<!--
<!--<!--<!--
بين تهدئة الغوطة ومهلة حلب، هدوء ما قبل العاصفة؟؟
الثلاثاء 24 أيار2016

عمر معربوني - بيروت برس -
منذ اللحظة التي صدر فيها القرار 2268 لوقف الأعمال العدائية في سوريا، وما سبقه من لقاءات بين وزير الخارجية الروسي ونظيره الأميركي، كان واضحًا أنّ القرار لن يؤدي الغرض من صدوره لافتقاده لآليات ضبط ومتابعة وعدم تعزيزه بتطبيق القرار 2253 المتعلق بتجفيف منابع الإرهاب، وخروج جدول تصنيف الجماعات المسلحة الى العلن دون أن يشمل جماعات تعتبرها موسكو إرهابية وهي حركة أحرار الشام وجيش الإسلام.
لم تمضِ مدة طويلة حتى بات يُطلق على وقف الأعمال العدائية مصطلح الهدنة، وليتغير المصطلح أخيرًا فيصبح "التهدئة المحددة بتوقيت"، وهو مصطلح يشبه الجرعة الأخيرة التي تسبق موت الهدنة وكل مصطلحاتها ولا يعدو كونه محاولات تنفس اصطناعي لوليد وُلِد قبل أوانه.
في الأصل كانت الهدنة مطلبًا أميركيًا ولا زالت، وجاءت في توقيت كانت فيه كفّة الميدان تميل بشكل كبير لمصلحة الجيش السوري لمنح الجماعات المسلّحة الوقت اللازم لترميم أوضاعها وتعويض خسائرها في الأرواح والعتاد بما يعادل اكثر من وقفة تعبوية سمحت للجماعات المسلّحة بتحقيق خرقين في تل العيس وخان طومان، إلّا أن الخرقين لم يغيّرا في ميزان القوى ولا في خرائط السيطرة التي بقيت لمصلحة الجيش السوري في حلب وتوسعت في الغوطة الشرقية وتتحسن في ريف حمص الشرقي.
وحتى لا تبقى الأمور غامضة، فإنّ التهدئة المشروطة بوقت محدود تأتي بعد إلحاح أميركي بعد كل إخفاق للجماعات المسلّحة ما يُقارب المهلة أكثر منها للتهدئة النهائية والكاملة، وهو أمر يُبرز تطور التأثير الروسي المستند أصلًا على إنجازات كبرى تحققت في الميدان السوري ويمكن تحقيق المزيد منها.
وبعد الكلام الذي أدلى به المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا مايكل راتني بدعوته الجماعات المسلّحة إلى الالتزام بالهدنة، حيث توجه ببيان إلى الجماعات المسلحة ضمّنه ما يشبه النصيحة المبطنة بالتحذير من عواقب عدم الالتزام، حيث قال: "لقد اطلعنا على بيانكم بشأن الهدنة وقلقكم البالغ حيال الوضع في داريا والمناطق الأخرى في سوريا، إلا أننا لا نعتقد أنّ التخلي عن الهدنة من شأنه أن يخدم وضع الفصائل المسلحة أو الآلاف من عامة السوريين".
وأضاف "إذا انسحبت الفصائل المسلحة من الهدنة، فإنّ الرئيس السوري بشار الأسد وداعميه سيدّعون أنّ ذلك يخوّلهم مهاجمة كل قوى المعارضة دون اعتراض دولي".
ورغم اعترافه بأنّ الهدنة "في وضع غير مثالي وتتعرض لضغط شديد جدًا"، اعتبر أنّ "التخلي عنها سيكون خطأ استراتيجيًا".
هذا الكلام جاء بعد اتصال هاتفي أجراه الوزير جون كيري بالوزير سيرغي لافروف، طالبه فيه بالضغط على الدولة السورية لوقف الضربات الجوية على "قوات المعارضة والمدنيين الأبرياء في حلب ودمشق"، دون أي إشارة الى التفجيرات التي نفذتها حركة أحرار الشام في جبلة وطرطوس، في الوقت الذي تم الإعلان أنّ أحد اكبر مسؤولي حركة أحرار الشام لبيب نحاس زار أميركا بعد منحه تأشيرة رسمية منذ أشهر.
تهدئة الغوطة التي تأتي بعد تقدم الجيش السوري وتحريره لـ13 بلدة، ومهلة حلب التي تنتهي منتصف الليلة، وما صرّح به مايكل راتني يعني في مكان ما أنّ روسيا لن تقف مكتوفة الأيدي أمام سلسلة المناورات والخبث الأميركي، خصوصًا أنّ اميركا التي تستعد لإطلاق معركة الرقّة لم تستجب لأي طلب روسي للتعاون ولا الذهاب باتجاه الضغط في مسألة تصنيف الجماعات المسلّحة.
تهدئة الغوطة التي أعلنت لـ72 ساعة لم تصمد، حيث تدور أثناء كتابة هذا الموضوع معارك بين الجيش السوري وجبهة النصرة في محيط بلدة بالا الجديدة، وسقوط قذائف على حلب واشتباكات على محور حندرات شمال شرق حلب.
المهلة التي أعطتها روسيا في حلب والتي تنتهي منتصف الليلة جاءت مترافقة مع إعلان روسيا عن قيام جبهة النصرة بنشر 6000 مقاتل في ريف حلب الجنوبي وحوالي 8000 مقاتل على محاور مدينة حلب الشمالية، وهذا ما يفسر ضرب مناطق دارة عزة غرب حلب وأكثر من نقطة على طريق الكاستيلو الذي يربط أحياء حلب الشرقية حيث سيطرة الجماعات المسلّحة بالريف الغربي لحلب.
وقد يسأل البعض ماذا يمكن ان يتغير بعد انقضاء مهلة الليلة في حلب، طالما أنّ الطائرات الروسية لم تتوقف عن الإغارة على مواقع الجماعات المسلحة، وهو سؤال في محله، والجواب أنّ وتيرة القصف ستتغير وستتخطى الوتيرة التي كانت معتمدة سابقًا، وهو ما سيؤدي الى إلحاق خسائر كبيرة بالجماعات المسلّحة خصوصًا أنّ الرئيس بوتين قد أعلن مع بدء تخفيض عديد القوات الجوية أنّ الطائرات الروسية يمكنها العودة خلال ساعات إلى مسرح العمليات، وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ سلسلة المواقف اللينة لروسيا تأتي في ظل ظروف ضاغطة ترتبط بالقوقاز ونصب أميركا لصورايخ في رومانيا ومسائل أخرى، إلّا أنّ الأهم من كل ذلك ان بعض التباينات في الموقف موجودة أيضا داخل روسيا، فيما يخص هدف وحجم العمليات خارج روسيا اعتقد أنها إن لم تنته فإنها ستنخفض كثيرًا في الضغط على الرئيس بوتين بعد تبيان طبيعة السلوك الأميركي الذي يتّسم بالمناورة والخبث.
أمر آخر لا بد أن القيادتين السورية والروسية يعلمان نتائجه من خلال إطلاق عملية الرقّة، وهو أن جزءًا كبيرًا من قوات داعش سينسحب إلى محيط دير الزور ما سيشكل ضغطًا إضافيا على وحدات الجيش السوري في دير الزور، وهذا يعني أن إجراءات سريعة يجب القيام بها في هذا الخصوص.
ساعات قليلة تفصلنا عن انتهاء المهلة الروسية في حلب، وهي في كل الأحوال رمانة الميزان في أي تطورات قادمة، مع عدم إغفال ما يخطط له الأميركيون في الرقّة التي يبدو أن مقدمات العملية المرتبطة بها قد بدأت، وهو ما يجب النظر إليه بجدية تكلمنا عن تداعياتها سابقًا لجهة سعي الأميركيين لفرض أمر واقع جديد يذهب في المفاوضات باتجاهات مغايرة، وعليه تبدو ضرورة تحقيق انجازات كبرى للجيش السوري وحلفائه ليس في حلب فقط وإنما في ادلب وريف حماه الشمالي أكثر من ضرورية لإبقاء ميزان القوى لمصلحة الدولة السورية.



ساحة النقاش