منذ أزمان بعيدة مارس الفلاحون فى كافة ربوع العالم العربى نظما زراعية آمنة ترشد استخدام الموارد الطبيعية وتبنى خصوبة التربة وتحافظ على التنوع الأحيائى وعلى التوازن داخل النظم البيئية الزراعية حتى لاحت بشائر الثورة الزراعية الخضراء فى مطلع القرن التاسع عشر وشاع استخدام كميات ضخمة من الكيماويات الزراعية بغية تعظيم إنتاج الغذاء للوفاء بمتطلبات الملايين المتزايدة من البشر 0 ومنذ منتصف ثمانينات القرن الماضى استشعر الناس الأضرار المعاكسة الناجمة عن استخدام الكيماويات الزراعية على الصحة العامة وعلى صلاحية الغذاء للاستهلاك 0 وبدا ظاهراً للعيان تفشى العديد من الأمراض التى كانت محدودة الانتشار مثل الفشل الكلوى والكبدى والسرطان والتى تعزى بدرجة كبيرة إلى متبقيات الكيماويات الزراعية فى الغذاء، ناهيك عن تدهور نوعية البيئة واستنزاف مواردها الطبيعية0
ومن هنا بدأ التفكير فى ابتكار نظم زراعية آمنة تتواءم مع البيئة وتحقق إنتاجياً زراعياً نباتياً وحيوانياً خالياُ من متبقيات الكيماويات الزراعية ومتوازناً فى محتواه من العناصر المغذية من خلال الاستفادة من منجزات التقانة الأحيائية البيئية والزراعية ووضعها موضع التطبيق 0 وسعى بعض الرواد من الفلاحون إلى التحول لنظم الزراعة النظيفة من خلال الإقلال حتى الامتناع الكامل عن استخدام الكيماويات الزراعية وسيما مبيدات الآفات والأسمدة المعدنية وبما ينعكس على تحسين نوعية البيئة والغذاء 0 وصاحب ذلك شحذ همة العلماء للبحث جدياً عن تطوير لنظم جديدة للزراعة وتعريف المزارعين بما يمكن أن يجنوه من مكاسب صحية وبيئية وعائد مجز حينما يتحولون من نظم الزراعة الكيماوية إلى نظم الزراعة النظيفة 0 وعلى مشارف الألفية الثالثة، وفى مضمار السعى لتخفيف الضغوط الجبارة التى تتعرض لها النظم البيئية الزراعية فى كل مكان وتحقيق إنتاج زراعى أفضل من الناحتين الكمية والكيفية، تبنت العديد من للحكومات سياسات جديدة تنادى بتطبيق تقانات نظيفة تقلل من التلوث وتحقق الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية الزراعية 0
ومن الصعب على كثير من المزارعين القفز مرة واحدة من الإنتاج الزراعى تحت نظم الزراعة الكيميائية إلى الإنتاج النظيف بمفهومة المطلق، مما حدى بالكثير إلى وصف نتاج نظم الزراعة النظيفة بنظم الزراعة الأنظف بمفهومها النسبى الذى يتدرج بمرور الوقت لبلوغ الإنتاج النظيف 0 وحتى يتسنى بلوغ الإنتاج الزراعى الأنظف يتحتم تطبيق إستراتيجيات بيئية ووقائية فى كافة مراحل عمليات الإنتاج تحد من المخاطر التى تتعرض لها البيئة والكائنات الحية، وتصون المواد الخام والطاقة، وتحول دون استخدام المواد الضارة وتقلل من تولد المتبقيات وتعيد استخدامها 0 وفى الوقت الراهن يسود الاقتناع بين الكافة بأن تحقيق التنمية المستدامة يحتم تحقيق الإنتاج الأنظف، من خلال السعى الدءوب للتوعية البيئية والدعم الحكومى للمنتجين وتيسير نقل التقانات المستحدثة فى مجال نظم الزراعة النظيفة 0 ويتفق الجميع على المنافع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية العديدة التى تحققها نظم الزراعة النظيفة فى إطار معايير حماية البيئة الواردة فى اتفاقية التجارة الدولية 0 وفى الوقت الراهن يبدو ظاهرا للعيان ملامح رواج منتجات نظم الزراعة النظيفة من جراء تفضيل المستوردين للأغذية غير الملوثة بمتبقيات الكيماويات الزراعية المنتجة تحت نظم الزراعة الكيماوية 0
نظم الزراعة الكيميائية : ترتكز نظم الزراعة الكيميائية على تعظيم غلة الفدان، بصفة رئيسية، من خلال إضافات كثيفة من تنوع كبير من الكيماويات الزراعية وسيما المبيدات الكيميائية للآفات والأسمدة المعدنية، بصرف النظر عن التداعيات المعاكسة للبيئة أو مدى صلاحية الغذاء المنتج للاستهلاك 0 وعلى الرغم من ذلك فقد حققت نظم الزراعة الكيماوية طفرة هائلة فى زيادة معدلات الإنتاج العالمى للغذاء بشقيه النباتى والحيوانى منذ ثلاثينات القرن العشرين 0 بيد أن تلك الطفرة لم تتعد زيادة الكميات المنتجة من الغذاء، حيث لم تتحسن نوعية الغذاء المنتج، بل على العكس صار الغذاء المنتج يتسم بنقص واضح فى محتواه من بعض العناصر المغذية وسيما العناصر المغذية الصغرى، وباحتوائه على متبقيات الكيماويات الزراعية 0
فى حين ترتكز نظم الزراعة الكيميائية فى مكافحة الآفات على المهلكات الكيميائية من مبيدات الآفات 0 غير أن الآفات بصفة عامة والحشرية منها بصفة خاصة أظهرت تمردا على تلك المبيدات، ولم تعد تستسلم لها بنفس السهولة التى كانت تلقاها بها فى الماضى، بل أعادت تشكيلها الوراثى على هيئة طفرات جديدة مقاومة لفعل المبيدات الكيميائية للآفات 0 وأسقط فى يد الناس، واحتدم صراعها مع الآفات، ودخل فى مرحلة تتسم بالعنف والشراسة، وسارع العلماء إلى تعديل وتطوير التركيب الكيميائى للمبيدات الكيميائية للآفات مما جعلها أشد فتكا وأطول بقاء وأعظم ضراوة بالعشائر الوليدة من الآفات 0 وتعالى صراخ علماء البيئة، وتتابع عقد المؤتمرات والمنتديات التى تناقش قضية الناس والبيئة والمبيدات الكيميائية للآفات 0 وتحولت المسألة إلى مناظرة وحوار ساخن بين فريقين، فريق ينادى بمنع استخدام المبيدات الكيميائية للآفات حماية للبيئة وصونا للحياة، وفريق ينادى بمولاة استخدام المبيدات الكيميائية للآفات إنقاذا للناس والدواب من الأمراض الفتاكة، وضمانا لتوفير الغذاء للجياع فى كثير من الدول النامية 0 ولم يصل المتحاورون، مع الأسف، إلى رأى قاطع يحسم القضية، وصارت الأمور أكثر تشويشا فى انتظار مخرج يرضى الطرفين 0 هل نرشد استخدام المبيدات الكيميائية للآفات ونحد من انتشارها ؟ هل نستحدث أنواعا جديدة من المبيدات الكيميائية للآفات تتحلل فى البيئة بعد أن تؤدى دورها فى القضاء على الآفة المستهدفة ؟ هل نجد فى البحث عن وسائل جديدة ومبتكرة لمقاومة الآفات لا نفسد الزرع ولا تهلك الضرع ؟ 0
ونعلم أن الآفات الزراعية تهلك ما لا يقل عن 35% من إجمالى الناتج الزراعى على مستوى العالم، 14% منها بسبب الآفات الحشرية، و11% منها نتيجة أمراض النبات، و10 % منها بسبب مزاحمة الحشائش للمحاصيل الزراعية 0 وقد يرى الكثير أن إهدار ثلث الإنتاج الزراعى العالمى نهبا للآفات الزراعية فى عالم يموج بملاين الجياع، أمر يجب التريث فيه بحكمة بالغة 0
ويشيع استخدام المبيدات الكيميائية للآفات فى عدة مجالات أخرى خلاف مكافحة الآفات الزراعية يتصدرها مكافحة الحشرات الناقلة للأمراض مثل بعوض الملاريا وبراغيث الطاعون وقمل التيفوس وذباب مرض النوم والرمد وقواقع البلهارسيا 0 وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن ما يقارب 800 مليون نسمة يعانون كل عام من أمراض الملاريا والفلاريا والبلهارسيا، وأن استخدام مبيد الحشرات ددت أنفذ، فى غضون العقود القليلة الماضية، ملايين البشر من الملاريا والعمى 0
وهناك أربعة مجموعات شائعة من المبيدات الكيميائية للآفات، المجموعة الأولى هى مجموعة الكلورينات العضوية ومنها ددت والألدرين والدندرين والهستاكلور 0 ويتصف أفراد تلك المجموعة بالثبات فى البيئة لفترات ممتدة قد تتعدى خمسون عاما فى بعض الأحيان 0 وقد منع استخدام أغلب أفراد تلك المجموعة على المستوى الرسمى فى كثير من الدول 0 وتشمل المجموعة الثانية المبيدات الكيميائية للآفات من الفوسفات العضوية، ومنها الباراثيون وليكتوفوس 0 ويتسم أفراد تلك المجموعة بشدة السمية وقصر فترة تواجدها فى النظام البيئى الزراعى، ومنها ما تأكدت قدرته على توليد السرطان فى الإنسان، وأغلبها يسبب سمية عصبية متأخرة، وتحظر كثير من دول العالم فى الوقت الراهن استخدام أفراد تلك المجموعة من المبيدات الكيميائية للآفات 0 وتضم المجموعة الثالثة المبيدات الكيميائية للآفات من الكاربامات العضوية، وهى الأكثر شيوعا، ومن أهمها السيفين المسبب للسرطان 0 وتؤثر تلك المجموعة على الإنزيمات المسئولة عن نقل الإشارات والنبضات من المخ إلى سائر عضلات الجسم مما يفضى إلى إصابة الحشرة بالشلل 0 وقد ظهرت المجموعة الرابعة من المبيدات الكيميائية للآفات، مجموعة البيروثرويدات، منذ قرابة ثلاثة عقود، وهى من أصل نباتى وتحضر صناعيا، وبعض أفرادها شديد السمية وأغلبها على درجة كبيرة من التخصص فى استهداف الآفة المرجوة 0
وتحت ظلال نظم الزراعة الكيميائية تلقت البيئات الزراعية كميات ضخمة من الأسمدة المعدنية النتروجينية تفوق بمراحل ما يمكن أن تمتصه المحاصيل المنزرعة مما أدى إلى انسيابه إلى المياه الجوفية والسطحية 0 كما أدى التسميد بجرعات كثيفة من الأسمدة الفوسفاتية إلى تشبع التربة بالفوسفات وزيادة تركيز الكادميوم بها 0 وفى نفس الوقت استخدمت طوال القرن الماضى كميات مهولة من المبيدات الكيميائية للآفات المحتوية على عناصر ثقيلة مثل النحاس والرصاص والزرنيخ والزئبق وكثير من السموم العضوية الطبيعية مثل بيرثريوم والنيكوتين 0
ويعتبر علاج مشكلات تلوث النظم البيئة الزراعية حاليا من المسائل المستعصية ناهيك عن تكلفته الغالية 0 وحتى وقت قريب كان الإجراء المتبع هو منع الناس من الاقتراب من المنطقة الملوثة وإحكام عزلها عن موارد المياه الجوفية وتجريف تربتها ونقلها بما تحتويه من ملوثات ودفنها فى مناطق نائية 0 بيد أن تلك الطريقة البدائية تتسم بالتكلفة الباهظة ولا تقدر عليها الدول النامية 0 ومع التطورات العلمية الحديثة بزغت فى الأفق تقانات جديدة تستطيع التخلص من الملوثات القاطنة داخل النظم البيئية الزراعية موقعها بسرعة لا بأس بها بيد أنها جميعا ما زالت من التقانات المكلفة التى لا تطيقها أغلب الدول النامية 0 ويتحتم التصدى لمشكلات تلوث النظم البيئة الزراعية، الناتجة عن تطبيقات الزراعة الكيميائية، من خلال وضع إستراتيجيات تبدأ بالتعرف على نوعية الملوث القائم وحجمه ومدى انتشاره، ثم نتخير التقانات المناسبة، وربما لا تكون الأحدث طالما أن البعد الاقتصادى هام للغاية، مع التأكد من عدم هجرة الملوثات من منطقة إلى منطقة 0
نظم الزراعة النظيفة : ينتشر استخدام عدد كبير من المصطلحات لتعريف نظم الزراعة النظيفة من أهمها الزراعة الأحيائية (البيولوجية) والزراعة المتجددة والزراعة المستدامة وزراعة الدينامية الأحيائية والزراعة العضوية والزراعة المعززة أحيائيا والزراعة العضوية الأحيائية 0 ومؤخرا نادى البعض بتسميتها بالزراعة المستدامة على اعتبار أنها زراعة تأخذ فى الاعتبار المعايير البيئية وسيما المحافظة على الثروات الطبيعية والتنوع الأحيائى وليس لها تأثيرات جانبية ضارة تقلل من قدرة النظام البيئى الزراعى على الإنتاج بمرور الوقت، بيد أن المعارضون لتلك التسمية يرون أن استدامة الإنتاج الزراعى يمكن أن تتحقق أيضا تحت ظلال نظم زراعية أخرى بخلاف نظم الزراعة النظيفة 0ومن الجدير بالذكر أن مصطلح الزراعة العضوية يحمل بين ثناياه الكثير من التضليل، لأن كلمة عضوى يقصد بها مركب يتكون من الكربون ، وكافة مبيدات الآفات مركبات هيدروكربونية مرفوضق تماما فى نظم الزراعة النظيفة 0
ونظم الزراعة النظيفة تأخذ فى الاعتبار المحافظة على البيئة بجانب الاهتمام بالظروف الاقتصادية ومتطلبات المجتمع 0 وفى هذا النظام تعتبر خصوبة التربة مفتاح النجاح وذلك فى حدود القدرات الطبيعية للتربة والنباتات والحيوانات على إنتاج غذاء ذو صفات جيدة وله قيمة صحية عالية ( شكل رقم 1)0 والزراعة النظيفة بصفة عامة لا تستخدم المدخلات الخارجية الكيميائية مثل الأسمدة الكيميائية والمبيدات الكيميائية للآفات والهرمونات وغيرها وكذلك ترفض استخدام الكائنات الحية النباتية والحيوانية والميكروبية المطورة وراثيا 0 وهى من جهة أخرى تشجع الاعتماد على القدرة الطبيعية المكتسبة فى مقاومة الأمراض والآفات فى النباتات والحيوانات، وتتناغم مع كافة مفردات النظم البيئية الزراعية السائدة فى موقع الإنتاج الطبيعة 0
ويندر وجود نظم زراعية تنظمها قواعد وقوانين وتقنيات محددة مثلما هو حادث فى نظم الزراعة النظيفة 0 وهناك خبرات متراكمة فى هذا المجال لدى الحركة العضوية العالمية ليس فقط من ناحية تطيق تقانات وممارسات زراعية صحيحة بل أيضا من خلال نظم للإشراف والتفتيش تمنح شهادات تميز نوعية المنتجات فى الأسواق 0 وقد ترجمت القواعد العامة للحركة العضوية الدولية إلى 15 لغة من الصينية إلى السواحيلية، كما أنها متوفرة لمن يطلبها على شبكة الإنترنت 0
أهداف نظم الزراعة النظيفة : تسعى نظم الزراعة النظيفة إلى تحقيق عدة مآرب يتفق عليها الجميع، وإن كانت هناك بعض الاختلافات فى أولويات تحقيق تلك المآرب تحكمها عوامل اقتصادية واجتماعية 0 وتتحدد الأهداف الرئيسية لنظم الزراعة النظيفة فيما يلى:
Ø إنتاج غذاء آمن بكميات كافية ذى قيمة غذائية عالية خال من متبقيات الكيماويات الزراعية
Ø حث التفاعل بين مكونات النظم الطبيعية لتوفير التوازن البيئى بطريقة بناءة وتشجيع وتنشيط تناغم دورات
العناصر فى الطبيعية
Ø تجنب كافة مصادر التلوث البيئى فى جميع مراحل الإنتاج الزراعى وسيما الكيماويات الزراعية
Ø زيادة خصوبة التربة والحفاظ على مستواها على المدى البعيد
Ø استخدام مصادر متجددة للطاقة فى إطار نظم زراعية تناسب البيئة المحلية
Ø تطبيق دورة مغلقة لإنتاج واستخدام الأسمدة العضوية
Ø مراعاة الآثار الاجتماعية والبيئية من حيث العلاقة السوية بين المنتج والمستهلك
Ø الحفاظ على البيئة وتوازنها والحياة البرية والموارد الطبيعية وسيما التربة والمياه
مقومات نظم الزراعة النظيفة : ترتكز نظم للزراعة النظيفة على ثلاثة مقومات رئيسية، أولها تدوير المتبقيات العضوية بعد تكميرها إلى أسمدة عضوية صناعية داخل النظام البيئى الزراعى، وثانيها تعديل وتعزيز المحتوى الميكروبى لمنطقة جذور النبات (الريزوسفير) بواسطة المخصبات الأحيائية، وثالثها تطبيق نظم المكافحة الآمنة للآفات الزراعية والحشائش0 ولا يمكن فى نظم الزراعة النظيفة فصل عناصر الإنتاج عن بعضها البعض، طالما أنها تتكامل فى منظومة تحقق استدامة الإنتاج وتصون الطبيعة 0
العلاج الأحيائى للنظم البيئة الزراعية: أدى تفرد الكائنات الحية واتساع مدى قدراتها الوظيفية وتنوع طبيعتها تحت ظروف بيئية متباينة عزز التفكير فى تسخيرها كأدوات حية فعالة فى حل كثير من المستعصى الذى يواجه الناس من مشكلات الحياة اليومية 0 وقد حقق استخدام الكائنات الحية الدقيقة خلال النصف الأخير من القرن الماضى منجزات لا تخطئها عين فى المجالات الطبية والصحية وقى صناعة الغذاء وصون البيئة والتقانة الأحيائية وغيرها 0 وكثير من تلك المنجزات لم تكن لتحقق من خلال طرق كيميائية وفيزيائية وهندسية فى إطار جدوى اقتصادية مقبولة 0
ولم تلق كثير من التطبيقات التى جرت فى السنوات الأخيرة بالعلاج الأحيائى لبعض مشكلات تلوث البيئة سيما موارد التربة والمياه باستخدام الكائنات الحية الدقيقة الدعم المرجو من العلماء نظرا لصعوبة بلوغ المستوى المرجو من العلاج 0 ومن المعروف أن الكائنات الحية الدقيقة تكون فعالة عند دفعها داخل بيئية مواءمة توفر لها كافة متطلبات حياتها من المياه والأكسوجين والعناصر المغذية مع مستوى مناسب من حموضة أو تعادل أو قلوية الوسط ودرجة حرارة مناسبة0
وحاليا تعانى النظم البيئية الزراعية فى كثير من أنحاء العالم من تراكمات من متبقيات الكيماويات الزراعية وسيما المبيدات الكيميائية للآفات والمعادن الثقيلة 0 وفى العادة يبدأ التحول من نظم الزراعة الكيميائية إلى نظم الزراعة النظيفة، برصد كميات ونوعيات الملوثات فى النظم البيئية الزراعية، ومحاولة علاجها أحيائيا قدر الإمكان بواسطة كائنات حية دقيقة متخصصة فى تكسير تلك الملوثات 0 وقد تم حديثا عزل بعض الكائنات الحية الدقيقة التى تستطيع تحليل بعض المبيدات الكيميائية للآفات فى التربة، مثل فطريات العفن الأبيض التى يمكنها أكسدة مركبات ددت واللندين والبنزبيرين إلى ثانى أكسيد كربون وماء 0 ومن خلال سلسلة من التجارب العلمية أزيح الستار عن الظروف المثلى التى تدعم نشاط فطريات العفن فى تحليل تلك المركبات السامة، وتم التعرف على الإنزيمات التى يفرزها الفطر وتكسر تلك المركبات سواء كانت حلقية أو ذات سلاسل جانبية 0 وتبين أن فاعلية فطريات العفن فى أكسدة تلك المركبات تزيد طردياٌٌ مع توفر عنصر النتروجين فى التربة مع نسبة رطوبة مناسبة ورقم أس إيدروجينى يقرب من التعادل 0 ويحاول نفر من العلماء حاليا تعظيم قدرة تلك الفطريات بواسطة تقانات الهندسية الوراثية من خلال نسخ الحمض النووى للإنزيمات المسئولة عن تكسير تلك المركبات لاستخدامه فى العلاج الأحيائى للتربة والبيئة على نطاق تجارى 0 كما أمكن عزل بعض أنواع من الكائنات الحية الدقيقة تفرز إنزيمات تحلل مركبات الفينول ومركبات ددت والمركبات ثنائية الفينيل عديدة التكلور وكثير من مركبات الهيدروكربونات 0 وفى غالب الأمر نحتاج إلى إضافة مزيج متنوع من الكائنات الحية الدقيقة تعمل فى تناسق مع بعضها البعض فى تحليل تلك المركبات السامة إلى مركبات غير سامة فى النظم البيئية الزراعية سواء فى التربة أو المياه 0 وهناك بعض الكائنات الحية الدقيقة تستطيع إنتاج بروتين خاص له قدرة على الارتباط بالمعادن الثقيلة فى المياه 0 وقد أمكن فصل تلك البروتينات من بكتيريا إيشيريشيا كولاى وربطها بالفوسفات وبعض المعادن الثقيلة 0 ويمكن معالجة المياه الملوثة بنوعيات خاصة من الطحالب والبكتيريا فى بحيرات مكشوفة تحت ظروف هوائية أو هوائية اختيارية حيث تنشط الطحالب والبكتيريا بالتبادل فى تحليل كثير من ملوثات المياه 0
ومركبات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات التى تحتوى حلقة أو حلقتين من البنزين تعتبر من أخطر الملوثات العضوية المسببة للسرطان التى تلوث التربة والمياه 0 ونظرا للخطورة الفائقة لتلك المركبات حددت وكالة حماية البيئة الأمريكية ستة عشر نوعا، ثمانية منها تأكدت قدرتها على توليد السرطان فى الإنسان، ووصفتها بالملوثات الخطرة 0 وفى باكورة ثمانينات القرن العشرون تركزت البحوث حول تحلل مركبات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات بواسطة الكائنات الحية الدقيقة فى المركبات قليلة الوزن الجزئيى التى تحتوى على ثلاثة حلقات بنزين أو أقل 0 وتلى ذلك دراسات على تحلل مركبات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات الأكثر تعقيدا باستخدام سلالات مفردة نقية من الكائنات الحية الدقيقة 0 وكانت أول التجارب الناجحة باستخدام بكتيريا الميكوباكتيريم لتحليل البيرين الذى أضيف إلى بيئة نمو البكتيريا كمصدر وحيد للكربون والطاقة 0 ونجح العلماء أيضا فى تحليل نوعيات أخرى من مركبات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات باستخدام سلالات مختلفة من الكائنات الحية الدقيقة مع تنوع مصادر الكربون فى كل حالة وعدم الاكتفاء بمركبات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات كمصدر وحيد للكربون والطاقة فى وسط النمو 0 ومن أمثلة التجارب الناجحة فى هذا الصدد قدرة بكتيريا البيارينكيا على أكسدة مركب بنزوبيرين فى وجود السكسينات وثنائى الفينيل 0 ونجحت العديد من الفطريات فى إفراز إنزيمات تستطيع تكسير بعض مركبات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات 0 وعرف العلماء المسارات الأحيائية التى تمر بها خطوات تحلل مركبات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات بواسطة الكائنات الحية الدقيقة، وماهية المركبات الوسيطة التى تتكون أثناء التحلل الأحيائى، كما كشفوا اللثام أيضا عن الظروف المثلى لتحقيق أفضل نتائج العلاج الأحيائى للنظم البيئية من أذى المركبات الهيدروكربونية العطرية متعددة الحلقات 0
وعلى مدى الزمن كانت معالجة التربة الملوثة بمركبات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات التى تحتوى على أقل من أربعة حلقات بنزين تتم بالتحلل الأحيائى الطبيعى بفعل الكائنات الحية الدقيقة المقيمة فى التربة، بيد أن ذلك الأمر كان يستغرق وقتا طويلا وبدون تحقيق نتائج مؤكدة فى تنظيف التربة من تلك الملوثات وذلك طبقا للصفات الكيميائية والفيزيائية والأحيائية للنظام البيئى المحيط 0 وفى بعض الأحيان تعالج الطبقة السطحية الملوثة من التربة بإزالتها وفرشها على مساحة واسعة فى طبقة رقيقة ثم تضاف إليها العناصر الغذائية من أملاح النتروجين والفوسفات وتلقح بسلالات مختارة من الكائنات الحية الدقيقة قادرة على التحلل الأحيائى للملوثات المستهدفة 0 بيد أن تلك التقانة باهظة التكاليف وغير مضمونة النتائج، وإن حققت بعض النجاح فى حالات محدودة فى بعض الدول المتقدمة 0
ومن ناحية أخرى، يمكن من خلال عملية التكمير تحلل المواد العضوية السامة التى قد تتواجد فى البيئة بواسطة الكائنات الحية الدقيقة إلى مواد غير سامة 0 ويوصى باستخدام التكمير فى المعالجة الأحيائية للتربة الملوثة ببعض المركبات العضوية الضارة 0 وقد أمكن بواسطة التكمير تحليل الكثير من مبيدات الآفات والمتبقيات الصناعية وعدد كبير من الهيدروكربونات والمواد البترولية 0 كما يمكن تلقيح كومات التكمير بنوعيات معينة من الكائنات الحية الدقيقة النشطة فى تحليل عدد من ملوثات التربة قبل استخدامها فى التسميد 0 وقد أمكن معالجة التربة الملوثة بمركبات الفينول الأليفاتية والمستويات القليلة من الهيدروكربونات الأليفاتية والحلقية بواسطة التكمير من خلال نشاط الكائنات الحية الدقيقة 0 كما أمكن معالجة مركبات الفينول المكلورة والمستويات القليلة من الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات بواسطة فطريات العفن الأبيض التى يمكنها أيضا تحليل النفثالين فى غضون سبعة أيام 0 غير أن بعض أنواع مبيدات الآفات من الهيدروكربونات المكلورة مثل كلورودان وهبتاكلور والدرين تعتبر ثابتة نسبيا فى البيئة وتبقى فى التربة لفترات طويلة، غير أنه أمكن مؤخرا إنتاج نوعيات جديدة منها قابلة للتحلل الأحيائى فى التربة 0 وبصفة عامة فتحت الظروف الهوائية تتحلل أحيائيا كثير من المركبات ذات الوزن الجزئى الكبير بصورة طيبة 0
التسميد العضوى : تعانى التربة الزراعية فى المناطق القاحلة وشبه القاحلة السائدة فى الوطن العربى من نقص شديد فى محتواها من المادة العضوية، الذى لا يزيد عن 2% فى أجود الأراضى المنزرعة، ويقل كثيرا عن 1% فى الأراضى حديثة الاستصلاح 0 وقد أفضى ذلك إلى تدهور مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية، وتدنى مستوى إنتاج كثير من الحاصلات الحقلية والبستانية 0 وتؤدى شحة كمية المادة العضوية فى التربة إلى تدنى صفاتها الأحيائية والكيميائية والفيزيائية وبالتالى عدم مواءمتها لنمو النباتات مما ينعكس سلبا على غلتها من الحاصلات الزراعية بالرغم من اللجوء إلى التسميد الكثيف بالأسمدة المعدنية 0 ويعزى النقص فى محتوى التربة، فى غالب الإقليم العربى من المادة العضوية، إلى الطقس الجاف وكثافة محتوى التربة من الكائنات الحية الدقيقة التى تزيد من معدلات تحللها فى وقت قصير، وإلى تقاعس المزارعين فى الآونة الأخيرة عن التسميد العضوى بسبب ارتفاع تكاليف النقل 0
وتعتبر الأسمدة العضوية بمثابة الركيزة الرئيسية لنظم الزراعة النظيفة حيث تتناولها الكائنات الحية الدقيقة فى التربة بالتحليل وتعيدها إلى سيرتها الأولى على هيئة عناصر غذائية يمتصها النبات 0 وهى تعتبر مصدر الطاقة الرئيسى الذى يمد الكائنات الحية الدقيقة فى التربة والنباتات النامية بها بكافة متطلباتها 0 وأهم ما يميز المادة العضوية عن غيرها من الكيماويات الزراعية التى تضاف على هيئة أسمدة معدنية، هو احتوائها على كافة العناصر الغذائية التى تحتاجها الكائنات الحية فى صورة متوازنة طبقا لاحتياج النباتات من كل عنصر 0
والأسمدة العضوية بصفة عامة هى كل ما يضاف للتربة الزراعية من مواد عضوية، وهى ليست مجرد مواد دوبالية تحسن خواص التربة الكيميائية والفيزيائية والأحيائية، بل هى أيضا بمثابة مخصب أحيائى يعزز التربة بملايين الكائنات الحية الدقيقة النافعة، كما أنها مصدر جيد لعناصر غذاء النبات تنساب ببطىء على فترات ممتدة 0 وهناك تنوع كبير من الأسمدة العضوية، أكثرها شيوعا الأسمدة العضوية الصناعية, والأسمدة العضوية الطبيعية, والأسمدة العضوية الخاصة, والأسمدة العضوية العامة 0 وتحضر الأسمدة العضوية الصناعية بتصنيع المتبقيات النباتية والحيوانية عن طريق التكمير كما هو الحال فى إنتاج سماد المكمورة (الكومبست) من بقايا المحاصيل الزراعية وسماد القمامة وسماد حمأة الصرف الصحى (شكل رقم 2) 0 ويمكن أن تحضر الأسمدة العضوية أيضا عن طريق إحداث بعض التغيرات الفيزيائية أو الكيميائية فى المتبقيات العضوية كما هو الحال فى إنتاج سماد الدم المجفف ومسحوق اللحوم والقرون والحوافز ومسحوق العظام وجوانو الأسماك وسماد الصوف والشعر من متبقيات المجازر والمدابغ 0 وتنتج الأسمدة العضوية الطبيعية من تربية الماشية والطيور الداجنة مثل السباخ البلدى والسبلة وزبل الحمام وزرق الدجاج والبط والأوز، ومنها ما يتجمع فى الجزر البحرية والكهوف الجبلية التى تأوى أنواعا معينه من الطيور الجارحة مثل سماد جوانو الطيور البرية 0 ومن الأسمدة العضوية ما يتبقى عن بعض الصناعات الغذائية مثل كسب بذرة القطن ودوار الشمس والكتان ومنها رواسب الماروج والأعشاب البحرية والأسمدة الخضراء 0 وفى الدول العربية يشيع استخدام عدة أنواع من الأسمدة العضوية فى الدول العربية من أهمها السماد البلدى وسماد المكمورة وسماد الدواجن وسماد القمامة وسماد الغاز الأحيائى وسماد حمأة الصرف الصحى 0 وتتباين الأسمدة العضوية فى قيمتها السمادية طبقا لمحتواها من الدوبال والعناصر المغذية الكبرى والصغرى 0 ويمكن الاستفادة من الأسمدة الخضراء فى هذا الصدد حيث تحرث بعض المحاصيل سيما النباتات البقولية فى مرحلة الإزهار وتترك كى تتحلل فى التربة قبل الزراعة بوقت كاف مما يحسن من صفات التربة الفيزيقية والكيميائية والأحيائية ويزيد من مستوى خصوبتها 0
وتتباين بشدة معدلات التسميد العضوى بتباين المحصول ونوع السماد العضوى المستخدم ومستوى خصوبة التربة والظروف المناخية السائدة 0 وبصفة عامة يجب مراعاة أن تفى المعدلات المضافة من الأسمدة العضوية تحت نظم الزراعة النظيفة بمتطلبات النباتات النامية فى إطار كافة محددات كل نظام بيئى زراعى على حدة 0 ويمكن تقدير معدلات الإضافة بدلالة كمية النتروجين التى يحتاجها المحصول النامى حتى يتم دورة حياته، وفى إطار معدلات تحول النتروجين العضوى الموجود فى السماد المضاف إلى نتروجين صالح لاستفادة النبات 0 كما يمكن الاسترشاد فى هذا الصدد بنتائج البحوث التى أظهرت أن المحاصيل تستهلك قرابة ثلث العناصر الغذائية الموجودة فى السماد العضوى خلال العام الأول بعد الإضافة، ويستهلك ربع العناصر الغذائية خلال العام الثانى بعد الإضافة، وتستهلك باقى العناصر فى غضون العام الثالث 0
وفى الوقت الراهن تبذل جهودا صادقة فى كافة الدول العربية لتنمية الإنتاج الزراعى تنمية مستدامة، تتضمن بين مفرداتها تحسين مستوى خصوبة التربة وعلاج مشكلات تدهورها، بوضع المنجزات الحديثة فى مختلف مجالات التقانة الأحيائية فى العلوم الأحيائية والزراعية فى النطاق التطبيقى 0
|
ومن المكونات الرئيسية لبرنامج تحسين التربة الزراعية توفير الأسمدة العضوية وتيسير سبل الحصول عليها بسعر مناسب من خلال تحسين إنتاج السماد البلدى والعناية بتحضيره وتخزينه، وتكمير المتبقيات الزراعية العضوية قليلة القيمة التى يصعب بيعها بسعر مجز والمكون العضوى فى قمامة المدن والريف إلى سماد المكمورة، والانتفاع بمتبقيات المجازر فى أغراض التسميد العضوى، والاستفادة من المتبقيات العضوية فى كافة الصناعات بتكمير ما يصلح منها إلى أسمدة عضوية، وتعميم مشروعات الصرف الصحى وتكثيف إنتاج سماد حمأة الصرف الصحى، والعناية بالأسمدة الخضراء وسيما فى الأراضى الجديدة (حرث المحصول البقولى فى التربة عند مرحلة الأزهار) 0
التخصيب الأحيائى : منذ قترة وجيزة بدأ تطبيق فكرة إخصاب التربة بأنواع معينة من الكائنات الحية الدقيقة لها دور محدد ومعروف ومفيد لنمو النبات 0 وتعتبر المخصبات الأحيائية بمثابة مستحضرات من الكائنات الحية ومنتجاتها تجدد التوازن الطبيعى بين مفردات التنوع الأحيائى فى التربة وتعزز خصوبتها وهى غير سامة ولا ضرر منها ولا ضرار بل كلها منافع للبيئة وللإنتاج الزراعى النظيف 0 ويراعى فى التطبيقات الحقلية عدم إقحام الكائنات الحية الدقيقة النافعة الوافدة إلى التربة مع المخصبات الأحيائية فى آتون لا يوافق متطلبات نموها وبالتالى تنوء العملية بفشل ذريع 0 ويتطلب الأمر توفير نظام بيئى صالح لإيواء تلك الكائنات الحية الدقيقة الوافدة على التربة يوفر لها متطلبات نموها ويكفل لها السيادة والغلبة لتحقيق مهامها المرتقبة 0 وعند تخصيب التربة بمخصبات أحيائية متعددة السلالات قد يصعب تحديد أى من الكائنات الحية الدقيقة الموجودة فى المخصب الأحيائى هى التى حققت الهدف المرجو، وكيف تتفاعل تلك النوعيات المتباينة من الكائنات الحية الدقيقة مع بعضها البعض، وما هى محصلة تلك التفاعلات وأثارها السلبية أو الإيجابية على نظم الزراعة النظيفة، وما هى نوعية علاقتها بالكائنات الحية الدقيقة المقيمة أصلا فى التربة 0
وقد اهتمت بحوث المخصبات الأحيائية فى بادئ الأمر بالكائنات الحية الدقيقة المفيدة فى إعداد العناصر الغذائية الكبرى فى صورة صالحة لاستفادة النبات، وسيما النتروجين والفسفور والبوتاسيوم، ثم امتدت بعد ذلك لكشف اللثام عن أثر الكائنات الحية الدقيقة فى تحويل العناصر الصغرى بالتربة ومدى علاقة ذلك بتغذية النبات ونمو المحاصيل 0 وتستخدم نوعيات عديدة من الكائنات الحية الدقيقة فى التخصيب الأحيائى للتربة من أهمها الأزوسبيريلا والأزوتوباكتر والريزوبيم والسيدوموناس والميكروهيزا 0 ولا تقف فائدة المخصبات الأحيائية عند حد زيادة عائد الإنتاج الزراعى وخفض معدلات التسميد المعدنى الملوثة للتربة والبيئة بدرجة ملموسة بل تمتد إلى خفض تكاليف الإنتاج وسيما عندما تكون أسعار الأسمدة المعدنية مدعمة، كما أنها تزيد من نسبة الإنبات وتنتج بادرات قوية تقاوم الظروف غير الملائمة وتكون أقل عرضة للإصابة بالأمراض 0
وتتولى المخصبات الأحيائية أداء أربعة مهام رئيسية فى منطقة جذور النبات 0 تتضمن المهمة الأولى تخصيب التربة ببعض العناصر المغذية للنبات مثل النتروجين من خلال عمليات التثبيت الأحيائى لنتروجين الهواء الجوى، حيث تتولى بعض الكائنات الحية الدقيقة تثبيت نتروجين الهواء الجوى إما بطريقة حرة مثل بكتيريا أزوتوباكتر وبكتيريا أزوسبيريلم وإما بالمعاشرة مع النباتات البقولية وغيرها مثل بكتيريا ريزوبيوم، كما تقوم بعض الطحالب الخضراء المزرقة بتثبيت الكربون الجوى على صورة عضوية فى التربة 0 وتتضمن المهمة الثانية توجيه المسارات الأحيائية فى منطقة جذور النبات لصالح الزراعات القائمة، كما فى حالة الكائنات الحية الدقيقة المذيبة للفوسفات والعناصر الصغرى مثل بكتيريا باسيلس التى تحول عناصر غذاء النبات إلى صورة قابلة للامتصاص، وكما فى حالة الكائنات الحية الدقيقة التى تحلل المركبات العضوية المعقدة إلى مركبات بسيطة مثل النشادر تستطيع النباتات الاستفادة منها، وكما فى حالة الكائنات الحية الدقيقة المؤكسدة للأمونيا إلى نتريت ثم نترات مثل بكتيريا نتروزوموناس وبكتيريا نتروباكتر وتلك المؤكسدة لمركبات الكبريت إلى كبريتات مثل بكتيريا ثيوباسيلس 0 وتشمل المهمة الثالثة تنشيط نمو الجذور، وبالتالى زيادة قدرتها على امتصاص الغذاء من التربة، من خلال إفراز عدد من الهرمونات الميكروبية والنباتية مثل بكتيريا سيدوموناس، وقد يكون الفعل بإضافة جذور للنباتات مثل فطريات الميكروهيزا 0 وتتضمن المهمة الرابعة مقاومة الأمراض الكامنة فى التربة، وسيما فى منطقة جذور النباتات، بواسطة تنوع كبير من الكائنات الحية الدقيقة مثل فطريات تريكوديرما وفيثرتيسيليوم وميكروهيزا وبكتيريا سيدوموناس وغيرها 0 ويتم ذلك بطرق مختلفة منها إفراز مضادات أحيائية ومنها تغير الوسط بما لا يناسب نمو الآفة ومنها الافتراس وغيرها 0 وهناك من الكائنات الحية الدقيقة التى تستخدم فى تصنيع المخصبات الأحيائية ما هو على درجة عالية من التخصص فى أداء الدور المنوط به مثل بكتيريا ريزوبيوم فمنها سلالات خاصة لكل نبات بقولى أو مجموعة من النباتات البقولية 0 وهناك ما لم يثبت تخصصه حتى الآن، فما زالت هناك ظلال من الشك تحوم حول تخصص فطر ميكروهيزا، كما أن هناك من الكائنات الحية الدقيقة ما هو قادر على النمو تحت ظروف متباينة 0
وعلى الرغم من قناعة عدد كبير من مزارعى الزراعة النظيفة بجدوى وفاعلية التخصيب الأحيائى للتربة، يرى البعض الأخر أن مجرد تسميد التربة عضويا كاف جدا لتنشيط تلك النوعية من الكائنات الحية الدقيقة، وبالتالى فليس هناك مبرر مقبول للسعى نحو تعزيز تواجد تلك الكائنات الحية الدقيقة من خلال التخصيب الأحيائى 0 بيد أن نتائج البحوث والتطبيقات الحقلية للمخصبات الأحيائية أكدت أن كثافة تواجد الكائنات الحية الدقيقة المستهدفة كانت دوما أكبر فى التربة المخصبة أحيائيا 0 وما زالت نوعية وفاعلية الكائنات الحية الدقيقة النافعة التى سوف تنشط أو تعزز فى أعقاب التسميد العضوى محل تساؤل، وقد لا تكون فى مثل فاعلية تلك الوافدة مع التخصيب الأحيائى 0 كما أن التسميد العضوى قد ينشط أيضا بعض الكائنات الحية الدقيقة غير المرغوبة، ويترك الأمر للصراع الطبيعى بين مختلف الكائنات الحية الدقيقة حتى تستقر الأحوال عند مستوى ما من التوازن الأحيائى 0 وقد أظهرت نتائج البحوث أن اقتران التسميد العضوى بالتخصيب الأحيائى يعزز التربة بعشائر متباينة من الكائنات الحية الدقيقة تتباين فى قدرتها على الحياة وفترة بقاءها فاعلة فى التربة 0 ولوحظ أن أغلب عشائر الكائنات الحية الدقيقة الوافدة مع الأسمدة العضوية والمخصبات الأحيائية تموت فى التربة بعد فترة من النشاط تطول وتقصر فى إطار عدة محددات مختلفة، وسيما بعد استنفاذ مصادر الغذاء المسيرة فى النظام البيئى 0 وعادة ما تكون الغلبة فى نهاية المطاف للكائنات الحية الدقيقة المقيمة أصلا فى التربة حيث تسود فى النظام البيئى بعد رحيل الكائنات الحية الدقيقة الوافدة مع الأسمدة العضوية والمخصبات الأحيائية 0 ومن هنا تبزغ فكرة حتمية تكرار التخصيب الأحيائى والعضوى للتربة مع زراعة كل محصول، حتى يتسنى دوام تواجد الكائنات الحية الدقيقة المستهدفة بكثافة فاعلة بين ثنايا التربة طوال فترة نمو المحصول وسيما فى مرحلة البادرات 0
وتصنع المخصبات الأحيائية على صورتين، مخصبات أحيائية وحيدة السلالة ومخصبات أحيائية متعددة السلالات 0 وتتضمن المجموعة الأولى كائن حى مفرد له دور محدد فى تغذية النبات مثل البكتيريا المذيبة للفوسفات وبكتيريا العقد الجذرية 0 فى حين تستند فكرة المخصبات الأحيائية متعددة السلالات على محاكاة النظام البيئى الزراعى الذى يحتوى على تنوع متباين من الكائنات الحية الدقيقة تعمل جميعا فى تناغم تحت ظلال التوازن الأحيائى للنظام البيئى 0 ويتوقف نجاح تطبيق المخصبات الأحيائية على العوامل الايكولوجية داخل التربة من حيث طبيعة مكونات التنوع الأحيائى القاطن بها، وطبيعية التفاعلات بين الكائنات الحية الدقيقة الوافدة والمقيمة ومدى ثبات سمات النظام البيئى 0 والتخصيب الأحيائى لا يعدو محاكاة للنظام البيئى بما يوجه توازنه الأحيائى لتحقيق أهداف الزراعة النظيفة 0 ويجب التعامل مع المخصبات الأحيائية بطريقة مختلفة تماما عما أعتاد عليه المزارع فى تعامله مع الكيماويات الزراعية حتى لا تفقد فاعليتها، ويفقد معها المزارعون ثقتهم فى فاعلية المخصبات الأحيائية وربما فى كامل تطبيقات نظم الزراعة النظيفة 0 ومع ما نعانيه حاليا من صعوبة تطوير أفكار المزارعين من النهج الكيميائى إلى النهج الأحيائى، تكون الطامة الكبرى عند فشل استخدام المخصبات الأحيائية 0
ويجرى تخصيب التربة أحيائيا إما عن طريق إعداد مزارع من الكائنات الحية الدقيقة المستهدفة على بيئة أجار ويحضر منها معلق فى الحقل تلقح به البذور قبل زراعتها، ربما مع نظم الرى المحورى والرى والتنقيط 0 غير أن صعوبة التطبيق أدت إلى إعداد معلق من الكائن الحى الدقيق فى مواد حاملة تحفظ نموه، ويتم خلطها بالبذور قبل زراعتها 0 ومن الجدير بالذكر أن عملية التخصيب الأحيائى للتربة لا تغنى عن تنفيذ باقى تطبيقات نظم الزراعة النظيفة مثل الدورة الزراعية المناسبة واستخدام المحسنات العضوية وحسن خدمة التربة وصونها وتدوير المتبقيات العضوية داخل النظام البيئى الزراعى ومكافحة الآفات أحيائيا 0 وهى لا تعدو كونها أحد المكونات الرئيسية للزراعة النظيفة وعند تطبيقها بطريقة سليمة تدعم فاعلية نظم الزراعة النظيفة 0
وبعد جهود شاقة خاض فيها العلماء فى أضابير العلاقات بين الكائنات الحية سعيا للاستفادة من بعض الظواهر الطبيعية وتسخيرها مع غيرها من الآليات لمكافحة الآفات والحشائش، ظهرت للعيان بارقة أمل فى أسلوب جديد عرف بالمكافحة المتكاملة للآفات يعتمد أكثر على الطرق الطبيعية وأقل على استخدام المبيدات الكيميائية للآفات 0 وهو يتضمن حزمة من الآليات الزراعية والأحيائية والميكانيكية والتشريعية المتكاملة تتضافر فيما بينها لمكافحة الآفات الزراعية 0 ولا تهدف المكافحة المتكاملة للآفات إلى الاستئصال الكامل لآفة ما، لكنها تبغى تحقيق مقاومة فعالة ذات جدوى اقتصادية، حيث يعتبر كل محصول وآفاته بمثابة منظومة بيئية يعد لها برنامج مكافحة خاص باستخدام مجموعة واسعة المدى من الخيارات تطبق فى تعاقب وميقات مناسبين بما يعظم تأثيراتها على الآفة وعلى عائد الإنتاج، ويقلل من التأثيرات المعاكسة على صحة الناس والبيئة 0 وفى إطار المكافحة المتكاملة للآفات قد يصرح باستخدام المبيدات الكيميائية للآفات عند الاقتضاء للتحكم فى تفشى آفة شرسة، ولا تضاف تلك المبيدات فى توقيتات أو بمعدلات محددة مسبقا، ولكن فقط عندما يصل الضرر بالمحصول مستوى متقدم، وهنا فقط تضاف بكميات تهدف إلى مجرد إعادة عشيرة الآفة إلى المستوى المحدد أكثر مما تهدف إلى الحد منها تماما 0 ويراعى كلما أمكن أن يكون مبيد الآفات المختار متخصصا ضد الآفة المستهدفة ولا يؤثر سلبا على باقى الكائنات الحية غير المستهدفة، وأن تكون فترة حياته فى البيئة قصيرة كلما أمكن لتجنب تأثيره على التنوع الأحيائى والناس 0
مكافحة الآفات
تتضمن مجموعة من المفردات تطبق فى إطار تناسقى يقلل من استخدام المبيدات الكيماوية للآفات ، وتشمل المكافحة المزرعية والأحيائية والميكانيكية والتشريعية 0
المكافحة المزرعية : ترتكز آليات الإدارة المزرعية بصفة عامة على توفير ظروف ملائمة تشجع النمو الطبيعى للنباتات وتشد من أزره فى مقاومة الإصابة بالآفات والحشائش 0 وتعنى الإدارة المزرعية الملائمة بتوفير حزمة متكاملة من التطبيقات تتضمن تربة جيدة وتقاوى منتقاة ودورة زراعية مناسبة وتدوير للمتبقيات العضوية وتنظيف الحقل من الحشائش ومواعيد زراعة مناسبة وزراعة نباتات جاذبة للمفترسات والطفيليات وتشييد مصايد للحشرات والهوام ومقاومة يدوية واستخدام مبيدات من مستخلصات طبيعية وتطبيق التشريعات الزراعية 0
ومن أحدث أساليب نظم المكافحة المزرعية استخدام الطاقة الشمسية فى تطهير التربة من الآفات كبديل آمن للمدخنات والمبيدات الكيميائية للآفات التى يشيع استخدامها فى هذا الصدد مثل داى برموكلوروبروبان أو الإثيلين داى بروميد 0 ويتم التعقيم الشمسى بتعريض سطح التربة الرطبة المغطاة بطبقة رقيقة شفافة من بولى الإثيلين لأشعة الشمس بما يسمح بمرور الأشعة إلى التربة ويمنع ارتداد الأشعة ذات الموجات الطويلة إلى الوسط الخارجى وبذلك ترتفع درجة حرارة التربة، وسيما فى فصول الصيف، إلى درجات قاتلة للعديد من الآفات الكامنة بالتربة 0 ولا يعزى التأثير المفيد للتعقيم الشمسى إلى مجرد ارتفاع حرارة التربة بل أيضا إلى بعض التغيرات المعقدة للخواص الفيزيائية والكيماوية والأحيائية فى التربة بما يحسن نمو النبات ويكسبه مقاومة طبيعية ضد الآفات الكامنة فى منطقة جذور النباتات 0 وعملية التعقيم الشمسى معروفة منذ أمد بعيد، فقد أعتاد المزارعون تبوير جزء من الأرض سنويا خلال فترة الصيف حيث تحرث التربة وتترك معرضة للشمس، ويقلب سطحها عدة مرات لمقاومة آفات التربة وسيما النيماتودا 0 وقد أوضحت الدراسات فاعلية التعقيم الشمسى للتربة لمدة أسبوعين فى اختزال كثافة فطر الفيوزاريم الذى تم تلقيحه بالتربة، حيث قل نشاطه فى التربة حتى عمق 5 سم بنسبة تراوحت بين 94 - 100% 0 كما وجد أن معظم الفطريات والبكتيريا والنيماتودا الممرضة للنباتات والحشائش تتأثر بدرجات متباينة بالتعقيم الشمسى للتربة 0 وتتأثر فاعلية التعقيم الشمسى للتربة بعوامل عديدة من أهمها أن تكون نسبة الرطوبة كافية فى التربة قبل تغطيتها بشرائح البلاستيك، حتى تتحول الأطوار الساكنة للممرضات إلى أطوار نشطة أكثر حساسية لفعل الحرارة، كما تعمل الرطوبة على رفع درجة التوصيل الحرارى إلى الطبقات السفلى من التربة 0 ويعتبر فصل الصيف أنسب الأوقات للتعقيم الشمسى حيث تكون أشعة الشمس قوية وعدد ساعات سطوعها طويلا ودرجة حرارة الجو مرتفعة مما يقلل من معدل الانتقال العكسى للحرارة 0 وقد تحققت أفضل نتائج التعقيم الشمسى عند تغطية التربة بشرائح من بولى الإثيلين الشفاف يليه الأسود ثم الأبيض فى رقائق بسمك 40 -60 ميكرون حتى 100 ميكرون 0 وبصفة عامة كلما قلت سرعة الهواء وقت المعاملة كلما زادت كفاءة التعقيم الشمسى 0 ويؤدى الحرث الجيد والتسميد العضوى إلى رفع كفاءة التعقيم الشمسى، وتشير نتائج التطبيقات الحقلية أن فاعلية التعقيم الشمسى تتراوح ما بين 25 - 40% 0
ومؤخرا أصبحت تربية النباتات من أهم آليات الإدارة المزرعية لمكافحة الآفات بدون استخدام المبيدات الكيميائية للآفات 0 وعلى مدى الزمن أظهرت السلالات النباتية فى مختلف النظم البيئية قدرات متباينة على المقاومة الطبيعية للأمراض والحشرات، وتمكن العلماء من اختيار تلك السلالات ونشرها فى حقول الزراعة على نطاق واسع 0 بيد أن الآفات طورت نفسها وتمكنت من إصابة تلك السلالات المنتقاة، مما دعى العلماء فى نهاية القرن العشرون إلى اللجوء إلى تقنيات الهندسة الوراثية لابتكار نباتات مطورة وراثيا لا تقربها الآفات ولا تستطيع أن تنال منها 0 وفى الآونة الأخيرة نجحت تقانات الهندسة الوراثية فى إنتاج نباتات وحيوانات وكائنات حية دقيقة مطورة وراثيا من خلال نقل الحمض النووى دنا من كائن إلى كائن أخر مخترقة بذلك الحدود الفاصلة بين مختلف عشائر الكائنات الحية 0 ومن أشهر ما أنجز فى هذا المجال نقل الجين المنتج للسموم البروتينية القاتلة للحشرات من بكتيريا ب ت إلى العديد من النباتات التى أصبحت تزرع حاليا دون استخدام المبيدات الحشرية على نطاق واسع 0 كما أمكن تطوير أكثر من 40 نبات من المحاصيل الرئيسية من أهمها الذرة والأرز وفول الصويا والقطن والشلجم والبطاطس وراثيا بما يجعلها غير قابلة للإصابة بالآفات الزراعية 0 وما زال هناك جدل كبير بين العلماء حول استخدام الكائنات الحية الدقيقة المهندسة وراثيا فى أغر�


