سوء التوافق والانفعال الاجتماعي بين الطلاب من أهم التحديات التي تواجه التربية في العصر الحالي
لعل من أهم الواجبات والتحديات التي تواجه التربية المعاصرة العمل عن طريق المناهج المختلفة على إصلاح الأطفال سيئي التكييف اجتماعياً والمضطربين انفعاليا والواقع أن المعلمين كثيراً ما يعمدون بقدر ما يستطيعون وبما لديهم من خبرة تربوية إلى أصلاح ما يمكن إصلاحه من سوء التوافق أو الاضطراب الانفعالي في الحالات التي تصادفهم بين تلاميذهم . وقد تبوء مجهودات الكثيرين منهم بالفشل الذريع . ذلك أن سلوك هذه الفئة من الأطفال كثيراً ما يكون بمثابة تهديد لما تواضع عليه الناس من قيم وأصول في المعاملة . فهم إذا لم ينالوا ما يرغبون فيه فإنهم يقيمون الدنيا ويقعدونها .
لذا فإن الواجب علينا أن نبحث عن الطرائق التربوية التي ينبغي الاستعانة بها لإصلاح حال أولئك الذين يكونون السبب في الكثير من الضجر لمن يحيطون بهم ناهيك عما يعانونه هم أنفسهم من قلق بالغ أو اضطراب نفسي كبير .
ولقد بدأ المجتمع الحديث يدرك أهمية ما اكتشفه علم النفس الحديث من أمراض نفسية وأخذ يفسر كثيراً من حالات سوء التكييف في ضوء ما ألم بالشخص الناشز من أعراض نفسية أو جسمية تتبدى أعراضها في شكل سلوك مناهض لما تواضعت عليه الجماعة ولما تدين به من مثل عليا وقيم روحية . ولقد نجم عن هذه النظرة الجديدة اختلاف الطريقة المتبعة في محاولة تعديل سلوك هذه الفئة من الأطفال . فبعد أن كان الضرب أو غيره من عقوبات هو الوسيلة الوحيدة التي يلجأ إليها المربى أصبح الآباء والمعلمون يتطلعون إلى طرق جديدة يستعينون بها في التعامل مع هذه الفئة من الأطفال الناشزين . وتختلف هذه الفئة في بعض الأنحاء عن غيرها من أطفال غير عاديين فالشخص الذي يتعامل كثيراً مع الأطفال المضطربين انفعاليا يستطيع أن يلحظ بسهولة طريقتهم الفظة في المعاملة وقلقهم الزائد أو انزوائهم عن الآخرين . ولكنهم مع هذا يبدون في كثير من المواقف كالأطفال العاديين ولذا فإن الكثيرين يتوقعون منهم أن يستجيبوا بنفس الطريقة التي يستجيب بها الأطفال الأسوياء في جميع المواقف . غير أن عدم قدرتهم على الضرب في طريق الأسوياء من الأطفال كثيراً ما ينتهي بهم إلى الشذوذ ونادراً ما يتمكن القائمون على أمر تربيتهم من أباء ومعلمين من فهم حالتهم بدقة والتماس أسباب العذر لهم وأخذهم بالتالي بالرفق والعمل على علاج ما أعوج من أمورهم بنظرة موضوعية بعيدة عن الاتهام والتأنيب . ولكي نقف على أهمية هذه المشكلة فلابد من فهم بعض الحقائق الأساسية .فأولاً : معرفة نسبة الأطفال المضطربين وغير المتوافقين ثم الوقوف على العوامل السيكولوجية التي تكمن وراء السلوك الناشز اجتماعياً وانفعالياً ثم مدى فاعلية التربية في هذه الحالات وبخاصة أن كثير من الأحداث يجدون أن المؤسسة التعليمية تعد مصدر إحباط لهم ودافعاً لهم نحو الفشل فهي بالنسبة لهؤلاء الأطفال ليست بيئة مساندة أو حافزة لهممهم والواقع أن السبب الأساسي في كراهية هؤلاء الأطفال للحياة المدرسية هو البيت ثم المدرسة ذاتها . على أن هذه الفئة من الأطفال تبدى من التوفيق في العمل المدرسي قدراً أقل مما حصلوا عليه من مستوى عقلي . ولذا فإنه بغض النظر عن القدرة التي يستحوذون عليها فإنهم لا ينجزون في العادة ما يجب عليهم انجازه . وهذا يمثل صعوبة شديدة لما يمكن اتخاذه من إجراءات تربوية بإزاء هؤلاء الأطفال المضطربين انفعالياً .وهناك من علماء النفس من يعزون سوء التوافق لدى هذه الفئة إلى الافتقار التعليمي بالمؤسسات التعليمية إلى توظيف الأنشطة المدرسية وعلى كل حال فمن المعروف جيداً أن سوء التكييف العام والمشكلات المدرسية يسير جنباً إلى جنب ولكن يظهر الواحد منهما في بعض الأحيان قبل الأخر . ولكن إذا ما استمر الفشل في التحصيل المدرسي فإنه يعم حياة الشخص سواء أكان هذا الفشل أولاً أم بعد ذلك وقد أشار بعض الباحثين التربويين إلى الأسباب الأساسية التي يحال بسببها الأطفال إلى العيادات النفسية لدراستهم وعلاجهم هي التخلف في التحصيل وحده أو التخلف في التحصيل مشفوعاً بمشكلات سلوكية مختلفة أو لأسباب سلوكية بحته . فالإحالة إلى العيادات النفسية تكون غالباً بسبب تلك المشكلات السلوكية لا بسبب المشكلات الانفعالية التي لا تنتهي إلى نتائج تظهر في الجماعة على نحو أو أخر . وتتضح من هذا أهمية التربية بالنسبة لهذه الفئة من الأطفال وضرورتها فلقد وجد أن خطورة المشكلة المتعلقة بالاضطراب الاجتماعي الانفعالي لدى هذه الفئة خطيرة أن معظم هؤلاء الأطفال لهم اتصال مباشر بالمدرسة لذا تقع على كاهل هذه المؤسسة التعليمية مسئولية القيام بدور أساسي في العناية بأمرهم(1) .
وكذلك فإن للمؤسسة التعليمية أهمية خاصة في حياة الطفل ولذا فإنها تعد عاملاً فعالاً في الارتفاع أو الانخفاض بمستواه النفسي . ولكن ما يحدث بالفعل هو أن كثيراً من التلاميذ يجدون أن المدرسة عامل سلبي بإزاء توافقهم للحياة فبدلاً من أن تكون المدرسة عاملاً علاجياً فإنها تؤدى إلى عكس ذلك في الغالب إذ تخلق كثيراً من المتاعب النفسية الكثيرة . فمن الضروري إذ ما أريد من التربية أن تكون عاملاً مؤثراً في تحقيق أهدافها أن يتم بادئ ذي بدء إحراز فهم أعمق لهؤلاء الأطفال سيئي التوافق وهنا استفسار :
· ما الأعراض التي تظهر في سلوك هؤلاء الأطفال ؟
· وإلى أي حد تستطيع التربية أن تؤثر فى تقويم سلوكهم ؟
· وما المناهج التي تصلح لتحقيق هذا الغرض ؟
------------------------------------------------------(1) ف.ج. كروكشانك – تربية الموهوب والمتخلف – ترجمة يوسف ميخائيل أسعد
تقديم د. محمد خليفة بركات – وكيل وزارة التربية والتعليم سابقاً – مكتبة الأنجلوا المصرية – عام 1971 – ص165:166



ساحة النقاش