حتى أراك

،،

الاعلام ، والواقع ( داعش والأسطورة نموذجاً  / سيف إكسكاليبر ١ ) 

،،

يتابع الناس نشرات الاخبار ، ينطقون مع المذيع  بدهشة كلمة  ، داعش  ، ماذا تعني كيف ظهرت و تسلطت  على العقول ، أليست خبرا تكراريا في كل نشرات الاخبار منذ عام  ٢٠١٤ و بكثافة ، 

ظهرت كلمة داعش اعلاميا مع بث صوتي لإعلان قيامها الكلمة / الدولة ،!   على احدى القنوات الفضائية في عام ٢٠١٣  ، و ما ان وصلنا لمنتصف ٢٠١٤ حتى كانت كلمة داعش الكلمة الاكثر رواجا في نشرات الاخبار ، و من وقتها انهالت علينا الفيديوهات عبر السوشيال ميديا و نقلتها قنوات التلفزيون ، و الإذاعات ، والصحف ، وتصدرت حياتنا ، و عكرت  مزاج الشعوب ، و كانت في قلب حوارات الناس يوميا ، و اذكر انني في عام ٢٠١٥  فزعت لخبر ورد في موجز الانباء يعلن تغيير اسمها الى داعشم لرغبتها في ضم مصر  للعراق والشام ، و تمت مراجعة الخبر ، و لم يذع  و الحمد لله ،

في رمضان الماضي ، وسط جدل كبير ، يتابع الناس  مسلسل الأسطورة  كأنه واقع حقيقي ، يتابعون البطل كصديق ينشد العون والدعاء ، و يحلمون معه ، ويتألمون معه ، و يرسمون بعض خطط حياتهم بناء على تجربته ، ومسار حياته ،  أليس هذا مسلسلا دراميا خياليا ؟ 

لا يفرق الناس احيانا بين الحقيقة و الواقع الفعلي الذي يعيشونه و يعيشه العالم من حولهم  و بين ما يجيء في الاعلام ، سواء اخبار او خيال ، كيف يحدث هذا ؟ 

منذ اكثر من ستمائة عام ، استخدم  ابن خلدون ( مؤسس علم الاجتماع ، تونسي المولد ، أندلسي الجذور ، تخرج من جامعة الزيتونة ،  عاش من 1332 - 1406 م  )  مفهوم  الواقع الاجتماعي للدلالة على ظواهر ونوازل العمران البشري . يقول في الصفحات الاولى من مقدمته  : "ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتصنع على غير الحق في نفسه".  

يفرق ابن خلدون بين الواقع ، و نقل الخبر عن هذا الواقع الذي ينقله  احد الأشخاص من وجهة نظره  و كما رآها  هو ، و نلاحظ هنا ان الخبر الواحد يحدث في مكان ما فينقله الاعلام بمائة طريقة وفقا للوسيلة الاعلامية و مالكها وأهدافها و المحرر الصحفي ، و غير ذلك ،،

وارتبط وجود الانثروبولوجيا الثقافية بهذه الفكرة.  منذ  منتصف القرن العشرين و ظهور  علم  “الأنثروبولوجيا ” الذي يبحث في كل  ما يتعلق  بالانسان من أثار الاجساد  ، و  الحضارات العظمى إلى الثقافات البدائية ، ثم دراسات  اللغات لدى  الشعوب  و كيف تصنع اللغة تجاربهم الذاتية عن البيئة المادية والإجتماعية  حولهم ، وانعكس ذلك في نظرية النسبية الثقافية في بناء المعنى، ، ما فتح في وقته آفاقا جديدة، واحتمالات لتطور التصور والفهم في مجال الدراسات السلوكية. و ظهر  الاهتمام  بمراحل   النمو العقلي للانسان و التركيز على  الجوانب التي تختلف من مجتمع إلى آخر  ، أخذين في الاعتبار العوامل الداخلية المتعلقة بالانسان و جيناته ، و تكوينه الشخصي ، والعوامل الثقافية الخارجية المرتبطة بالجماعة و المجتمع الذي يعيش فيه ،، 

يصنع العقل الانساني نماذج جاهزة للواقع يتكيف معها ، و يتلقى ما يحدث حوله بناءً على تلك النماذج  ، و تمارس الكلمة نفوذها بالقسم والتهديد والوعود  ، و عقولنا تختزن رصيدا من السيناريوهات الموجودة داخلنا فنضع ما نتلقاه حديثا على النماذج الجاهزة لدينا و نكمل مسيرة الحياة ،، و اللغه تسيطر علينا جميعا ، ولكل كلام رد فعل  داخل نفوسنا  ، الامر و الاستفهام  والوعد  والتقرير ، حالة من الإذعان  والاقرار والتقرير والاستجابة طاعة او رفضا ،  حلما وامالا ، و  إجابة  او تصديقا !!

 اللغة  في وسائل  الاعلام تتسلط على عقولنا ، وتصنع واقعا قد لا يتطابق مع الحقيقة لكننا ندخل في تفاصيله ، و يدرك ذلك صناع الاعلام ، فالرسائل الاعلامية تخاطب الاذهان ، باللغة ، واللغة الان تتخطى حدود الحروف المكتوبة والمنطوقة ، الى لغة اشمل تنقل الصور ، و التعبيرات ، والدلالات ، و  تستهدف الاصدقاء والاعداء و الموضوعيين  و المحايدين ، والذين لا اهتمام لهم ، كل البشر مستهدفون ،

و لكل عصر سيفه ، ولكل عصر فارسه بقيم تعكس حال العصر ، و أخلاقياته و أهله  ومتغيراته ،  قديما كان الإيمان بسيف إكسكاليبر يعكس شروط  الفارس الذي سيحكم و يرث الملك ، 

(  تقول الأسطورة انه في قديم الزمان ، كان هناك سيف في قلب صخرة ، من ينتزعه يحكم البلاد  ،  حتى جاء  الصبي غير الشرعي آرثر الذي قام على تربيته ساحر يدعى "ميرلين"، ثم أصبح الصبي ملكًا بعد انتزاع السيف ، وحشد حوله مجموعة فرسان عرفوا بفرسان الطاولة المستديرة،  . و تشير الأسطورة الخرافية إلى أن الملك آرثر لم يمت ولكنه غط في نوم عميق في انتظار الحقبة التي ستحتاج فيها مملكته إليه مجدداً . وفي جميع الروايات لحكاية هذا السيف نجد صورة الرجل  القوي ، ويؤدي السيف دورًا مركزيًا في الأساطير  ) 

وهنالك الكثير من الافلام  في السينما العالمية  تتحدث  عن هذه الاسطورة  ،، كما  انتج الجيش الامريكي صاروخا جديدا أطلقوا   عليه اسم اكسكاليبر ،   و قذيفه اكسكاليبر ، ايضاً تحاصرنا  ألعاب الكمبيوتر التي تحمل نفس الاسم ، و تستعمل قذائف اكسكاليبر نظام جي پي أس لتحديد المواقع عالمياً، من أجل توفير الدقة الفعالة من اي مسافة منذ الطلقة الأولى للحد من وقوع الأضرار الجانبية ، فماذا يمكن ان يكون السيف الان ؟ 

الدراسات التي تنفق عليها  المؤسسات العسكرية الكبرى  و يشارك فيها عسكريون متخصصون وقادة مسلحون تتحدث عن الاعلام بأدق أدواته ، و استخدام  تقنيات "الإدراك ماوراء الحسي"  و " ماوراء الطبيعية "  يَرَوْن  أن تبدأ الحرب الذهنية الاستراتيجية  بإثارة انتباه الأمة المعادية بكل وسيلة متوفرة، كما يجب أن تضرب جنود تلك الأمة المحتملين حتى قبل أن يلبسوا  زيهم  العسكري . ففي البيوت  و التجمعات العادية  يكون هؤلاء الجنود  المحتملون أكثر عرضة للحرب الذهنية.

سيف العصر الان  خطط جديدة تضعف الأعداء وتقوي الشركاء ما داموا  ملتزمين بقواعد و اخلاقيات وشروط صاحب السيف ،

سيف العصر ، الاعلام ، و فارس العصر اصحاب المصالح ، و الفريسة نحن ، و الفارس المنشود لا يجد مكانا ، لكن انعقاد الأمل على  استمرار الجهد و العمل باتجاهات اعلام يقارب بين الواقع الحقيقي ، و محاولات اصلاحه ، والواقع المدرك من وسائل  الاعلام  ومحاولات تقريبه من الواقع الفعلي  امر يستحق السعي 

 

 

 

المصدر: د نادية النشار
DrNadiaElnashar

المحتوى العربي على الانترنت مسئوليتنا جميعاً د/ نادية النشار

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 100 مشاهدة
نشرت فى 21 أغسطس 2016 بواسطة DrNadiaElnashar

د.نادية النشار

DrNadiaElnashar
مذيعة بالاذاعة المصرية... استاذ الاعلام ، انتاج الراديو والكتابة الاعلامية ، والكتابة لوسائل الاعلام الالكترونية ، متخصصة في انتاج البرامج الاذاعية والتدريبات الصوتية واعداد المذيع... متخصصة في التنمية البشرية وتدريبات التطوير وتنمية المهارات الذاتية والاعلامية... دكتوراة في الاعلام والتنمية »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

388,144