<!--[if !mso]> <style> v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} </style> <![endif]-->
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
أكبر حفلة قتل علني للإنسان
الثلاثاء 09 آب 2016

غسان جواد - بيروت برس -
لا نبالغ إذا قلنا إنّ العالم يعود إلى الوراء ولا يتقدم. الجملة صادمة ومربكة في آن معًا. لكنها واقعية من زاوية الحقائق. إذا كان المعيار هو الإنسان والقيم التي ناضلت من أجلها البشرية جمعاء، قيم الحرية والمساواة، والعدالة، يبدو أنّ الكوكب يتراجع نحو الخلف بالسرعة نفسها التي تتقدم فيها الصناعات والاتصالات وثورة التكنولوجيا.
في لحظات الاضطراب الكوني وانعدام الرؤية العالمية، وطغيان الاستبداد الرأسمالي ومفهوم السيطرة والاستعباد على كل ما هو إنساني وجميل، لا بدّ من العودة إلى الطبيعة الإنسانية الخام. إلى أصل الموضوع وصلبه وجوهره. هناك حيث اعتملت في النفوس عبر التاريخ ثورات وأفكار ونظريات وحروب طاحنة، ومحاولات جادة ونزيهة للاستفادة من خلاصة التجربة الإنسانية وخيارات الشعوب.
السياسة في الأزمات الحادة ليست تحاذقًا ومهارة وحسب، بل عودة إلى الوقائع التي ينبغي أن تتماهى مع حاجة وكرامة الإنسان. وهذا ما لم تفعله البشرية منذ مائتي عام. أي منذ اندلاع التفكير والتنوير في أوروبا، وما ترتب عليه من ثورات وقفزات وانتكاسات وحروب عالمية.. ومجازر.
حسنًا، لقد امتلكت الشعوب الأوروبية حريتها تدريجيًا. وأسست دولًا ومجتمعات قوية وناهضة. لكنها استعملت هذه الحرية في استعبادنا، وفي زرع بذور جهل أبدي في بلادنا. هل تعامل معنا المستعمر الأوروبي وفق مبادئ الثورة الفرنسية مثلًا؟ أم انه اكتفى بإعلاء شأن القيمة ضمن مجتمعاته،وعاملنا نحن والأفارقة والآسيويين الفقراء وشعوب أميركا اللاتينية بقسوة لا تزال تحفر عميقًا في وجداننا والوجدان الإنساني العام.
استقلت أميركا عن التاج البريطاني، وتأسست إمبراطورية هي الأقوى بين الإمبراطوريات عبر التاريخ. لا أحد يتحدث اليوم عن السكان الأصليين لتلك القارة. لا بأس. كان السبب المباشر لهذا الاستقلال اقتصاديا وسياسيًا محضًا. لكنه رفع شعارات إنسانية أهمها إلغاء الرق وتجارة العبيد. لم تكن الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي رفعت شعارًا وتأسست عليه ثم نقضته عندما استقرت. هكذا هي الإمبراطوريات. تنشأ وفق فكرة ثورية جذرية، ثم مع الوقت تبلعها المصالح.
ها نحن بعد أعوام نشاهد أحفاد "العبيد" الأفارقة الذين كان يختطفهم التجار الأوروبيون من بلادهم نحو المستعمرات المكتشفة في أميركا. يتظاهرون في الشوارع مطالبين بالحد من عنف "الشرطة - الدولة" حيالهم. الدولة نفسها التي استقلت وأعلنت عن نفسها بعدما رفضت نخبها نظام الرق،وخاضت حربًا أهلية للتخلص من هذا العار ودفنه في كتب التاريخ.هل نحتاج للإشارة إلى وجود رئيس اسود حاليًا في البيت الأبيض؟ في الشكل تبدو أميركا وقد تغلبت على هذه المعضلة الداخلية، لكنها في المضمون لا تزال تمارس الرق المقنع، وفق النظرة الاستعلائية الجوفاء للرجل الأبيض الذي لا يشبع.
ربما يكون المرشح الجمهوري للرئاسة دونالد ترامب خير تعبير عن قرب انفجار نوع جديد من الرأسمالية العنصرية المتوحشة، بما يرتبه هذا من أزمات واختناقات وحروب ودمار ودماء.
تأسيس الولايات المتحدة قام بوجه التجربة الاستعمارية الأوروبية، وضد جشع التاج البريطاني المتمادي في فرض الضرائب ودعم الاقطاعات المتخلفة. لكن سرعان ما ورثت هذه "الجمهورية" كل التجربة الاستعمارية التوسعية وطورتها نحو الأسوأ.
طورت واشنطن العبودية ومفاهيمها بناءً على منطق الاستهلاك والسلعة وسرقة موارد وثروات الشعوب. أصبحت كل شعوب الأرض مستعبدة بدرجات متفاوتة، في ظل نظام كوني صارم. وأصبحت تبني كل سياساتها على التدخل في شؤون الآخرين وإشعال الحروب والفتن في كل مكان. نظام يشبه عينًا كونية كبيرة في وسعها مراقبة كل شيء، والتدخل في كل شيء. ورسم مصائر أفراد وجماعات وفق النظرية الاستعمارية الجديدة ومنطق الأسواق المفتوحة. فلتستخدم كل الشعوب الكومبيوتر، وليمسك كل طفل ورجل وامرأة الآي فون والآي باد، ولتتواصل الشعوب فيما بينها بكل سهولة ورحابة وحداثة وبلغة انكليزية منتصرة. طالما أنّ الجميع سيصبح منضويًا ذائبًا في النظام الكوني الحديدي. "إنسانٌ ذو بعد واحد". لا كيان ولا حياة ولا حرية حقيقية لأحد خارج الفضاء الكوني الذي يتحول بسرعة إلى سجن كبير. كل هذا التطور والعالم يضيق ويعود إلى الوراء.
من المنظار الرأسمالي الكولونيالي، العالم يتقدم بشكل هائل لأنّ القوى الكبرى تقدمت في اكتشاف سبل ووسائل وخطط جديدة للسيطرة على الشعوب. إما من الناحية الإنسانية والأخلاقية نحن نعود إلى الوراء. إلى ما قبل نظام القيم وما دعت إليه الأديان والفلسفات والنظريات.
نحن نشهد أكبر حفلة قتل علني للإنسان، ولا تزال الدعاية المبتذلة للحداثة تروج للتطور والعالم الذي صار "قرية كونية". يا له من حضيض أيها السادة.



ساحة النقاش