<!--[if !mso]> <style> v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} </style> <![endif]-->
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
مواقف روسيا في سوريا بين الإستراتيجيات والتكتيك..
السبت 04 حزيران 2016
عمر معربوني - بيروت برس -

لم أكن متأكدًا في أي وقت كما أنا متأكد هذه الأيام أنّ روسيا لن تنتظر إلى ما لا نهاية حتى تعود إلى ضرب الجماعات الإرهابية بكل مسمياتها، وهو أمر تعتبره روسيا يقينًا وثابتًا في نظرتها وموقفها من هذه الجماعات، لاعتبار بسيط ومعروف وهو أنّ روسيا تعتبر وجودها في سوريا مرتبطًا بأمنها القومي ولا يمكنها الرجوع عن مواقفها بضرورة تحقيق الهزيمة في الجماعات الإرهابية.هذه السطور القليلة يمكن اعتبارها الإستراتيجيات الثابتة لروسيا بما يتعلق بمحاربة الإرهاب وهزيمته، وهو أمر لا لبس فيه وستذهب فيه روسيا إلى النهاية.
ولكننا أمام سؤال منطقي وطبيعي لا يمكن تجاوزه والقفز عنه، وهو: هل محاربة روسيا للإرهاب في سوريا هو مجمل إستراتيجيتها، أو أنّ هناك قضايا أخرى مدرجة على جدول إستراتيجية روسيا كدولة عظمى، ومنها على سبيل المثال لا الحصر التحديات الاقتصادية المتمثلة في تحقيق التوازن اقله في الناتج القومي وحل المشكلات الناتجة عن العقوبات الاقتصادية الأميركية والغربية وواجبات الدولة تجاه مواطنيها، إضافة إلى التحديات الأمنية والعسكرية سواء في تحقيق أعلى مستوى من الحصانة الأمنية، وإيجاد الوسائل لقضايا عسكرية مختلفة تعمل أميركا على زيادة منسوب الضغط من خلالها على روسيا في القوقاز وأوكرانيا ونشر الصواريخ في رومانيا وقريبا في بولندا، وما يمثله الجيش التركي من قوة محتملة لخوض الصراع ضد روسيا في حال اندلاعه، وقضايا أخرى.
في العنوان الرئيسي، لا يمكن تحميل موسكو نتائج مهام على المعني الرئيسي القيام بها، وهو أمر تدركه القيادتان السياسية والعسكرية في سوريا لا بل تجري الأمور ضمن أعلى مستوى من التنسيق اليومي لمجريات الميدان والمسار السياسي والدبلوماسي، علمًا بأنّ القوات الروسية لا تزال وبوتيرة عالية لم تنخفض تقدم الدعم الجوي والمشاركة التقنية المتخصصة للقوات البرية للجيش السوري بمختلف تشكيلاته وأسلحته وخصوصًا في ريف حمص الشرقي، وتحرير تدمر والقريتين والعمليات الجارية حاليًا باتجاه مدينة الطبقة (الثورة) تثبت ذلك. وحتى في حلب وأريافها تشير المعطيات والمتابعة اليومية أنّ القوات الجوية الروسية تنفذ عشرات الطلعات يوميًا على مواقع الجماعات المسلحة، وخصوصًا على طريق الكاستيلو الذي بات يشبه بوصف الجماعات المسلحة نفسها طريق جهنم بحيث بات التنقل على مسافات كبيرة من الطريق عملًا فيه الكثير من المخاطرة، وهذا يعني انخفاض قدرة الجماعات المسلحة على إيصال احتياجاتها من الوقود والذخائر إلى الأحياء الشرقية في حلب التي تسيطر عليها، واقتصار الأمر على استخدام ما تخزنه هذه الجماعات من وقود وذخائر وما تصنعه في هذه الأحياء، وهو أمر لن يطول كثيرًا وستجد هذه الجماعات نفسها في وضع لا تُحسد عليه أبدا.
هذا مثال على طبيعة الواقع الميداني في حلب والذي ترد عليه الجماعات المسلحة بقصف جنوني للأحياء الغربية لإحداث الرعب، من خلال القتل للضغط على الدولة السورية عبر تخفيض قدرة الصمود لدى المواطنين الذين يتعرضون للقتل وتتعرض أرزاقهم وأعمالهم للتوقف.أما في الريف الغربي والريف الجنوبي، فإنّ الجيش السوري وحلفاءه يقومون بواجبهم في التصدي لهجمات الجماعات المسلحة ويقومون بامتصاص هذه الهجمات وإحداث الكثير من الخسائر في صفوفهم البشرية منها، وتلك المرتبطة بالعتاد والسلاح،وهو بحد ذاته يعتبر إنهاكا لهذه الجماعات واستنزافًا لقدراتها،وعلى الجميع أن يدركوا احد قوانين خوض الحرب وهي أهمية الدفاع في توقيت معين قبل الانتقال إلى الهجوم المضاد، وهو ما سيحصل أولا وأخيرًا ضمن التوقيت المناسب الذي تحدده هيئة العمليات والتخطيط، وهي الجهة التي تعرف تفاصيل قدرات الجيش وحلفائه وقدرات العدو وداعميه وليس الرغبات والأهواء، وهي بالتأكيد رغبات مشروعة ولكن الاستجابة لها عاطفيًا قد تؤدي إلى نتائج كارثية. ومن هنا لا بدّ من إعطاء مثال مرتبط بطبيعة الأعمال القتالية للجيش من خلال الضربات الجوية والمدفعية لطريق الكاستيلو،الذي يعتبر التدبير الأمثل للشروع في عملية إنهاء وجود الجماعات المسلحة في إحياء حلب الشرقية، فلو اختار الجيش خيار اقتحام هذه الأحياء وطريق الكاستيلو يعمل بكامل زخمه فإنّ عملية الاقتحام ستكون صعبة ومكلفة،وهي بالتأكيد تحتاج إلى الكثير من القدرات البشرية لصعوبة العمليات القتالية في الأحياء السكنية والشوارع، ومن هنا أتى خيار ضرب خطوط الإمداد القريبة لإحداث الإنهاك والوصول بهذه الجماعات إلى خيار من اثنين: الاستسلام أو القتال ضمن ظروف معقدة وصعبة عليهم ستجبرهم في النهاية على دفع أثمان كبيرة ستؤدي بالضرورة إلى هزيمتهم واستسلامهم.أمّا لماذا تختار روسيا ومعها الحلفاء الاستمرار في سلوك المسار الدبلوماسي إلى جانب المسار العسكري، فالجواب هو أنّ معركة أشرس من الميدان تُخاض في المحافل الدبلوماسية وفي الإعلام لشيطنة روسيا وسوريا وإيران. المراقب للتصريحات الروسية خلال الأسبوع الأخير يُدرك أن الأمور وصلت إلى خواتيمها، ومن يتذكر كلام جون كيري قبل أسبوع الموجه لجماعاته "المعتدلة" بأنّ عدم الدخول في الهدنة سيكون خطأً استراتيجيًا كبيرًا، وهو كلام سببه إدراك الجانب الأميركي أن هامش مناورته قد تقلص أخيرًا وان الروس سيذهبون حتى النهاية والعودة إلى تزخيم ضرباتهم الجوية وهذه المرّة إلى المعابر الحدودية بين سوريا وتركيا، إضافة إلى استئناف العمليات العسكرية الهجومية بالتنسيق مع الجيش السوري وحلفائه.
أمّا لماذا فضّل الروس منذ فترة تحرير تدمر والقريتين ومساحات أخرى في البادية السورية شرقي حمص وفي مناطق الضمير أيضًا شرق دمشق، فلأنّ الأمر يرتبط بمسألتين أساسيتين:
- المسألة الأولى هي أن أحدًا لن يعترض على أي عمليات بمواجهة تنظيم داعش، ولإدراك الروس ومعهم القيادة السورية أن خيارات مرتبطة بسير المعركة التي انطلقت منذ يومين باتجاه الطبقة لا يمكن إعلانها والقيام بها وتنفيذها في حال كانت نقاط الارتكاز الحالية في شرق تدمر وشرق اثريا خارج سيطرة الجيش السوري، وهو أمر مرتبط بطبيعة التحركات الأميركية وإعلان الانفصاليين الأكراد لمشروع الفيدرالية الذي يُراد له أن يشكل نموذجًا واقعيًا في طرح التقسيم بشكل علني كحلّ لإنهاء الحرب في سوريا، وما عرقلة المفاوضات إلّا لتسهيل القول بأنّ التقاء السوريين مستحيل وأنّ الحل هو بالذهاب إلى التقسيم تحت مستوى الفيدرالية بدايةً لتتفلت الأمور فيما بعد وتذهب نحو المناداة بالأميركي كمنقذ ومخلص.
- المسألة الثانية تقديم نموذج نهائي حول قدرة سوريا للنهوض وإرساء البعد الحضاري والإنساني للدولة بمواجهة المشروع التوحشي الهدّام لداعش وغيرها من الجماعات المسلحة، وما الاحتفالات التي قامت في تدمر إلّا صورة عن المشهد المتحضر الذي سينتصر في النهاية على مشهد الدم والتوحش.
المرحلة القادمة ستكون للأسف أكثر المراحل قسوة وتعقيدًا وستدفع فيها أميركا وحلفاؤها الإقليميون والجماعات المسلحة بكل قدراتهم لتحقيق خرق ما، وإعادة فتح الطريق أمام مشروع لم يستطيعوا تحقيقه وترسيخه خلال خمس سنوات ونصف من الحرب التي أطلقوها على سوريا، ويقيني أنّ المواقف التي تنطلق باتجاه الروس وبعضها يصل حد الاتهام بمشاركة الأميركيين "للبازار" بحسب وصف البعض، رغم أن الكثير من الانتقادات تنطلق من العتب وليس من الاتهام.



ساحة النقاش