<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Tableau Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
العرب متطرفون ومجانين حتى في تنبؤاتهم!
المساء = عبد الله الدامون
أغسطس 04, 2015العدد: 2749
قبل بضعة أسابيع، كشفت الصحافة الأمريكية عن واقعة طريفة حدثت قبل عقود، وبالضبط سنة 1972، وهي تدخل في باب التنبؤات المثيرة التي تتحقق، بل إنها حين تقال في حينها يضحك منها الجميع، وفي النهاية يتبين أن من يطلقها لا بد أن يكون شخصا من طينة خاصة جدا.
الحكاية تقول إن فيديل كاسترو، الزعيم الفذ الذي حكم كوبا لنصف قرن وهو يصارع الغطرسة الأمريكية يوما بيوم، كان قد التقى سنة 1972 بجمع من الصحافيين الأمريكيين في لقاء عابر في مؤتمر دولي في بلد محايد. وقتها، كان كاسترو يتصرف كقديس حقيقي وهو لا يفارق دغدغة سيجاره الكوبي المعتق، فخر الصناعة الكوبية، وفجأة وجه له صحافي أمريكي سؤالا بدا للكثيرين وقتها سؤالا غبيا جدا، حتى أن الصحافي الذي أطلقه ندم عليه بسرعة بعد أن لاحظ سخرية واستهجان زملائه.
الصحافي الأمريكي سأل فيديل قائلا: متى ستتفاوض كوبا مع الولايات المتحدة الأمريكية؟ سؤال مثل هذا كان خارج السياق بالمرة، لأن العلاقة بين أمريكا وكوبا كانت مثل علاقة أسد جائع بغزالة فتية شاردة، لذلك لا مجال للمفاوضات بينهما، فإما أن تفلت الغزالة بحياتها أو يفترسها الأسد المتوحش. لهذا السبب أبقى كاسترو على سيجاره في فمه وتوجه نحو الصحافي الأمريكي قائلا، في مزيج من السخرية السوداء والتنبؤ المدهش: أمريكا ستأتي لمفاوضتنا عندما يصل إلى البيت الأبيض رئيس أسود، وعندما يتم تعيين بابا الفاتيكان من أمريكا اللاتينية.
هذه الحكاية المدهشة ليست من نسج الخيال، بل هي موثقة بشهود ودلائل، وهي اليوم عادت إلى الواجهة، لأن ما تحدث عنه فيديل لم يكن أحد يتصور أن يتحقق يوما، وفي النهاية وصل رئيس أسود إلى البيت الأبيض الأمريكي، وتم تعيين بابا الفاتيكان من الأرجنتين، ثم جاءت أمريكا لمفاوضة كوبا وافتتحا معا سفارتين في واشنطن وهافانا، وكل هذا لم يكن أحد يتوقعه حتى في أفلام الخيال العلمي.
فيديل كاسترو، الذي ترك مقعد الزعامة في كوبا لشقيقه راوول قبل بضع سنوات، لا يزال يتصرف كنبي شيوعي. هو لا يؤمن بالمعجزات والأساطير، لكنه وجد نفسه فجأة في قلب واحدة من أكثر الحكايات غرابة واستعصاء على التصديق. لكن فيديل كان دائما رجلا صادقا مع نفسه ومع شعبه، وهو، إلى جانب ذلك المناضل الشهم، تشي غيفارا، كان يشكلان فعلا أيقونة لكثير من الشعوب التي تعاني من تجبر وطغيان أمريكا، وأيضا من استبداد وتجبر حاكميها، الذين ليسوا إلا خدما من بين خدم البيت الأبيض، لذلك فإن رجلا مثل فيديل، لا بد أن يكون صادقا في تنبؤاته، فالقضية في البداية والنهاية ليست قضية أن يكون المرء متدينا أو ملحدا أو شيوعيا أو رأسماليا، بل القضية أن يكون المرء صادقا مع نفسه ومع الآخرين.
في المنطقة العربية، عندنا حالة مماثلة عشناها قبل بضع سنوات، حالة تشبه التنبؤ في بدايتها، لكنها مختلفة تماما في نهايتها.
في مؤتمر القمة العربية في دمشق، وقف الزعيم الليبي معمر القذافي يتحدث، وهو رجل مضحك حتى من دون أن يقول شيئا، فكيف إذا نطق. يومها قال القذافي إن لا شيء يجمعنا نحن الزعماء العرب سوى هذه القاعة، وتأسف على إعدام الرئيس العراقي صدام حسين، ووجه تحذيرا مثيرا إلى الرؤساء والزعماء العرب المحيطين به. قال لهم إن صدام ليس سوى البداية، والدور آت عليكم جميعا لا محالة.
كان لهذا الكلام وقع النكتة شديدة الإضحاك على الزعماء العرب، الذين بدؤوا يضحكون بشهية مفتوحة جدا، ولا أحد منهم توقع أن تتحقق نبوءة القذافي ولو بنسبة واحد في المائة، لكن بعد سنوات قليلة بدأ عدد من أولئك الضاحكين يسقطون تباعا واحدا واحدا، وكلهم حلفاء لأمريكا، بينما أمريكا تتفرج في انتظار النتائج لكي تطبق شعار «الله ينصر من أصبح». سقط بن علي في تونس وهرب مع زوجته الحلاّقة نحو السعودية، وسقط مبارك أمام ثورة مصرية غير مسبوقة، قبل أن يعيد السيسي عقارب الساعة إلى الوراء بانقلاب عسكري ضد الثورة. وذهب رجل اليمن القوي، علي عبد الله صالح.
وأصبح بشار أمام بلد ينهار أمامه قطعة قطعة، والأسوأ من هذا هو المصير المذل الذي لقيه القذافي، صاحب هذه النبوءة الكارثية، حيث اصطاده خصومه كجرذ في الصحراء وقتلوه ثم تركوه عاريا يتعفن أمام الليبيين، في مشهد لم يكن يعكس رغبة الليبيين بقدر ما كان تلبية لرغبة جامحة لأطراف عربية خليجية أرادت الانتقام من القذافي حتى بعد موته.
فيديل كاسترو تنبأ بمستقبل مختلف لبلاده ولشعبه، فتحققت نبوءته وهو لا يزال حيا يتأملها ويستمتع بنبوّته، بينما تنبأ القذافي بالموت والدمار لجميع الزعماء العرب، منهم من قضى ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا، وكان القذافي جزءا من تلك النبوءة الكارثية.
العرب متطرفون ومجانين حتى في تنبؤاتهم!



ساحة النقاش