحد تقريبا .

   وقد تتغير تلك الصيغ وتتطور عبر الزمن ولكنها في نهاية الأمر تعكس الغرض الذي استخدمت من أجله, حيث أنها غالبا مايتم كتابتها وتدوينها للتعبير عن تصرفات قانونية نشأت في اطار مؤسسات قضائية, ولذلك فلكي نتعرف علي السياق التاريخي الذي دونت فيه تلك الوثائق فلابد أولاً أن أتعرف علي طبيعة المؤسسة التي أنشأتها من ناحية كيفية عمل هذه المؤسسة وعلاقتها بالمجتمع والدولة, والخلاصة ضرورة فهم الاطار العام الذي أنشئت فيه تلك الوثائق ومدي تأثرها شكلاً وموضوعاً بذلك الإطار العام. 

   وأضرب لكم مثلا عن ضرورة فهم الإطار العام الذي أنتجت فيه الوثائق فالمحاكم الشرعية أنتجت وثائق تتضمن مختلف التصرفات القانونية التي تم نظرها علي أيدي قضاة المحكمة وفقاً للمذهب الذي ينتمي إليه القاضي المختص بنظر التصرف الوارد بالوثيقة, وفي هذا الصدد يجدر بنا أن نتساءل عن الكيفية التي يتم بها تطبيق آراء المذاهب الفقهية علي إختلافها عند الفصل في الدعاوي القضائية المختلفة بين الناس, وذلك لأنه من المعروف تاريخياً أن المذهب الحنفي كان هو المذهب الرسمي للدولة المصرية باعتبارها ولاية تابعة للسلطنة العثمانية الحنفية المذهب ( نشأت الدولة العثمانية في الأناضول في القرن الثالث عشر حيث كان المذهب الحنفي الذي أتي به السلاجقة من آسيا الصغري هو المذهب الرسمي للمسلمين الموجودين هناك, ومنذ ذلك التاريخ أصبح ذلك المذهب هو المذهب الرسمي للدولة العثمانية والولايات التابعة لها ) وكان السلطان العثماني لا يعين إلا القضاة الأحناف في منصب شيوخ مشايخ الإسلام  قضاة العسكر والذين كانوا يرسلوا من استانبول لتولي المنصب بالقاهرة, وكان يلي منصب قاضي القضاة هذا في الدرجة قضاة المحاكم الشرعية الأخري كالقسمة العربية والعسكرية والصالحية النجمية وطولون ومصر القديمة والزاهد ..وغيرها, ولقد حافظ العثمانيون- برغم مذهبهم الحنفي-  علي نظام تعدد المذاهب وهنا يمكن أن نطرح سؤالاً ما هي العلاقة بين قضاة المذاهب المختلفة الأخري والقاضي الحنفي ؟ أو بمعني آخر ما مدي السلطة الحكمية والتنفيذية التي تمتع بها قضاة تلك المذاهب ؟

والإجابة علي ذلك تحتاج إلي دراسة واقعية للتصرفات التي نظرها هؤلاء القضاة ومعرفة الكيفية التي بمقتضاها تم السماح لهم بنظرها حتي يمكن أن نقول بأن الدولة العثمانية قد سمحت بتعدد المذاهب فعلياً لأجل المصلحة العامة وليس لأجل مصلحة الدولة. وهناك بعض المؤرخين ممن قاموا بدراسة القضاء المصري في العصر العثماني يذهبون إلي القول بإن كل مذهب كان له اختصاصات معينة وكان الناس يسجلون معاملاتهم الشرعية عند القاضي الذي مذهبه أصلح لهم ( أي كنوع من التسهيل علي الناس )

   ولكننا في حقيقة الأمر لا يمكن أن نقبل ذلك القول دون تحري الدقة وبعد دراسة الكثير جداً من التصرفات التي تمت علي أيدي قضاة المذاهب المختلفة.

   ولكي نكون بمأمن من الوقوع في الأخطاء التاريخية فلابد- كما سبق أن قلت- من تحري الدقة والموضوعية في دراسة الوقائع بدقة والتأكد من إجراء المقارنات اللازمة ورسم صورة شبه متكاملة وذلك بعمل دراسة مسحية شاملة ودقيقة لكافة التصرفات أو علي أقل تقدير لمعظمها, حتي يمكن أن نتوصل إلي الحقيقة أو لصورة أقرب ما يكون منها, ولكن برغم ذلك ستبقي الحقيقة التاريخية في هذه الحالة مجرد افتراضات قد تؤكدها أو تنفيها دراسات اخري مستفيضة فيما بعد.

   ولكنني أؤكد علي أن تلك الافتراضات- في مجال البحث العلمي التاريخي – ينبغي أن تكون افتراضات علمية أي مبنية علي أسس علمية وليس علي الظن والتخمين.

 

    والخلاصة  

    إنني احاول من خلال ذلك المقال أن أوضح: 

    1- كيفية إختيار منهجاً علمياً سليماً للبحث التاريخي لا يعتمد علي أقوال مرسلة وقوالب جامدة, أو علي مجرد التفسير الظاهري للصيغ المدونة بالوثائق, بل يقوم بشكل أساسي علي الفهم الكامل للإطار التاريخي والظروف اليت أنشئت فيها الوثائق وصياغتها علي نحو ما صيغت عليه ومعرفة طبيعة المؤسسة المنتجة لها وعلاقتها بالدولة والسلطة, وذلك كله بغرض الفهم الصحيح للنصوص الوثائقية ومحاولة تفسيرها وتحليلها في ضوء الظروف المختلفة التي أدت إلي كتابتها, وكذلك محاولة الإدراك والفهم لدلالات المصطلحات التي تتضمنها تلك النصوص نظرا لكوننا كباحثين ومتخصصين في مجال الوثائق والتاريخ قد عانينا وما زلنا نعاني حتي الآن من عدم دقة الفهم للمصطلحات والتضارب في الآراء والأفكار وهذا يرجع من وجهة نظري المحدودة إلي عدم الفهم أو الإدراك الصحيح لكيفية صياغة الوثائق- قد يعود ذلك إلي عيب موجود في الباحث نفسه- وأيضاً عدم التدقيق عند إختيار مرادف لتلك الصيغ ( مرادف معروف ومتفق عليه بين الباحثين ), وعلي سبيل المثال هناك مصطلح وثيقة ومصطلح حجة كلاهما له معني مختلف عن الآخرعند كتاب المحاكم الشرعية, فنري الشخص يقدم للقاضي وثيقة تؤكد حدوث التصرف بالبيع مثلاً ويطلب منه حجة تدل علي ملكيته للعين موضوع التصرف, وهنا يمكننا القول بوجود فوارق واضحة بين كلا المصطلحين وذلك علي الرغم من أن بعضنا قد يقول بعدم وجود اختلاف بينهما.

2- مثال آخر نراه في سجلات المحاكم الشرعية عندما صدرت الأوامر الصريحة بإسناد عملية ضبط وقسمة تركات النصاري لكبير طائفتهم دون تدخل قاضي محكمة القسمة ( القسام العربي )  أو بيت مال الجوالي وذلك للحد من بطش وجشع هؤلاء وفي هذا - كما يذهب البعض – دلالة كبيرة عن مدي الحرية التي تمتع بها أهل الذمة في العصر العثماني. فهل ذلك يعد مقياساً صحيحا يمكن أن يجعلنا نأخذ بذلك الرأي ؟

    ( راجع سجل محكمة القسمة العربية رقم 132 ص 18 وثيقة 18 )

3- ومثال ثالث عندما يشهد شخص لدي القاضي بأنه من يوم تاريخه سوف يفعل كذا وكذا وتكتب وثيقة بذلك, فهل يمكن للباحث أن يتيقن من أن المشهد قد فعل ما أُشهد

عليه ؟   

4- ضرورة إيجاد السبيل الصحيح لاستخدام الوثائق في مختلف أوجه التاريخ لأن الوثائق هي مرآة العصر بحق والتي يمكن من خلالها التعرف علي تاريخ حياة الشعوب ومعيشتهم وعادتهم وتقاليدهم وثقافتهم وأحوالهم الاقتصادية والاجتماعية وغيرها, وذلك لأن هناك بعض الاتهامات الموجهة لمن يتصدي من الوثائقيين  للكتابة التاريخية من خلال الوثائق بأن حرفة التوثيق هي الغالبة علي كتابته أكثر من المضمون التاريخي والاجتماعي والقانوني, ويرجع ذلك إلي عدم فهمه الكامل والصحيح لمعاني المصطلحات الواردة بالوثيقة وعدم محاولة ردها إلي اصلها التاريخي .

                      والله تعالي الموفق للصواب           

المصدر: رؤية خاصة لكاتب المقال من واقع دراسته لوثائق المحاكم الشرعية

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

10,582