انتقام

 

بعد يوم قضيته في العمل الشاق جرجرت نفسي إلى فراشي رغبة بقيلولة في يوم صيفي جميل وسرعان ما اختطفني النوم؛ بيد أن السعادة لا تدوم طويلاً فإذا بي أستيقظ فزعاً على صوت ضوضاء عالية تبعتها صيحات عالية لأصوات مختلفة وكثيرة. الأمر الذي جعلني اقفز من السرير راكضاً باتجاه الصوت و آﻻف الافكار تهاجمني خلال مسيرة سريعة لأمتار قليلة. بدا المنزل غريباً حقاً....كان كل شيء محطماً، الاثاث.. و حتى الجدران قد تساقطت اجزاء منها، والغبار يعلو الأثاث ويعوم في الهواء مضبباً الرؤيا. الأغرب أن هنالك غرباء في المنزل يلقون نظرات مرتعبة نحو النوافذ والأبواب؛ الترقب والخوف بادٍ عليهم. تراوح عددهم بين عشرين إلى خمسة وعشرين شخصاً من اطفال ورجال ونساء.

اسرعت عيناي بحثاً عن اهلي، عليّ أن أعلم إن كانوا بخير أم ﻻ ومن هؤلاء الغرباء في منزلنا المتهالك! ولحسن الحظ، كانوا جميعاً موجودين وبخير. أسرعت نحوهم متسائلاً:

"ما الذي يجري؟!"

اجابت امي بصوت مرتجف: "اظلمت السماء على حين غفلة متلبدة بغيوم سوداء مرعبة رافقها صوت غريب ينادي أن لا تخرجوا وإلا سيصيبكم شيء عظيم، و أن يسرع كل من في الشارع بالدخول الى أي منزل قريب منه ليحتمي من الآتي. هلع الناس جميعاً. لا أعلم ان كان ما حصل قد أصاب مدينتنا فقط ام الأرض برمتها"

وهكذا، كان هؤلاء اللاجئون المترقبون مثلنا بالضبط لا يعلمون ما يحدث. بشر حملتهم ذنوبهم حملاً ثقيلاً في وضع حرج كهذا. كل منهم يتذكر ما فعل. ولكن ما الفائدة؟! لم لم يتذكروا ما فعلوا قبل أن يصلوا الى مفترق طرق العذاب؟!

 

اصررت على الخروج إلى الحديقة لإلقاء نظرة خاطفة على ما يحصل في الخارج فلم استطع ان اصدق ما يجري كما ان رذيلة الفضول التي اتمتع بها قد توقدت في وقت صعب.

ولم اتمكن من ايقاف نفسي، ولم يستطع احد فعل ذلك، حتى وصلت إلى الحديقة عند نهاية الممر الحجري الجانبي، وما لم يخطر ببال احد قد حدث، حصل بسببي ما حذرناه، تسارعت اشكال سوداء بالهبوط من السماء.

لم يكونوا رجالاً مظليين اعتياديين عسكريين. كلا! بدوا كذلك غير انهم دون مظلات.

كانوا هم الشر ذاته، الموت، الحقد، الألم، القتل، الظلم، الزور، السرقة، الفاحشة، المكر، العذاب، الدمار، الفناء؛ كل سيء، كل بشع، كل ظلم قد تجسد بهيئة مظليين مجردين... ما اهالني هو سرعة نزولهم فما كدت اصل الى الباب الداخلي للمنزل راكضاً حتى وصلوا من السماء إلى الارض!

وحين دخلت كان قد وصل احدهم الى الباب خلفي محاولاً الدخول... دفعت الباب ودفعه كذلك وبقينا نتصارع كل من جهته.. صرخت ليساعدني احد ما لكن يبدو ان احدهم قد دخل قبل وصولي بالفعل و القى بعدد من اللاجئين عند المدخل بقربي!

بقيت اصرخ بنفسي دون ان اصدر أي صوت: "أنه خطئي... أنه خطئي"

واخيراً تمكنت منه واغلقت الباب، لكن ما الفائدة إن كانوا في الداخل! إنه الأمل وسط اليأس... لابد أن نقاوم نحن البشر حتى آخر رمق.

حملت اختي الصغرى و رحت أركض مسرعاً نحو غرفة في الدور العلوي فبابها متين و هي غرفة آمنة على نحوٍ ما؛ ولحسن الحظ لم يكن هنالك أي منهم داخلها.

وما ان أغلقت الباب حتى حشرت الأغراض خلفها لتستند الباب عليها إذا ما دفعت.

بقيت هنالك مع اختي البالغة من العمر سنتين، لا أعلم كم مكثنا هنا حتى الآن...فالزمن يطول مع الخوف والترقب... ولم تمح بعد صورة أولئك المتمثلين بالعذاب من ذهني بعد.. لهم هيئة البشر، بيد انهم شديدوا السواد حتى لم يكن بمقدورك تمييز ملامحهم. لهم الطول والجسد ذاته وكأنهم نسخة واحدة سوداء تمتص الضوء الذي حولها وتحجب الرؤيا و تشوشها بالإضافة إلى التأثير على الذهن ولخبطة الافكار.

جابوا الشوارع والمنازل ولا اعلم لماذا لم يفتحوا باب الغرفة التي اختبأت فيها؛ او يحاولوا الوصول إلينا.

كنت اراقبهم عبر النافذة المطلة على الشارع من الناحية الخلفية.

فكرت كثيراً بمصير اختي لو مت انا فقط وبقيت وحيدة. التفكير بشيء كهذا جعلني ارتجف.

لكني لا اعلم ما حدث بعد ذلك حتى أفقت في المشفى؛ وقال لي طبيب: "هنالك طفلة سوداء معك... هل هي منهم؟! وجدناها معك ملقاة في طريق مهجور"

ارتعدت خوفاً: "هي اختي لكنها لم تكن كذلك... لم تكن سوداء... كنا في غرفة محكمة الاغلاق!"

رد بصوت بارد: "اذن كانت لتكون ضمن اصناف من قُتل من البشر حين تكبر... هي ليست حية الآن. عثرنا عليها وقد وصلوا إليها قبلنا".

بعد ساعات من افكار ملؤها البؤس والشقاء والصدمة عدت الى المنزل المحطم الكئيب.

صمت الموت قد أطبق على المدينة... منازل جوفاء وأخرى تبقى فيها شخص أو اثنان.... وأنا... أنا وحدي، فقط ضمن فئة قليلة ﻻ نزال موجودين على سطح الارض...

هل سيأتون مجدداً؟!

و أين المفر؟!

 

بقلمي/ رثد نيازي

2016

#رثد_نيازي

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 12 مشاهدة
نشرت فى 11 أغسطس 2016 بواسطة AYOON1234

عدد زيارات الموقع

86,210