الوعي الحاضر والغائب في قصيدة الشاعر العراقي عبد الجبار الفياض
قراءة ونقد : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لن أبيع ألمي
أيّها السّادة
طبتم وجعاً
يفتتُ صبراً
لولاهُ لكنتُ تُراباً . . .
من تحتِ أرجلِكم
كيدٌ ينزُّ
ويطغو . . .
ولا هُدهُدَ يأتيكم
بنبأٍ من خلفِ الأسوار . . .
السّاعةُ
تمضغُ عقاربَها
حَجراً يُرمى في بحر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ . . .
سنجد في هذه المقطوعة النصية ثراء لغوي يقترب ويبتعد عن المعنى حيث ينعكس المعنى عن أصله ,(( لن أبيع ألمي))التعريف الحقيقي لهذا الألم و الضمير الأنساني والمشاعر الوطنية , فهي ألم طالما هي مفقودة أو مسلوبة , نجد الشاعر قد وصف حبه لوطنه ولمجتمعه الذي ينتمي اليه وصف اختزل فيه كل كيانه ووجدانه الذي يتألم لهذا الواقع المرير , انه يخرج كوامنه بأستنهاض لغته الشعرية لتصب في هذا النص , ومن خلال اللغة الموحية والدالة يعطينا تقارب عن ما يلامس هذا الواقع ويحتك به ,فلولا هذا الألم الذي يصفه الشاعر لكان كأحد هؤلاء الذين لا يكترثون لبلدهم ومعاناته , لذلك جاءت هذه المقطوعة تعطي بعداً رأوياً يمارس الاختراق لهذا الصمت المرير .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
. . . . .
لستُ بحاجةٍ لسوفِ
تتدحرجُ على ورقِ الجنّة
تُسقى بظمأٍ تحتَ الماء . . .
فسوفَ
احترقتْ على بابِ العامِ الأوّل . . .
وشُيّعَ كُلُّ لغوٍ مُلّثمٍ فوقَ منابرِكم . . .
بعمائهِ مُحتفلاً
يُصفّقُ الظّلامُ بمفردهِ !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تجلى هذا الأحساس بكون يلامس روح الشاعر , فكان المعنى أعمق في تفسير الأمنية التي تنتظر , أو الأمل الذي لم يولد بعد ,تزداد الدلالة هنا اشراقاً في لغتها لأمتدادها في خلق الصورة الشعرية المتخمة بالمعنى وكثافة الفعل الأيحائي ,الصورة الذهنية التي رسمها الشاعر هنا نجدها أكثر تساؤولاً وأستغراباً من واقع متناقض لا يتوافق مع واقع الحال ,فكانت مقومات محفزة في تكوين هذه الصور تخاطب الواقع برفض يستنكر الوجوه الكاذبة والوعود التي تُخلف دائماً, الاستعارة جاءت وفق تبادل المعنى جوهره فكان لا شيئ يبعث على الطمانينة ,ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
. . . . .
أنتم
الجالسون فوقَ تلالِ المُتعة
أخذتم كُلَّ شئ
أمّا ألمي
فخطٌ من رفضٍ لا يُعبر . . . !
أتركوهُ لي
لا أُريدُ أنْ يبقى أسيراً
يُضمّدُ بشاشِ التّخدير . . .
لا أُريدُ بيعَه
هو بقايايَ المقروءة
حروفُ نشيدي . . .
أدمنتُهُ
وبيني وبينَهُ ذكرياتٌ
لا يحجبُها إلآ معولُ حفاّرٍ أخرس . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هنا ينتقل الشاعر الى خطاب آخر تجلى فيه الحوار الايحائي الذي كان مقارنة بين الذات والذوات الاخرى , تلك الذوات الشرهة الطماعة الانانية التي لا تفكر سوى باشباع نفسها , نجد المقطوعة هذه تمتلك صورة اخرى ضمن بؤرة متحركة ,حيث تنقلنا الى مستوى آخر من القصدية والدلالة المعرفية التي تحاكي واقع اخر وحال اخر ,ان ثقل وحجم الشعور يسبب انتكاسات نفسية في الذات تجعلها لا تطلب شيئ اكثر من رغبة ان تعيش بطمانينة , انه يأس ربما من عدم اصلاح شأن أولئك ,بهذه الطريقة نجد الشاعر أوحى ببوحه الذي كان نوعاً ما يأس ,اراد الشاعر الاحتفاظ بتراثه الكبير وعمقه الثقافي والادبي بعيدا عن هؤلاء المترفين المزيفين انه لا ينتمي له ولا ينتمون له رغم الرقعة الجغرافية التي تجمعه بهم , انه عالم اخر ليس خيالي ولا خرافي , عالمه النقي المكون من الطيبة والانسانية والرحمة وحب الخير .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.
. . . . .
هو تأريخٌ
أحملُهُ
ما حملَ أيوبُ صبرَه
وما أدمى سيزيفُ على جبلِه !
تقاسمَهُ وعّاظٌ
وعيّارون . . .
وسّعوا خُرمَ الأبرة
وضيّقوا عينَ الشمس . . .
ولنْ أضعَهُ
حتى ترسو على الجوديّ
ويطيرُ غُراب !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هنا ينتقل بنا الشاعر في هذه المقطوعة الى الى نفسه ويبرأها من هؤلاء الذين يسببون له الالم لانه يحمل عمق ثقافي وتاريخي في ذاته هو اشبه بمجموعة مكونة من متاحف ومكتبات حوت كل تاريخ الوطن فكف يعطي لهؤلاء هذه الكنوز الكبرى انه يحرص ان لا تتلوث او تتعرض للضياع والهدر , تكثيف معنى واكتناز دلالة تعطي فلكلورية رائعة تظهر العمق الادبي والثقافي الذي يختزنه الشاعر في نفسه فانه يرى من المخجل ان يعرض كل كل كنوزه لهؤلاء الجهلة المدججين بالاطماع المادية والانانية انه يشعر بحد ذاته وطنا في هذا الوطن ,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
. . . . .
أعلمُ
أنّهُ ورقٌ نادر
لشراءِ ملاعقِ ذهبٍ
عطورِ نساء
وما مالتْ لهُ جمجمةٌ سكْرى . . .
سأوُرثُهُ ولدي
فهو أمينٌ على مَنْ عندَ الملتصقين بطينِ الأرض
رُبَما
عارضٌ يوقظُهُ يوماً . . .
. . . . .
هو بوصلتي
بها أعرفُكم
كما جئتمْ أوّلَ مرّة . . .
ألسّامريّ بقذارةِ يديْه
أبو رغالٍ بما تحتَ عمامتِه
بصفرةِ وجهِ يهوذا . . .
والجمْعُ
زَبَدٌ لا يمكثُ في راحةِ طفل . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هو بوصلتي ؟ من خلال تجاربي وعمقي الثقافي العلمي والادبي انا اعرف امثالكم واميزكم من تاريخكم الملوث فقديما فعل اسلافكم ما فعل فلا تخدعني نواياكم المبيتة ولا شعاراتكم المزيفة ولا خطاباتكم المغرضة الجميع يأتي باسم ويخرج باخر ويأتي بشعار ويعمل باخر لي في معرفتي بامثالكم خبرة لا تخدعني ايٌ من اكاذيبكم انتم واضحون امامي ارى جوفكم كما ارى ظاهركم , الشاعر هنا في هذه المقطوعة اجاد في وصفه وضرب مثلا رائعا في حكمته ودرايته فهو صاحب فكر ونظر ثاقب وبصيرة نافذة لا تخدعه اساليب وطرق هؤلاء المخادعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
. . . . .
ألمي
يمتدُّ بطولِ الصّبر
وعرضِ العَوَزِ اليوميّ
وارتفاعِ صُراخِ
لا تسمعُهُ أذنٌ منكم . . .
هو سيفٌ
خبأهُ تحتَ غيضِهِ من غفارٍ رجل . . .
وقصَبةٌ
امتطاها بُهلولُ
في غدوِه
ورواحِه
ولم يقايضْها بعقلِ وزير . . .
وبصقةٌ
من رهينِ المحبسين بوجهِ زمنٍ أعمى . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ان الالم الذي اعاني هو الم أمة وشعب تضحك على ذقونه شلة من الكذابين المتفننين في الكذب الماهرين بالزيف والخداع , ما يحمله الشاعر في ذاته هو معاناة شعب ووطن ابتلى بهؤلاء الشراذمة وهنا النص اكثر معاناة وألم كون الشاعر لم يكتفي بألمه فقط بل وأن المه هو ألم الجميع كونه يعتصر في ذاته بسبب الام الناس ومعاناتهم لما يراهم فيه من قلة حيلة وتصبر من هؤلاء المتلعبين الذين يقودون الوطن من اجل مصالحهم وانفسهم تاركين الناس عرضة للاحتياج والفقر رغم الحجم الهائل الذي يحضى به الوطن من خيرات وكنوز لا تنفني ,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
. . . . .
يعرفُكم فرداً فرداً
لا يخلطُ بينَ الأسماء
لكنّهُ
يخلطُ بينَ ألقابٍ
بنصفِ نقاب . . .
يعلمُ مساحتَكم
من صفرٍ إلى رقمٍ مجهول !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ان الالم الذي في جوفي يعرف احترافكم واقنعتكم يعرف تاريخكم المزري المنافق الكذاب وحتى اسماءكم لا تخدعه السيرة المزيفة التي عملتموها لانفسكم ولا التاريخ الذي صنعتموه لانه كل كذب وزيف لانكم لا تخدعوني بملابسكم ولا عمائمكم ولحاياكم البيضاء وخواتمكم العقيق او بدلاتكم السوداء واربطتكم الحمراء واحذيتكم اللماعة اعرفكم فردا فردا ,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
. . . . .
دعوه
حرّاً تحتَ الشّمس
يخترقُ ما تحتَ المعسول
والمخبوءِ بأغلفةٍ تخلو مِنْ عنوان
دعوه
يختارُ الأسودَ مِنْ أسماءِ ثمود !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اتركوهم وما يتقمصون من ادوار وشخصيات باسم نقية او اهداف شرعية او غايات طيبة فهم مكشوفون , دعوه هذا الذي يعتقد انه نجح في خداع الناس فهو مكشوف لنا ونعرفه ولن يعيش كثيرا فليتمتع بما يحب فهؤلاء الذين سبقوه في تاريخنا الطويل سقطوا واختفت ملامحهم تحت التراب كعاد وثمود كيف انتهت دولتهم ولم يتبقى لهم سوى الاسم الذي كان ولا زال عارا يخجل منه العار ,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
. . . . .
الرؤى المعنوي:
في هذا النص قدم لنا الشاعر حقيقته كمواطن في هذا الوطن يعيش معاناة وطنه الذي يتلعب به السياسيين ورجال الدين الذين بسبب اطماعهم لم يكفيهم ما حصلوا عليه بل انهم اضاعوا حقوق الاخرين وحرموهم من خيرات هذا الوطن الكبير ليعيش الشعب محتاجا فقيرا محروما ويتمتعوا هم بخيراته فلا هم نفعوا قومهم ولا هم تركوهم ينتفعون , ان المعاناة التي اختزلها النص في وجدان الشاعر اعطتنا ثورة بركانية تضج في ذات الشاعر جعلته يعيش المعاناة بكل حجمها الكارثي الموجع ,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــ
الرؤى والشعرية :
نلاحظ في هذا النص تحكم دلالي بأيحاء يصوغ لنا علاقة مفتوحة مع الدال والمدلول من حيث المعنى وما خفي فيه المعنى وما بعده وما قبله , امتداد في البحث والتقارب في تركيب الصورة الشعرية بنسق مترادفة , توهج دلالي في احتواء الحسّ الباطني الذي توهج بتدرج تواصلي , فنلاحظ التوصيلية قد انقسمت الى مراحل في النص من خلال حاضر الاشياء وغيابها بوجود وعي داخلي تركبت منه الجمل الشعرية والصورية فبقينا ضمن حدود المعنى الجوهري المراكم والمحزون في ذات الشاعر وفق المتغير والثابت حسب امتداد العلاقات الدلالية المؤثرة في النص , ان زمن القصيدة ضمن سلوكيات تأثرت بواقع الحال من خلال التوهج الذاتي الذي مر بمراحل مختلفة جعلت احاسيس الشاعر تتناسل تزاوجياً مع ادراكه وشعوره الذي ينظر للامور وما يعيشه من واقع نظرة حكيمة ذات خبرة ودراية علمته الكثير من التجارب, استطاع الشاعر في هذا النص من تشكيل بنية دلالية متقاربة المعنى للصورة الشعرية والذهنية في تراكيب هذه الصور وترتيبها لتحقيق حضورها الكامل لرسم المعنى وتحقيق وصوله ,فنلاحظ كيف انه استحضر هذه الصور من عالمه الخارجي ليتم تركيبها مع الصراع الداخلي بوعي اخضع تلك الصور الى دلالات نفسية سيمولوجية , مكن خلال التصاعد في اتساع المعنى واختناقه حضور الوعي وغيابه , شعور بالغربة كبير يطلقه الشاعر في هذا النص ليبقى النص مفتوحا لم ينتهي فهو ممتد مع الواقع الذي لم يتغير .
.
.
.
الكاتب مهند طالب هاشم

