
<!--[if !mso]> <style> v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} </style> <![endif]-->
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
آل سعود بين عروبتين (2/2)
15 أذار ,2016 03:04 صباحا
عربي برس: فؤاد ابراهيم
أقنع عبد العزيز اللجنة التنفيذية العربية بالتعاون مع لجنة بيل التي عينها البريطانيون في عام 1937، في محاولة لتسوية المشكلة الفلسطينية. وعارض توصية اللجنة بتقسيم الأرض لأن ذلك سوف يقوّي خصومه الأشراف، الذين أصبحوا حكّاماً في إمارة شرق الأردن. كان نهج ابن سعود واضحاً في مؤتمر سانت جيمس في لندن (1939)، عندما دعا ابنه وممثله الخاص الأمير فيصل، لمبادرة بريطانية لوضع حد للنزاع. وقال إنه يؤيد سياسة «الكتاب الأبيض» البريطانية بعد أن فشل المؤتمر. للإشارة فإن «الكتاب الأبيض» الصادر في 17 آيار 1939 كان صكّ اعتراف بتقسيم فلسطين إلى عربية ويهودية ودولية، وحين تجدّدت الانتفاضة الفلسطينية لرفض التقسيم استعانت بريطانيا بملكيات عربية حليفة مثل السعودية والعراق والأردن ومصر وليبيا واليمن من أجل تمرير مشروع التقسيم، ثم جاء الكتاب الأبيض بنسخته المطوّرة ليرسي أساس الدولة العبرية بإفساح المجال أمام الهجرة اليهودية عبر حكومة الانتداب.
في المقابل، وفي عام 1940 عمل ابن سعود في إطار جامعة الدول العربية على رفض المقترحات التي من شأنها الإضرار بمصالح الولايات المتحدة وبريطانيا. وتجنب الالتزامات بتقديم مساعدات كبيرة للفلسطينيين وعارض الحرب ضد اليهود. وقام على وجه السرعة بالمصالحة مع قرار الأمم المتحدة الصادر في 29 تشرين الثاني 1947 لتقسيم فلسطين. وفي عام 1948 حين أعلن عن الدولة العبرية وشنّت الجيوش العربية الهجوم، اكتفى عبد العزيز بمشاركة رمزية - بإرسال قوة غير مدرّبة صغيرة تحت القيادة المصرية التي ساهمت قليلاً في المجهود الحربي العربي. دفع الواقع الجديد في المنطقة بعد هزيمة الجيوش العربية ابن سعود إلى الكف عن التدخل في شؤون فلسطين.
في الأرشيف البريطاني والإسرائيلي ما يفيد بأبعد من مجرد عزوف سعودي عن الانخراط في قضايا العرب الكبرى، فهناك أدلّة ترقى الى ما يمكن وصفه بالتواطؤ.
فمنها اللقاءات التي جرت بين ديفيد بن غوريون وموشيه شيرتوك مع مستشارين سعوديين كبار في لندن في ثلاثينيات القرن الماضي (من بينهم حافظ وهبة وهو من كبار مستشاري الملك عبد العزيز، وهو مصري الجنسية، وكان كل مستشاري الملك غير سعوديين)، وقال بن غوريون لوهبة «فقط ملوك آل سعود هم قادرون على التأثير على المصالحة التاريخية بين العرب واليهود في فلسطين». هل استدرك الإسرائيليون الأمر حين فشل التطبيع عبر البوابتين المصرية والأردنية، وهاهم يطرقون الأبواب السعودية ومعها أبواب خليجية أخرى (قطرية وإماراتية وبحرينية)؟
التظهير الثاني للعروبة تمثّل في النضال ضد الاستعمار، فكان عقد الخمسينيات ثورة عربية وشرق أوسطية شاملة من أجل الاستقلال عن الاستعمار الأجنبي. وخشي الغرب من تعرض إسرائيل لخطر جدّي من الشعوب العربية الثائرة. ولكن ليس أمضى من «الشقاق الداخلي» سلاحاً لضمان سلامة الكيان الإسرائيلي. فقد اقترحت فكرة الحلف الإسلامي سنة 1957 في لقاء بين الملك سعود والرئيس ايزنهاور، الذي صمّم لمواجهة الشيوعية ظاهراً، ولكن في صميمه تحوّل إلى مصدر لحركة القومية العربية كأيديولوجية نضال ضد الاستعمار والرجعية بكل أشكالها.
في المجابهة الإسلامية ـ القومية، كانت فكرة تشكيل الحلف الإسلامي بقيادة السعودية موجّهة في الأساس ضد المشروع القومي العربي. في 5 كانون الثاني سنة 1957 أعلن الرئيس ايزنهاور عن مبدئه في السياسة الخارجية بتعهده تقديم المساعدة العسكرية والاقتصادية لأي بلد شرق أوسطي بحاجة للمساعدة بهدف مكافحة الشيوعية. وكان الغرض من المبدأ مواجهة النفوذ السوفياتي المتنامي في الشرق الأوسط، والذي نتج من تزويد السلاح لمصر من بلدان شيوعية مثل تشيكوسلوفاكيا في عام 1955 وكانت هي بمثابة غطاء للبائع الروسي للسلاح، وكذلك من دعم شيوعي قومي من بلدان عربية ضد الهجوم الإسرائيلي الفرنسي البريطاني على مصر في أكتوبر 1956. وأكّد ايزنهاور وبموافقة الكونغرس بأنه سوف يستخدم القوات المسلّحة لحماية استغلال أي بلد شرق أوسطي يطلب المساعدة الأميركية.
وكشف الرئيس ايزنهاور في مذكراته خطة احتلال سوريا، وأجرى محادثات بهذا الشأن مع تركيا، لكن مصر أجهضت الخطة بإرسال قوات المظلات إلى سوريا، لمساندة الجيش، وقد تفاهمت السعودية وتركيا على الخطة. وبعد أن تأكدت المخابرات المصرية من وجود خطة أميركية بمشاركة تركيا لغزو سوريا، قرّر عبد الناصر استعجال إعلان الوحدة المصرية السورية. وفضح عبد الناصر مخطّط الحلف الإسلامي، وقال في خطاب عيد الوحدة في جامعة القاهرة، أن أميركا كانت تسعى إلى إقامة قوى مضادة للثورة التي تتزعمها مصر آنذاك، وأن آيزنهاور اقترح على الملك سعود شن حملة دعائية إسلامية وإنشاء حلف إسلامي، ودعا آيزنهاور الملك سعود إلى أميركا واستقبله شخصياً بالمطار. حالة الإنكار التي تلبّست الملك سعود ومن بعده الملك فيصل إزاء فكرة التحالف الإسلامي، لم تقنع عبد الناصر، خصوصاً دعوى السعودية لفكرة التحالف. والحال أن مبدأ ايزنهاور قام على تقوية الدول الرجعية المحافظة مثل السعودية والعراق الملكي ولبنان وليبيا لمواجهة الناصرية كترميز لحركة القومية العربية في الخمسينيات وأرادت الولايات المتحدة السير في المواجهة مع الناصرية حتى النهاية وتقوية حلفائها، ولكنها اكتشفت في نهاية المطاف بأن الناصرية قوية إلى القدر الذي يستوجب التعايش معها والقبول بها... ولكن بعد فوات الأوان.
وبحسب الاتفاق بين الرئيس إيزنهاور والملك سعود، فقد تمّ خلال الخمس سنوات التي تلت عام 1957 تقديم معونة عسكرية أميركية بقيمة 50 مليون دولار للسعودية، وتشمل التدريب والصيانة للقوات المسلحة وبناء مطار الظهران، و20 مليون دولار كمساعدة اقتصادية، للتنمية وتطوير ميناء الدمام بالمنطقة الشرقية، وأن تبيع الولايات المتحدة للسعودية ما قيمته 110 مليون دولار قيمة معدات عسكرية (أنظر كتاب: Salim Yaqub, Containing Arab Nationalism).
وبعد مرور شهر على بدء تنفيذ مبدأ ايزنهاور، وما تضمنه من تعهدات لدعم الحلفاء في الشرق الأوسط، دبّرت المملكة السعودية محاولة انقلاب ضد النظام في مصر في ديسمبر سنة 1957.
وخلال فترة الخمسينيات رفض الرئيس ايزنهاور والشقيقان دالاس (جون فوستر دالاس، وزير الخارجية، والن دالاس، مدير وكالة الاستخبارات المركزية السي آي أيه) مقترحاً سوفياتياً بجعل الشرق الأوسط منطقة محايدة، وتمكين العرب من حكم بلادهم. على العكس، شنّت الولايات المتحدة حرباً شعواء ضد القومية العربية، ومن أجل شرعنة الحرب سعودياً تمّت مكافأة القومية بالشيوعية، خصوصاً بعد اندلاع ثورات عربية من أجل تأميم النفط.
ولم يكن مجرّد صدفة أن تقع سلسلة محاولات انقلابية في السودان (فبراير 1957) وسوريا (يوليو 1957) ومصر (ديسمبر 1957) من قبل جماعات معادية للقومية العربية. وفي فبراير 1958 جرت محاولة اغتيال الزعيم جمال عبد الناصر.
سعى ايزنهاور الى عزل الرئيس عبد الناصر وتحجيم نفوذه لصالح الملك سعود الذي لم يكن يحظى بشعبية على المستوى العربي، بل على العكس بدا الحكم السعودي مهدّداً بعد خروج التظاهرات في الظهران، موقع القاعدة الجوية الأميركية شرقي المملكة السعودية، تهتف بحياة الرئيس عبد الناصر وتندّد بالوجود العسكري الأميركي في المملكة، وزاد على ذلك بروز ظاهرة «الأمراء الأحرار» ولجوء بعضهم إلى القاهرة تلبية لنداء العروبة من مصر.
واصلت الولايات المتحدة محاولاتها لتقويض القومية العربية برمزها جمال عبد الناصر، وحرّضت ضباطاً في الجيوش العراقية والسورية والمصرية والسودانية واليمنية وأحزاباً دينية، ومنها جماعات ذات صلة بالإخوان المسلمين وعلى تنسيق مع السعودية من أجل تنظيم حركات تمرّد مسلّحة وإسقاط الأنظمة القومية، وبدأ تنفيذ المخطط تباعاً في الفترة ما بين 1961 ـ 1967 من مؤامرة إسقاط الوحدة بين مصر وسوريا سنة 1961، ثم حرب اليمن في الفترة ما بين 1964 ـ 1967، ومحاولة اغتيال عبد الناصر سنة 1965 عبر ما قيل عن جماعة على صلة بالإخوان المسلمين أطلق عليها جماعة «البحث العلمي» وكانت منشغلة في تصنيع المتفجرات، ووضعت على قائمة أهدافها اغتيال عبد الناصر.
بوفاة عبد الناصر سنة 1970، بدأ ما أطلق عليه الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل بـ«الحقبة السعودية»، نتيجة متغيّرين: بدء مسار التسوية مع الكيان الإسرائيلي بعد حرب أكتوبر 1973، والطفرة النفطية وارتفاع مداخيل النظام السعودي وبدء سياسة «الشيكات» على حساب النضال العربي الذي فقد رمزه التاريخي. تلك حقبة لم تكن منفصلة عما يشهده الفضاء العربي اليوم من عملية اغتصاب للوعي القومي على يد خصوم العروبة الثورية. عروبة سعودية تعمل ضدّ الذات العربية، وروحها، وتكوينها... إنها العروبة الإسرائيلية بامتياز، عروبة تتصالح مع ضدها النوعي، وخصمها التاريخي وسبب نشوئها وترقيّها.
السعودية ومن ورائها الرجعيون الجدد تسوّروا عروبة عبد الناصر لاختطافها، ولكن هذه المرة باستخدام رافعة مذهبية. ومن سوء طالع هذه العروبة كونها متصالحة مع الصهيونية. ولم يكن محض صدفة أن يعبر قطار التطبيع مع الإسرائيلي على سكة التجييش الطائفي. العروبة السعودية ليست توحيدية على الإطلاق، بل مصمّمة لمناقضة الوحدة العربية، وإعلان الحرب عليها باسمها. خطاب العروبة المنتج سعودياً ليس فيه من سيماء العروبة، وهي نفس الإيديولوجية التي حاربت مشروع العروبة الحقيقية بثنائية: الكفاح من أجل تحرير فلسطين والنضال من أجل التحرر الوطني ونيل الاستقلال، ولكن بالأمس كانت ترفع اللافتة الاسلامية واليوم تتلطى وراء عروبة مدجّنة، ولكن الحلفاء هم الحلفاء، والأهداف هي الأهداف... والخيانة هي الخيانة، ولكن مع فارق رداء.



ساحة النقاش