أوضاع الأقباط قبل وبعد ثورة يوليو 1952


وضع الأقباط في عصر محمد علي الكبير :
يجدر بنا أن نذكر أن الأقباط في عصر محمد على الكبير -مؤسس مصر الحديثة- تمتعوا بسياسية التسامح وروح المساواة بين جميع المصريين منذ توليه حكم مصر سنه 1805.
عندما نركز على هذا التسامح إنما نقف تجاة بانورما التاريخ فننظر إلى ما قبل عصر محمد علي للسلطة التي تولاها في عصر مضطرب غاية الإضطراب حيث كانت خزينة الدولة خاوية من المال، نجد محمد على بدأ في اتباع سياسة تسامح فقضى على التفرقة بين القبطى والمسلم لأن كلاهما يستطيعان أن يقدما للبلاد أحسن الخدمات. كما اتجهت سياسة محمد على إلى مساواة تامة بين المسلمين والأقباط في الحقوق والواجبات فعين أقباطاً مأمورين لمراكز برديس والفشن بالوجه القلبى، دير مواس وبهجورة والشرقية لقد تبع محمد علي هذه السياسة لسعة أفقه وهذا هوسر تفوقه وتوفيقه. وجدير بالملاحظة هنا أن تعيين أقباط مأمورين مراكز هوبمثابة تعيين محافظين للمحافظات الآن. وستان بين تعيينات الأقباط في هذا العصر الذهبي وبين عصرنا الحالي.
لم تلبث هذه السياسة التي اتبعها محمد علي تجاه الأقباط أن أتت ثمارها فانتشرت روح المساواة بين جميع المصريين في جميع القرى المصرية وتعاون المسلمون والمسيحيون تعاوناً صادقاً من أجل مجد الوطن. وهكذا ظل الأقباط طوال عصر محمد علي عنصراً في بحر الأمة المصرية التي تعيش في سلام ولم تقع بهم إلا الاضطهادات خفيفة جدا لا تذكر. .

ولا ينسى الأقباط في عهد الزاهر ألغى محمد علي قيد الزي الذي كان مفروضاً على الأقباط في العصور السابقة كما لا ننسى أيضاً أن عصر محمد علي يُعتبر من أزهى العصور التي مرت بالكنيسة القبطية حيث ألغى كل القيود التي كانت تفرض على الأقباط لممارسة طقوسهم الدينية ولم يرفض للأقباط أى طلب تقدموا به لبناء اوإصلاح الكنائس. وتحدى قصر عابدين عدداً كبيراً من الأوامر الخاصة بالكنائس سواء لتعمير الكنائس أومساعدتهم في ذلك أوالإستعجال في تنفيذها، وقد تعددت هذه الأوامر لبناء الكنائس في عهود سعيد باشا والخديوى إسماعيل باشا كان محمد على أول حاكم مسلم منح المواظفين الأقباط رتبة البكوية واتخذ له مستشارين من المسيحيين.


وفي عصر سعيد باشا (1854- 1863) عمل على استمرار روح التسامح الديني والمساواة بين المسلمين والأقباط فقام بتطبيق قانون الخدمة العسكرية على الأقباط وألغى الجزية التي ظلت جاثمة على صدور الأقباط منذ الفتح العربي في منتصف القرن السابع.

ودخل الأقباط لأول مرة مرة في سلك الجيش والقضاء وسافر بعضهم إلى أوروبا وكانت النهضة التعليمية لها النصيب الأسد فيها. ولا ننسى أن سعيد باشا عين حاكماً مسيحياً على مصوع بالسودان وهوإجراء يميز عهده أحسن تمييز ويهدف إلى إفادة البلاد لكل الكفاءات مهما كانت الديانة التي تنتمي إليها.


أما الخديوى إسماعيل باشا (1863- 1878) الذي تلقى علومه في فيينا ثم باريس فقد وجد عند عودته إلى بلاده أن الجويصلح لاتباع سياسة التسامح والمساواة على أوسع نطاق ونجده يقرر علانية ورسمياً بين الأقباط والمسلمين وذلك بترشيح الأقباط لانتخابات أعضاء مجلس الشورى ثم بتعيين قضاة من الأقباط في المحاكم ونتساءل كم عدد الأقباط الذين رشحهم الحزب الوطني الديمقراطي في انتخابات مجلس الشعب؟؟
كما يجب ألا ننسى أن الخديوى إسماعيل هوأول حاكم طلب رتبة الباشوية لرجل مسيحي وقد شغل الكثير من الأقباط في عصره مناصب عالية -وليست هامشية- فقد شغل واصف باشا وظيفة كبير التشريفات وأخرون .

وباختصار نستطيع أن نؤكد أن العلاقات بين الأقباط والمسلمين في عصر الخديوى إسماعيل تحسنت تحسناً ملحوظاً وأن مبدأ المساواة السياسية والاجتماعية أصبح أمراً مألوفاً في البلاد هذا ولأول مرة نرى حاكماً مسلماً يشجع أدبياً ويدعم مادياً التعليم الطائفي القبطي لأن الخديوي اسماعيل كان يؤمن بأن القبطي مصري كالمسلم على حد سواء هكذا كان الأقباط يتمتعون بالمواطنة الكاملة المتساوية مع اخوتهم المسلمين وذلك في القرن التاسع عشر وكيف انحدر بهم الحال الآن ونحن في القرن الواحد والعشرين.


وضع الأقباط في القرن العشرين

 


وبمناسبة مرور نصف قرن على قيام ثورة يوليو1952،نهدي هذا المقال لجيل الشباب الذي لم يعاصر العصر الليبرالي الديمقراطي ما قبل الثورة وكيف كان حال الأقباط في هذا العصر الذهبي (1805- 1952) .
إن إى مؤرخ منصف محايد يلمس أن أحداث ثورة 1919 تجلت فيها مظاهر الوحدة الوطنية في الحركة المشتركة للأقباط والمسلمين، كانت القيادة الوطنية -بزعامة سعد زغلول- واعية منذ البداية من أهمية موضوع الوحدة الوطنية والتي باركها ودعمها الشعب كله والتي أفرزت شعارات تقدمية مثل "الدين لله والوطن لجميع" "عاش الهلال مع الصليب".


لقد شارك الأقباط في الحياة السياسية بقوة ووطنية في هذه الفترة حتى يمكن اعتبارها من أزهى فترات الوحدة الوطنية. تواجد الأقباط بشكل طبيعي وملحوظ على الساحة السسياسية كلها وفي كافه المراكز القيادية ولذلك لم يكن بمستغرب أن ينتخب ويصا واصف -محطم السلاسل- رئيسا لمجلس النواب (البرلمان).


كان المرشح القبطى يرشح في دوائر كلها مسلمين وكان ينتخب بصرف النظر عن ديانة هذا المرشح أوذاك.

فهكذا تواجد الأقباط تواجداً فعالاً على الساحة السياسية سواء أكان في البرلمان بمجلسيه، النواب والشيوخ، أومجالات الإعلام والفكر والثقافة والصحافة وكافة وظائف الدولة القيادية وغير القيادية. فكانت فترة تاريخية خصبة من حيث اختفاء التمايز الديني وبناء الدولة العلمانية وتقلص دور الدين على الساحة السياسية إلى أن قامت جماعة الإخوان المسلمين بزعامة الشيخ حسن البنا بالمطالبة بالحكم الدينى في مصر ورغم هذا تصدى له الوفد دائماً أبداً ضد هذا المطلب الديني وانتصر المجتمع المدني الديمقراطي حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952.


وضع الأقباط بعد الثورة :

 


يلاحظ المعاصرون أن عهد جمال عبد الناصر لم يحدث فيه أن اثيرت الفتن الطائفية بالكم الذي حدث في العصور المتتالية.
إن حركه الجيش التي قامت في 23 يوليو1952 قامت على تنظيم سري بحت للضباط الأحرار ولم يكن ضمن هذا التنظيم أي قبطي أن ينتمي إلى الصف الأول ولقد رحب الأقباط شأنهم شأن بقية أبناء الشعب بقيام الثورة وتمر الأيام تلوالأيام ويغلب على الأقباط التوجس خاصة حول مشاركة الأقباط في حركة الجيش وتحول التوجس إلى قلق وبشكل خاص بعد أن استبعدت الثورة قادة الرأي من الصفوة القبطية سواء بفعل قانون الإصلاح الزراعي أوبالتأميمات.

ألغى جمال عبد الناصر الأحزاب السياسية في يناير 1953 مستثنياً جماعة الإخوان المسلمين، لم يعد من الممكن لأي قبطي أن يرشح نفسه للإنتخابات أن ينجح مادامت لا توجد أحزاب يستند إليها، ولهذا ابتكر عبد الناصر ابتكار ابتكاراً جديداً لم يُمارس من قبل طوال الحياة البرلمانية في مصر منذ القرن التاسع عشر فابتكر أسلوب "تعيين" الاقباط في مجلس الشعب.

فقرر إداريا قفل عشر دوائر اختيرت بدقة حيث التواجد القبطى محسوس وملحوظ وذلك بأن قصر الترشيح على الأقباط وحدهم وظل هذا المبدأ معمول به إلى أن أعطيت سلطة تعيين عشرة أعضاء لرئيس الجمهورية.
هذا ويلاحظ أن كل الوزارت التي تولاها الأقباط طوال عهد عبد الناصر كانت من الوزارات الهامشية كما أن معظم الأعضاء الأقباط المعنيين في مجلس الشعب أوالشورى الآن من الشخصيات القبطية الضعيفة الشخصية معظمم مصفقين مداحين طبالين وفي أفضل الأحوال صامتين.


حينما تم اصطدام جماعة الأخوان المسلمين مع رجال الثورة بسبب التنافس على السلطة، أراد عبد الناصر أن يُزايد على جماعة الإخوان بإعادة الدولة الدينية بعد حوالى 150 عاماً على ظهور المجتمع المدني في عصر محمد علي ولهذا يرى غالي شكري أن بذور الفتنة الطائفية وضعت في عهد عبد الناصر ولأن الدين كان حاضر لآداء وظيفته في عهد عبد الناصر ففي أثناء صراعه مع الإخوان المسلمين راح يزايد عليهم تكتيكياً وذلك بإصدار عدة قرارات مثل :

 


1. جعل الدين مادة أساسية في مختلف مراحل التعليم تؤدى إلى النجاح والرسوب.
2. إنشاء جامعة الأزهر على غرار الجامعات العصرية مقصورة على الطلبة المسلمين فقط وذلك لدراسة جميع فروع العلم.
3. إنشاء دار القرآن في 14مارس 1964 لنشر التراث القرآني.
4. إنشاء إذاعة القرآن الكريم.
5. قيام كمال الدين حسين بأسلمة برامج التعليم.

الفتنة الطائفية والحل :

 

ما هوالحل؟؟ الحل هوالقيام بإصلاح سياسي ودستوري شامل يعيد المجتمع إلى المجتمع المدنى الليبرالي الديمقراطي، يعطى حق المواطنة الكاملة لكل المواطنين بغض النظر لانتماءاتهم الدينية أوالسياسية أوالجنسية مع تغيير المناخ العام في برامج التعليم والإعلام وذلك بنشر ثقافه المحبة والتسامح وقبول الآخر.
إن مصر في حاجة إلى تطبيق مبادئ سعد زغلول ومصطفى النحاس تلك المبادئ التي أوصلت مصر في نصف القرن الماضي إلى مصاف الدول المتمدينة العظيمة رغم أنها كافحت في تلك الفترة الاحتلال البريطانى. إن مصر في حاجه إلى بناء وطن موحد يجمع كل المواطنين على اختلاف ديانتهم وثقافتهم في ظل مجتمع مدني ليبرالى حتى يعود لمصر وجهها السمح وحتى ينطلق جميع ابنائها -مسلمين ومسيحيين- إلى تشييد مستقبل ديمقراطي زاهر لبلادنا العزيزة حتى يرفرف علم مصرنا مرة اخرى علم الهلال والصليب وتعود شعارات الدين الله والوطن للجميع عاش الهلال مع الصليب.

المصدر: موسوعة تاريخ أقباط مصر - coptic history الكاتب: خاص الكتيبة الطيبية - د. سليم نجيب http://www.coptichistory.org/new_page_4313.htm
HaresAmmar

د/حارص عمار ـ دكتوراة في المناهج وتكنولوجيا التعليم

  • Currently 25/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
9 تصويتات / 386 مشاهدة
نشرت فى 18 مايو 2011 بواسطة HaresAmmar

ساحة النقاش

HaresAmmar

الف شكري علي هذا التشجيع الكبير مع تحياتي

HaresAmmar

الف شكر د.سمر , علي مرورك الكريم

د/حارص عمار

HaresAmmar
هذا الموقع متخصص في المقالات العلمية ورسائل الماجستير والدكتوراة عامة والتربوية خاصة, كما يهتم هذا الموقع بكل ما يتعلق بمناهج وطرق تدريس الدراسات الاجتماعية وكيفية استخدام التكنولوجيا المتطورة مثل الانترنت والوسائط الفائقة والنظم الخبيرة الكمبيوترية والتراث العربي مثل الامثال العامية في تطوير الجوانب والاهداف المختلفة للدراسات الاجتماعية . راجياً من »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

460,844