بغرفة معتمة إلا من ضوء ربنا ينفذ من بابها المفتوح.. لا تضم أكثر من بعض المقاعد، ومنضدة ودولاب صغير وفريق مكفوفين مكون من خمسة أفراد، يحاولون التعرف علي تماثيل المتحف المصري وشرحها باللمس، ومحاكاة بعض التماثيل وتشكيلها بخامات تسهل عليهم نقل معلوماتها وتفاصيلها..

هنا يتعلم المكفوفين الإرشاد السياحي في مدرسة أقيمت في المتحف خصيصاً لهم، يشرف عليها عادل مصطفي ٣٧ عاما، ويلقبونه داخلها بـ «المربي الأثري الكفيف»، حيث يعتمد علي قصة حب وكفاح «إيزيس وأوزوريس» في جذب انتباه زوار المتحف ممن أقبلوا علي رؤية التاريخ بأيديهم واستخدام حواسهم الأخري في التعرف عليه.

عادل هوهمزة الوصل بين أعضاء الفريق، خاصة أنه حاصل علي دورات تدريبية في المعهد الفرنسي في فن التعامل مع المكفوفين وكيفية معرفة حدود التمثال، لذا فقد حرص منذ بداية انضمامه إلي الفريق أن ينقل المعلومة الأثرية من وجهة نظر اجتماعية، وبدأ عمله منذ كان طالبا في قسم اجتماع كلية الآداب قبل ٦ سنوات وشارك في شرح لوحات مجسمة عن العطور في مصر صممها مركز الثقافة الفرنسي في المتحف المصري وعندما نجح نادي جميع المسؤولين بوجود مدرسة للمكفوفون في المتحف، وبالفعل بدأ تفعيل المدرسة، إلي أن انفصلت تحت اسم مدرسة المتحف للمكفوفين، ووضعت لها منهجا في الشرح المتحفي للمكفوفين الذين وفرت لهم هيئة الآثار «أتوبيساً خاصاً» لنقلهم من مؤسساتهم المختلفة إلي المتحف،

الأفواج التي تأتي إلي المتحف تتراوح في المرحلة العمرية بين ٦ و١٦ عاما، يستقبلهم عادل ويحاول أن يلعب معهم لعبة التخيلات ليعيشوا التاريخ من خلال أنفسهم، ومن أكثر الأساطير التي تعجبهم قصة الملاح الغريق وإيزيس وأوزوريس، واللوحة الجنائزية وكلها حكايات يحرص علي شرحها تاريخيا وربطها من منظور اجتماعي بالعادات والتقاليد.

«الكفيف يحتاج مزيجاً من العطف والحزم» إنها الطريقة التي يتبعها أحمد ناجي أحد أقدم أعضاء المدرسة، الذي انضم للفريق وهوطالب في آداب عين شمس، تطوع للعمل في المدرسة وفور تخرجه تقدم للعمل كمرشد للمكفوفين، لم يكن له نصيب، فتطوع لمساعدة المكفوفين في التعرف علي حضارتهم من خلال لمس الجداريات وشرح الأثر بطريقة نظرية، ثم مساعدتهم في محاكاة ما لمسوه بأيديهم من خلال شغل الطين والصلصال، وشارك ناجي زملاءه كتابة الدليل المتحفي الذي يتضمن المعلومات المتوافرة عن الأثر، والبطاقات المتحفية بطريقة برايل حتي يضمن الزائر الكفيف أن يطوف المتحف المصري ويقرأ كل ما فيه بأصابعه.

بعد تخرجها في الجامعة بفترة وعملها كمتطوعة في مدرسة المتحف، جاءها التعيين في الهيئة العامة للكتاب وبعد تردد ونصيحة كل من حولها قبلت نجوي إبراهيم مصطفي العمل بها، لكنها لم تحتمل الابتعاد عن المدرسة وكانت تزورها مرتين أسبوعيا، وبعد ٦ أشهر ذهبت إلي وزير الثقافة ترجوه أن يعيدها إلي المدرسة فاستجاب وعادت إلي العمل في مكانها الذي تنتمي إليه.

وتعد الشيماء بدر محمد ٢٣ عاما أقدم أعضاء فريق عمل المدرسة، وربما تكون المبصرة الوحيدة بينهم، حيث تابعت تطور المدرسة منذ كانت مجرد فكرة للجميع وليس لذوي الاحتياجات الخاصة أوالمكفوفين فقط، ففي عام ٢٠٠١ بدأ الدكتور زاهي حواس تنفيذ فكرته عن مدرسة المتحف للجميع وكانت عبارة عن خيمة كبيرة تقام في حديقة المتحف ويخصص بها كل يوم موضوع معين كالكتابة القديمة أوالزراعة، وبالنسبة للمكفوفين كان مخصصا لهم يوم الأربعاء، وفي أغسطس من العام نفسه تم تكريم الأطفال المشاركين وإعطاؤهم شهادات تقدير ونماذج للموضوعات، وكان نجاحهم ومشاركتهم المتحمسة دافعاً لتأسيس مدرسة المتحف لذوي الاحتياجات الخاصة.

د. تهاني نوح المسؤولة عن المدرسة تعتبرها إنجازا علي كل المقاييس: بدأنا العمل كمدرسة خاصة للمكفوفين عام ٢٠٠٤، وكان صعبا في البداية أن نجد صدي لما نقوم به، وبعد ورش عمل منظمة أقمنا معرضا لمنتجات المكفوفين التي تحاكي الآثار الموجودة داخل المتحف، صنعوها من النسيج والصلصال والفوم والطين الأسواني، وفي احتفالية كبيرة خرجنا أول مجموعة من المكفوفين في ديسمبر ٢٠٠٥، وتتوزع الدراسة علي يومين أسبوعيا من العاشرة صباحا وحتي الواحدة والنصف ظهرا، علي مدار أربعة أشهر، أما البرنامج الدراسي فيدور حول موضوعات محددة لكل موسم مثل الكتابة أوالزراعة أوالملوك والملكات، يتبع ذلك دخولهم ورش العمل الفنية لتنفيذ ما درسوه باستخدام المواد المناسبة.

المصدر: جريدة مصر اليوم
  • Currently 64/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
21 تصويتات / 359 مشاهدة

ساحة النقاش

جمعية عيون مصر

Assemblyeyesegypt
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

38,325