
<!--[if !mso]> <style> v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} </style> <![endif]-->
<!--<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
السلاح والمال والسياسة
18 شباط ,2016 03:10 صباحا
عربي برس: عامر محسن
كان سرّاً معلناً أن زيارة وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان إلى موسكو هي، في جانبٍ أساسيّ منها، زيارة «تسوّقٍ» للسلاح ولتحديد أفق العلاقة العسكرية بين روسيا وإيران في المرحلة المقبلة (الأميركيون يتهمون الجنرال دهقان، كما ذكّرت قناة «فوكس» البارحة، بأنه كان أحد المخططين الرئيسيين للهجوم على ثكنة «المارينز» في بيروت عام 1983، حيث قضى أكثر من 240 جندياً أميركياً).
قبل الزيارة وخلالها وبعدها، انتشر كمٌّ هائل من التسريبات والشائعات حول محتوى الصفقة المزعومة. تعليق نظام العقوبات ضد طهران قد فتح الباب على تكهّنات ورهانات حول المستفيدين من عودة إيران إلى السوق الدولية (من ستشتري إيران منه الطائرات، ومن سينال عقود الطاقة، الخ)؛ غير أن الملف العسكري لا يقلّ أهمية عن القطاعات المدنية، ليس لأهميته الاقتصادية فحسب، بل لأن العقود التي توقّع اليوم تشير إلى التوجهات المستقبلية للجيش الإيراني، وإلى شكل ومستوى التحالفات التي تعقدها طهران مع قوى العالم.
أهمّ التسريبات جاء من وكالة «انترفاكس»، التي ادّعت أنها قد تحدّثت إلى مسؤولين روس مطّلعين على الجانب التقني للمفاوضات، وأنّ وزارة الدفاع الإيرانية على وشك شراء حزمةٍ كبيرة من الأنظمة العسكرية، بينها بطاريات دفاع جوي من طراز اس ــــ 400، وطائرات سوخوي 30، وصواريخ متقدمة مضادة للسفن، ودبابات تي ــــ 90، وفرقاطات وغواصات. ثم خرجت، أمس، تقارير من مصادر مختلفة تدّعي بأنّ القيمة الإجمالية للمشتريات الإيرانية ستزيد على 8 مليارات دولار، وتؤكّد بأنها ستضمّ مقاتلات سوخوي ــــ 30 متعددة المهام (أكثر من 160 طائرة بحسب مصادر «انترفاكس»).
مرّت المؤسسة العسكرية الإيرانية خلال العقود الماضية بعدّة أطوار، منذ بدأ الشاه ببناء جيشها على النمط الغربي في السبعينيات، وتكديس السلاح والطائرات من أميركا (إضافة إلى مئات طائرات الفانتوم والإف ــــ 14 والإف ــــ 5 التي صدّرت إلى إيران، كان البلد على وشك شراء أكثر من مأتي مقاتلة إف ــــ 16 حين حصلت الثورة وخُلع الشاه)، والتطلع إلى إنتاج دبابة بالاشتراك مع بريطانيا ــــ تحت اسم «شير»، ثمّ أصبحت «تشالنجر» الشهيرة حين خُلع الشاه واستكملت بريطانيا المشروع بمفردها. وحين حلّت الحرب مع العراق، ووقعت إيران تحت ما يشبه الحظر الدولي على تسليحها، اعتمدت على تشغيل الأسلحة الأميركية التي ورثتها من النظام السابق، مع تطعيمها بتكتيكاتٍ ترتكز على المشاة وما يُتاح للبلد من تسليح خارجي نادر (أوّل لواء مدرّع لـ «الحرس الثوري»، مثلاً، كان مسلحاً بدبابات تي ــــ 54 سوفياتية غُنمت من الجيش العراقي خلال المعارك). منذ التسعينيات، ومع تصاعد التهديدات الأميركية مقترنة بعزلة دولية، بنت إيران نظام ردعٍ «غير تقليدي»، عماده الصواريخ البالستية والأسلحة المضادة للسفن و«الحرب الهجينة»، إلى جانب جيشٍ تقليدي يستخدم ــــ أساساً ــــ الترسانة القديمة نفسها، مع إدخال تعديلات وتحديثات محلية بغية إطالة عمرها.
أمّا العلاقة العسكرية بين موسكو وطهران، فقد كانت مرآةً لتقلّبات السياسة الدولية: كانت إيران أحد أكبر مشتري الأسلحة الروسية في التسعينيات، فحدّثت جيشها بشكلٍ جزئي عبر غواصات روسية وطائرات ميغ ــــ 29 ودبابات تي ــــ 72 (تم تجميعها في إيران)، قبل أن تنخفض الوتيرة بعد عام 2000 والتقارب الروسي ــــ الأميركي، الذي كانت أحد شروطه تجميد التعاون العسكري مع إيران، ثمّ توقفت الصفقات بشكلٍ كامل بعد عام 2010 وفرض العقوبات الأممية (على الهامش: العلاقة العسكرية الأوثق، والأكثر حساسية، والتي قلّما يتم تسليط الضوء عليها، هي بين إيران والصين).
إن صحّت «لائحة الشراء» التي يتمّ تداولها، فهذا يعني أن طهران تنوي استغلال نافذة الفرصة القائمة لترميم قدرات جيشها في ثلاثة قطاعاتٍ أساسية، لم تتمكن طهران من سدّها بقدراتها الذاتية. في الجّوّ، السوخوي ــــ 30 اس ستكون الطائرة الرئيسية في سلاح الجو الإيراني. وهي، لأنها تقدر على تأدية مهام القصف والتفوق الجوي والحرب الالكترونية في آن، مرشّحة لاستبدال كلّ الطرازات الأميركية التي ما زالت في الخدمة، والتقارير تقول بأن الإيرانيين يطلبون إنتاجا مشتركاً للطائرة وأن يتمّ ترخيص نسخة إيرانية منها، كما جرى مع الهند والصين. أمّا الأس ــــ 400، فهو ينسجم مع إستراتيجية إيران في التحسّب لهجومٍ بطائرات غربية حديثة عليها، سواء جاء من أميركا أم من «الجيران» الخليجيين؛ ومدى بعض صواريخ الأس ــــ 400 يسمح باستهداف طائرات الاستطلاع والقتال ما أن تقلع من مطاراتها على الضفة الغربية من الخليج. كما أنّ طهران، ثالثاً، تنوي تحديث سلاح المدرّعات في جيشها، وهي ترشّح دبابة تي ــــ 90 الروسية، غير أنّ المسؤولين الإيرانيين أوضحوا أنهم غير مهتمين بشراء الدبابات كـ «سلعة تصدير»، بل يفضلون شراء خطوط الإنتاج وتصنيع المدرّعة محلياً.
إضافة إلى سدّ الثغرات، فإن المشتريات الإيرانية تعكس رغبةً في كسب قدراتٍ إضافية في مجال الصواريخ المضادة للسفن، حيث يجري تجاوز الجيل الحالي من الصواريخ الإيرانية، الذي يرتكز على صاروخ c-802 الصيني (وهو، بدوره، نسخة مطورة عن «اكزوسيت» الفرنسي)، وحيازة نظام «باستيون» الحديث وصواريخ «اونيكس» التي تتسارع إلى ثلاثة أضعاف سرعة الصوت قبل أن تضرب هدفها، وتعتبر ــــ حتى لو استخدمت فرادى ــــ تهديداً حقيقياً لأنظمة الدفاع التي تحيط بحاملات الطائرات الأميركية.
هذه الاتفاقات، إن حصلت، لا علاقة لها بصفقة الـ «إس ــــ 300» الشهيرة التي تعود إلى عام 2008، والتي ــــ تقول «انترفاكس» ــــ سيبدأ تسليمها إلى إيران اليوم، لتمتلك إيران للمرّة الأولى نظاماً فعالاً بعيد المدى، يشكّل خطراً على أي طائرة غربية. والروس قد يكونون مستعدّين أكثر من أيّ وقت آخر لمدّ العلاقات العسكرية مع إيران، فتصدير السلاح الروسي صار ضرورة لتمويل الأبحاث وإنتاج أنظمةٍ جديدة، خاصة في ظلّ تناقص عائدات النفط والبرامج العسكرية الطموحة التي أطلقتها روسيا («اورال فاغون زافود» الشركة المصنّعة لـ «تي-90»، مثلاً، هي في حالة إفلاس). فيما الغربيون يفسرون الصفقات على أنها دليلٌ على التقارب الاستراتيجي بين البلدين، لا يجب أن نغفل أهمية العامل الاقتصادي وسط حاجة روسيا وشركاتها إلى العملة الصعبة. الأساس هو انّه، لو تحوّلت هذه التكهنات حول التعاون العسكري إلى حقيقة، فإن إيران ستكون قد حازت، للمرة الأولى منذ إنشاء الجمهورية الإسلامية، على شريكٍ عسكري «حقيقي»، يرفد جيشها وتقنياتها وأبحاثها، وهذا قد ينتج ــــ خلال السنوات المقبلة ــــ جيشاً ايرانياً بوجهٍ جديد.



ساحة النقاش