كتبت بقلم - مى عبد المنعم أحمد (مى الشاعر)                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                    

  

انفجـــار

حلقات عمره الخمس إلا قليلاً .. قد غطت شعره كله بالثج ما مر به من محن .. لقد عاش عمره كله كإناء محكم الانغلاق !! طفولته .. صباه .. شبابه .. رجولته .. سلسلة متصلة لا ينفرط عقدها من الألم .. حبل غليظ متين ملتف حول عنقه فى إحكام .. قد حرمه الخروج من نفسه الملتهبة إلى رحيق الحياة الأخضر الرحب .. الضغوط الكثيفة التى سطرت صفحات عمره .. جعلته يمتلك دروعا فولاذية كابحة لكل ما يدور فى فلكه الداخلى من غليان وفوران وسحب سوداء كثيفة جامحة .. باختصار لقد حولته الأيام لإناء ضغط هائل .. أو بركان صغير ينتظر لحظة الميلاد !! لكنه انتظار ممل كله عبثية وسخافة !! مع إنه انتظار يقظ نشيط .. شديد الحرارة والحيوية تتفاعل فيه همومه الذاتية وهمومه العائلية وهموم بلده ثم وطنه ثم هموم كوكبه .. دوامات وضغوط هائلة تسير فى اتجاه واحد نحو الانفجار .

ظاهر حسن الطلعة والتأنق البادى عليه ، والبسمة التى لا تفارقه لم تكن إلا قناعا خادعا يستعين به للانتصار على لؤم الحياة ، وداعه طبعه وخفة ظله .. ولين جانبه .. ورشاقة لفظه لم تكن إلا قشرة ناعمة ملساء جذابة لقنبلة شديدة الانفجار فى الغمق الممتد .. والفارق بين مظهره .. ومخبره .. كالفارق بين الجنة ... والنار !!

استيقظ قبل الفجر رغم أنه لم ينم !! الأرق العنكبوتى اللاسع قد أسقطه فى شباكه الحريرية الصيادة !! لم يستطع اٌفلات ولم يقاوم .. دوامات الفكر اللعينة ودوائره الباهتة جعلته يرى الشمس القائظة فى ظلمة الليل البهيم !! .. أشعل سيجارته من جمر نفسه الملتهبة .. يبغى الهروب مع الدخان المنطلق من أعماقه الملتهبة .. لكن خيطا رفيعا غير مرئى مربوط بالأرض والواقع قد جذبه بشدة .. وأرجعه لمكانه حملق فى المكان وكأنه يراه للمرة الأولى .. تلك المناظر السيريالية المجردة المنقوشة على الجدران بالشقوق والتآكلات والرطوبة .. لا يستطيع فنان مبدع أن يجاريها .. السقف الباكى المتساقط لم يجد من يستمع لشكواه !! الكنية العجوز الكالحة تجاعيد الزمن قد كستها .. والدولاب قد تفككت أوصاله وضاعت ملامحه المحترمة !! السجادة قد أكلتها الرطوبة وتولت الحشرات والعتة طمس معالمها .. أما السرير فقد تحمل فى صبر وجلد سنوات طويلة حتى نخرت عظامه ولم ينفع فيه علاج !!

نفث سيجارته .. وتوقفت عيناه على عينين يعرفهما جيدا .. عينى زوجته المسجاة بجواره على السرير .ز نعم هو نفس السرير الذى ضمهما فى أول ليلة زواج .. عينين قاسيتين .. معاديتين .. دائما تواجهانه فى صمت غريب من غير لغة .. وتتربصان به فى كل شاردة وواردة ، من غير سبب .. ولم يتعود الرد غليهما من قبل .. ولا يريد شراسة المعاشرة فى غير ود .. قط برى لا يروض .. قطعة من الرخام الأبيض بلا روح .. شعرها طويل أسود كالليل .. ولسانها أطول كالسوط .. غريزية الطبع فى غير عقل .. كل يوم تصطنع مشكلة جديدة لتضيف حجرا إلى السور الفاصل بينهما حتى ارتفع السور لما فوق القامات .. وأصبح كل منهما لا يرى الآخر إلا من خلال ثقب اٌشباع !! فى لحظات توقف الزمن !!

كان لقاؤهما الأول فى وداع !! وداع شقيقها المسافر وصديقه الأثير إلى قلبه .. اجتمعت دموعهما فى كأس واحد .. كأس فراق الحبيب .. التقت النظرات بالنظرات فى الأفق المفتوح وقت الشروق مفاتيح الكلام تعطلت وأفسحت الطريق أمام لغة القلوب .. رسما الطريق الوردى الموصل إلى جنة النعيم المقيم .. حملهما بساط الريح السحرى إلى أركان المعمورة الأربعة .. هبطا إلى العش الهادئ .. بعد خطبة لم تستغرق سوى ومضة زمن .. حلقا فيها فوق السحاب .. طافا الكواكب القريبة والبعيدة ولم يريا الأرض سوى كرة زرقاء وخضراء وصفراء مضيئة كأنها حبة من الماس .. ومن أول لحظة اصطدما بها بالزواج انشطر إلى اثنين .. هو وهى .. أما هو فجناحاه حملاه إلى أعلا أحدجهما كان جناح العلم والمعرفة والآخر كان رجاحة العقل وسعة الصدر والحرية .. أما هى فجناحاها لم يستطيعا الطيران بها لأن أحدهما كان جناح الجهل .. والثانى ضيق الأفق وحب السيطرة وعدم التمييز بين الصواب والخطأ .. والغيرة الغبية .. منذ أول لحظة بعد الزواج تعرت عيوبها مع ملابسها .. وانكشفت سواءتها رغم غطرسة جمالها .. الذى أصبح فيما بعد نقمة بدلا من أن يكون نعمة .. كان ثمار زواجهما ولدا وبنتا .. أرضعتهما حتى أصبحا صورتين طبق الأصل لسوء الطبع وسوء التربية وشذوذ الفهم .. لقد نجحت نجاحا مبهرا فى جعلهما ثمار فاسدة .. بدلا من ثمار منفتحة ناضجة .. أوصلتهما إلى نقطة اللاعودة من الأب بعدم احترام كلامه وعدم طاعته .. رغم أنه يبذل كل ما وسعه لإسعاد أسرته الظالمة له دائما . حسابه مع أسرته لم يكن فيه أرباح وخسائر .. بل أكثره ودائما . ظل يدفعها طول الوقت عن طيب خاطر .. ترمومتر رجولته فى نزول دائم حتى وصل إلى الصفر !! ومع ذلك فإنه ظل يقاوم .. ولم ييأس .. وظل يمضغ الألم النبيل فى صبر وجلد .. وتعود فمنذ تفتحت عيناه على الحياة وهو يدور فى فلك المعاناة .. والده قد فارق الحياة قبل قدومه إليها .. وتبعته أمه ببضعة شهور .. ومنذ نعومة أظافره وهو يعانى خشونة المعاملة تارة فى بيت العم .. وتارة أخرى مع أسرة الخال وتربى على الكفاف وزهد المطالب والحرمان الرهيب .. وعدم الشعور بالأمن والأمان .. وقلبه المحترق شوقا للحنان مازال ينبض بالحياة .. فإن كان لم يصبه ذلك الشلال الجارف من الحنان طيلة حياته .. فليغمر به هو ولده .. وابنته رغم سخافتهما .. ولكن إلى متى ؟! التقط سيجارته وزفر زفرة منها وردد مع نفسه إن زخم الحياة وضغوطه المعتمة ..لابد أن يكون بعده نهار جديد !! هذه هى حكمة الحياة التى خبرها .. لكن قدرة الصبر عنده أصبحت على شفا منحدر مخيف .. والبركان الخامد فى نفسه قد استنفذ كل طاقات الكبت .. وثورته المدمرة قادمة لا محالة .. ولا ينقصها إلا الشرارة !!

حالة الإفلاس التى يعيشها منذ فترة ليست قصيرة تضغط عليه ضغطا اقتصاديا عنيفا .. رغم أن مهنته التى يمتهنها منذ تخرجه من بين أورقة وأعمدة الأزهر الشريف تدر على غيره الشهد .. إنه مربى أجيال مدرس يحمل رسالة الأنبياء والرسل .. صاحب رسالة تقويم النشء ونسج مستقبل الوطن ... وكل مسلك يعترض طريق رسالته المقدسة يضغط عليه هو الآخر ويصيبه بالقنوط  .. هزال التلاميذ وضغف بنيتهم من سوء التغذية والتلوث المحيط بهم من كل جانب يجعله قلقاً على المستقبل القادم .. والتلوث الخلقى المحيط بأجواء الأسرة والمدرسة والشارع يجعله فزعاً .. ناظر المدرسة التى يعمل بها تجارة التعليم تسرى فى عروقه ويعلم أسرارها أكثر مما يعلم فى العملية التعليمية المقدسة .. ويشجع المدرسين على الانحراف وقلة الضمير والذمة فى الرعاية المخلصة لزهور تتطلع إلى النور فتسقى بالقليل من العلم ولا ترتوى فتضطر للدروس الخصوصية والمجموعات وخلافه وتحت أى مسمى آخر .. المهم ما يدخل جيوبهم .. إنها مافيا .. مافيا التعليم فى عصر جاهل .. مدرسون بنفسيات لصوص الحصة بكذا .. والدرس مع المجموعة بكذا .. وإلا . وبعد " وإلا " هذه يأتى الثبور وعظائم الأمور على التلميذ .. وأهل التلميذ .. ولا نجاح .. ولاغش !! زوجته دائماً تتهمه بالضعف والخيبة وحبه للفقر لأنه أمين فى رسالته .. يرفض رفضاً بتاً أن تكون رسالتهع سلعة فى سوق التجارة الرخيصة ..ودائما تصفه بأفظع الصفات لكى يضعف ويضع ضميره فى الهوية إلى الأبد ويعطى الدروس الخصوصية والمجموعة ويجمع لها المال الوفير .. وهو يقاوم .. ويقاوم ولكن إلى متى المقاومة ووحش الأسعار يغتاله كل يوم عشرات المرات و ليس له راتب يكفيه .. أو امتيازات تروى العروق .. لم يصبح له إلا حلم واحد .. دائم .. يأتيه فى اليقظة والمنام . وهو الحل الوحيد الذى يراه يتفق مع عزة نفسه . رغم أنه حل وارد من الخارج .. ألا وهو الإعارة .. عدة سنوات ويعتدل الحال .. ولم يتحقق هذا الحلم العزيز بعد ، ومازال ينتظره بفارغ الصبر وربما يظل ينتظره حتى يوافيه الأجل المحتوم !!

مازالت سيجارته فيها بقية قليلة .. وكثير من الرماد متناثر حولها .ز أحس بضيق شديد فى صدره واختناق .. فتح النافذة لاستنشاق بعضا من نسيم الصباح .. أوهنت عينيه عوادم السيارات وزكم أنفه من الرائحة التى تبعث من المهملات الملقاة أسفل نافذته . أسرع بإغلاق النافذة والأبواب .. كل شئ متآمر عليه ويسبب له صداعاً لا يطاق وضغوطاً لا تحتمل .. الشارع والحارة والجيران والسلوكيات الضحلة المتخلفة .. الإحباطات الكثيرة الملتفه حوله فى حصار مميت .. فتح جهاز التلفاز ليهرب قليلا وجد الكثير مما يعكر الصفو ويصيب بالهلع من أحداث متصارعة يمر بها العالم العربى من مشرقه إلى مغربه من قتل مدنيين مسالمين يريدون تغير الواقع المر .. وانفجارات وتدمير.. إنه عالم مجنون .. مجنون .. لا يستحق أن نعيش فيه !!

شريط الذكريات المحمل بآلاف الصور من الماضى والحاضر والمستقبل لم يكن كله موشحاً بالسواد .. بل كان فيه وكل فترة بعيدة علامات مضيئة أدخلت على قلبه بعض الفرحة والسرور المؤقت أول مرة دخل فيها الأزهر الشريف ولبس الجبة والقفطان وزهزه بثمار اجتهاده .. فرحته بالخلق الجديد عند وفود ابنه ثم ابته ورؤيتهما حينذاك بمنظار المستقبل نجوما ساطعة تلمع فى سماء وطنه شامخين فى تواضع وصلاح .. كل هذه الشموع المضيئة هى التى أوصلته إلى هذه اللحظة .. لكنها انطفأت .. وأخذت معها رحيق حياته ...

صهد لهيب مستعر شق صدره وانطلق .. ملأ المكان كله لمس جسده فوجده نارا متأججة .. كمن أصابته حمى مفاجئة غريبة نظر إلى الحائط فوجد ساعة تتلكأ عقاربها قبل توقف الزمن .. انتفض جسده فى عنف وسرت فيه رعشة صاخبة .. أحس فجأة بانقباضه عنيفة فى الصدر مصحوبة بألم لا يطاق .. أحس أن بناءه الداخلى ينهار ويتهادى حجرا وراء حجر ..وجيوشاً من النمل تغزوه من أظافر قدميه وتزحف نحو المخ ..وتأكل كل ما فيه من حياة .. شعر أن السطر الأخير من حياته يتم كتابته .. انتفض مرة أخرى بعنف رافضا الفناء قبل إتمام رسالته الموكلة إليه من قبل خالقه الذى بيده شفرة الحياة والموت .. وهو مؤمن .. تحشرج صوته .. وتمتم بصوت خفيض .. لقد انتظرت طوال عمرى يدا حانية عطوفاً تمسح دمعتى وتخفف عنى قسوة الحياة وكدر الأيام ولم تأت .. لكن دمعاتكم الحنون ستكون جائزتى فى وداعكم الأخير لى !!

أغمض عينيه .. رأى بغير عينين الرباط الفضى الذى يربط الروح بالجسد .. وهو فى السماء .. وملايين الشموع تضئ كل شئ فى مشهد سحرى عجيب والليل منير .. رأى الغيث ينزل من السماء فتخضر الأرض وتملؤها الأزهار والورود والأشجار والنخيل والحياة والبهجة .. رأى الأطفال يمرحوم كلؤلؤ منثور فى شوارع وحوار لامعة فى ثياب أنيقة .

رأى مجموعات كثيفة من الوجوه تخطو نحوه .. أطفالاً .. صبية . رجالاً .. نساء .. شيوخا .. كل يضع أمامه صورته .. تكومت ملايين الصور بعضها فوق البعض .. تدخلت معالمها واتحدت فوجدها صورته ووضع كل منهم بصمته وتجمعت ملايين البصمات بعضها فوق البعض ووجدها بصمته .. وتكونت بطاقات جماعية مشتركة ملونة باللون الأحمر واللون الأبيض والأسود وعلى صدرها البيانات الآتية :

الاسم : عبد الله المصرى

العنوان : جمهورية مصر العربية

التاريخ : 25 يناير 2011 سأل الجموع الحاشدة من غير صوت .. من أنتم ؟ قالوا : نحن تلامذك يا أستاذنا .. فرح قلبه ونبضه يرحل .. وسمع صدى صوت قادم من الزمن البعيد .. الله يرحمه  .

 
لمشاهدة الفيديو أضغط هنا

المصدر: DAESN - فريق بداية خير
Daesn

www.daesn.org

عالم الكفيف

Daesn
رؤية المؤسسة تفعيلا للقرارات الرشيدة من قبل الحكومة المصرية مثل قرار الدمج والتصديق على اتفاقية حقوق المعاقين، رأت المؤسسة التنموية لتمكين ذوي الاحتياجات الخاصة أن تقوم بدور فاعل في مجال التنمية المجتمعية وذلك بدعم وتمكين ورعاية المعاقين بصريا في شتى مناحي الحياة منذ نعومة الأظفار وحتى الدخول في مجالات العمل »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

DAESN

من نحن :

المؤسسة التنموية لتمكين ذوي لاحتياجات الخاصة مؤسسة أهلية مشهرة برقم 1277 لسنة 2008.
تهتم المؤسسة بتمكين  المكفوفين و دمجهم في المجتمع بشكل فعال يرتكز العمل داخل المؤسسة علي مدربين وموظفين مكفوفين وتعد هذه من نقاط القوة الاساسية  لمؤسستنا.

رسالتنا :

تعمل المؤسسة جاهدة لتمكين المكفوفين وتأهيلهم لسوق العمل المرتكز علي مفهوم الحقوق و الواجبات لتحقيق العدالة الاجتماعية بين كافة شرائح المجتمع.

رؤيتنا :

تحقيق العدالة الاجتماعية المركزة علي مفهوم الحقوق و الواجبات لذوي الاحتياجات الخاصة لدمجهم مع كافة شرائح المجتمع.