<!--[if !mso]> <style> v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} </style> <![endif]-->
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
تركيا ليست احتلالًا وسوريا ليست مشاعًا
الأحد 28 آب 2016

إيهاب زكي - بيروت برس -
أجمع "المعارضون" السوريون وكل من استضافتهم قنوات النفط من محللين وخبراء للتعليق على ردم بؤرة الإرهاب في داريا، على فكرةٍ واحدة بعد الاشتراك طبعًا في تدبيج المراثي وندب الحظ وشتم المجتمع الدولي، ألا وهي فكرة التطهير العرقي والتهجير القسري الذي مارسه "النظام" لصالح إيران، حيث عاد الحديث التحريضي عن سوريا المفيدة والطفح الغرائزي عن توطين الشيعة، ومن باب الإشارة إلى انسحاق العقل العربي تحت وطأة الطربوش العثماني، رغم تحرره منذ ما يزيد عن نصف قرن من تلك الموضة، إلّا أنّ سوريا المستقبلية الواحدة والموحدة أرضًا وشعبًا بفضل تضحيات الشعب والجيش وصمود القيادة السورية ودعم الحلفاء، لكم أن تتخيلوا أن ذلك العقل سيعيدها إلى فضل تصريح رئيس الوزراء التركي برفض بلاده لقيام دول على أسس عرقية وطائفية، وسيتم اعتبار هذا التصريح بمثابة السد الذي أوقف مخطط "النظام" وإيران لتقسيم سوريا، فليس من السهل مجابهة هذا العقل لإعادة تركيبه بشكلٍ يضمن تخلصه من آثار الطربوش العثماني، خصوصًا أن هناك نخبة استأجرها النفط تقوم بخلطة عجيبة للخلافة الراشدة بألب أرسلان بالظاهر بيبرس مع محمد الفاتح وابن خلدون وصلاح الدين بالخلافة العثمانية "الرؤوفة الرؤومة" بـ"الاستعلاء الفارسي" وأمل الأمة وقيامة الإسلام بـ"الزأرة التركية" ليكون الناتج أردوغان.
بمجرد أن اجتازت الدبابات التركية الحدود السورية تم اعتبار الأمر زأرة تركية في وجه العالم الذي يتحدى رغبة المسلمين بتسيد قرارهم وانتزاع حريتهم، وهذه الشعبوية تتناقض تمامًا مع واقع الحال، فهذا التحرك التركي لم يكن له أن يكون لولا الضوء الأخضر الأمريكي والروسي وكنتيجة حتمية الأوروبي، وكذلك الإيراني والسوري حتمًا، وبحكم تسليم جرابلس من قبل داعش للجيش التركي يصبح داعش على علمٍ يقينًا، وهنا يصبح التساؤل في وجه من كانت الزأرة الأردوغانية مدعاة للاستهجان. وإذا أضفنا الأوامر الأمريكية للقوات الكردية بالانسحاب من غرب الفرات، تصبح زأرة أردوغان على نفسه ولنفسه، وليس لها أي مفاعيل خارج الحدود التركية ورصيد حزب العدالة والتنمية، فالمنطقة الآمنة آخر ما يمكن أن ينتج عن التدخل التركي، وإن كانت فهي بشكل مؤقت كما كانت الحسكة منطقة آمنة لأربع سنوات ولكن في لحظة حاسمة يتدخل الجيش السوري لنسف الأوهام، ولكن هذا لا يعني الركون إلى الضمانات التي يمكن أن يكون قام أردوغان بتقديمها لسوريا وحلفائها بعدم تضخم غدته العثمانية مجددًا، بعدما استأصلها المشرط الدمشقي، ولكن بعيدًا عن الشكليات والإسقاطات القانونية وعلى قاعدة ما يقول الأديب الفرنسي ميشال بيتور "الكتابة تعني الإطاحة بالحواجز"، فإني حد هذه اللحظة لا أرى التحرك التركي احتلالًا لأراضي سوريا.
ومن المفيد هنا أن نحدد الأهداف التركية الخفية والمعلنة سابقًا ولاحقًا، ثم نحاول الفصل والتمييز بينها وبين الأهداف الأمريكية، وذلك حتى نتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فمنذ بواكير العدوان الكوني على سوريا لأهداف أمريكية ومصالح "إسرائيلية"، كانت تركيا هي الأداة الأكثر إيلامًا للجسد السوري، وكان من ضمن الأهداف الأمريكية تعويم الإسلام الإخواني "المعتدل" من جبال الأناضول إلى جبال الأطلس بما يتقاطع مع طموحات أردوغان السلطانية كوريث للعثمانيين، وهو ما تطابق مع نظرية صمويل هننتغتون في كتابه صراع الحضارات مصادفةً أو تخطيطًا، بأنّ تركيا هي الخيار الأمثل لتكون مركز العالم الإسلامي، وعلى ضوء المآلات الحالية هل ما زال هذا الهدف قائمًا، بعيدًا عن الشعارات وقدرة الإسلاميين على التجييش والتحريض نستطيع الجزم بأن هذا المشروع فشل فشلًا بائنًا ومدويًا، وقد تقلص تركيًا إلى حدود منع قيام "كاريدور" كردي جنوب تركيا. فهل هذا الطموح يتعارض مع المصالح السورية العليا، وقد استمعت وقرأت الكثير من التهويل حول التحرك التركي باعتباره يوم القيامة، ولكن ما الفرق الجوهري بين التموضع التركي وبين القواعد الأمريكية في الحسكة أو البريطانية في التنف، ورغم وجود هذه القواعد لم تستطع تلك الدول إقامة مناطق حظر جوي أو مناطق آمنة، إلا إذا كانت الإدارة الأمريكية تريد معمعة تركية روسية إيرانية سورية، وهو ما لا تطيقه تركيا منفردة، وهو ما رفضته سابقًا دون غطاء وقيادة أمريكية، فلا شيء استجد لتفعلها تركيا منفردة إلّا الضوء روسيا الأخضر، حيث كان ضوئها الأحمر هو الشيء الوحيد الذي يمنع الطيران التركي من الاقتراب نحو الحدود السورية، فما الذي منع زئير أردوغان طوال عامٍ أحمر.
قال تشرشل مرةً "إن غزا هتلر الجحيم، على الأقل سأمتدح الشيطان في مجلس العموم"، ويقصد بالشيطان ستالين، ولو استطاع هتلر احتلال لندن لقام تشرشل بالترحيب بالشيطان لو دخل مجلس العموم فاتحًا. قد لا تتوافر الكثير من أوجه القياس على الحالة التركية السورية والشيطان أردوغان، ولكنها تضيء على عقل الدولة -السورية- حين يعمل بشكلٍ تكتيكي وإن بدا غير منسجم مع شعاراتها المعلنة، وكلنا يذكر التصريحات التركية إبان التدخل الروسي عن المستنقع السوري المتأفغن، وهو كلام كانت ولا زالت تعوزه الموضوعية. وأما إذا كان الغرور الأردوغاني مؤداه أن يؤول إلى إحياء المشاريع الميتة، من خلال الاعتقاد الواهم بمشايعة سوريا، فسيصبح المستنقع السوري بالنسبة إلى تركيا بلا قرار، وهنا جملة اعتراضية قد لا يكون لها محل من الإعراب، -يكفي التلويح سوريًا وروسيًا بإدارة ذاتية مهما كانت محددة ومحدودة حتى تصبح "الأسايش" طالبان تركيا ويصبح صالح مسلم بن لادنها-، أما حد هذه اللحظة فالأمور مضمونًا تسير في صالح الدولة السورية وإن كان الشكل معقدًا ومغايرًا. ولا أريد المبالغة فأقول إنّ أردوغان يعمل في خدمة منطق الدولة السورية، وأما القول بأنّ أي بحثٍ عن دورٍ تركي إقليمي لن يمر إلا عبر الدولة السورية، فهذا قولٌ ليس مبالغًا فيه، ولكن الفرق بين تشرشل وستالين وبين الأسد وأردوغان، بأن الرئيس الأسد لن يضطر لمدح الشيطان في مجلس الشعب، بل إن الشيطان سيشكر الأسد إن أسرع في استلام جرابلس، خصوصًا إذا استطاع الغرور الأردوغاني تحويلها إلى مستنقع.



ساحة النقاش