<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
لماذا ترفضون فن «دْيودُوني» وتقـْبلون زبالة عيوش؟
المساء = عبد الله الدامون
يونيو 09، 2015، العدد: 2703
من عادة المغاربة النسيان، وهي نعمة ما بعدها نعمة، فلو كان الناس يحتفظون بأشياء كثيرة في ذاكرتهم لانفجرت أدمغتهم في سنوات قليلة، أو أصيبوا بـ«»الزهايمر» وهم دون الثلاثين.
تأتي الأحداث العجيبة والمقززة في المغرب تباعا ولا تترك للناس الوقت الكافي لتأملها وتحليل كنهها. إنها تشبه الليل الذي يمحو النهار والنهار الذي يمحو الليل، وفي النهاية لا يعودون لتذكر أي شيء.
فضيحة الفيلم الإباحي للمدعو نبيل عيوش لم تحظ بالتأمل الكافي ولم تتيسر محاسبة المسؤولين عنها، ولو معنويا، لأن بعدها مباشرة انفجرت فضيحة الحفل العاري للأمريكية جينيفر لوبيز، ومباشرة بعد فضيحة لوبيز انفجرت فضيحة صور عارية لفرنسيتين مناصرتين للشذوذ الجنسي تم التقاطها في باحة مسجد حسان بالرباط، ومباشرة بعدها صعد إلى خشبة «موازين» مغن شاذ يضع علامة «إكس» على فصل من الدستور يعاقب الشذوذ؛ وربما تنفجر، قريبا جدا، فضائحُ أخرى، كلُّ واحدة منها تجُبّ ما قبلها.
لكن لو أخذنا فضيحة واحدة من الفضائح التي مرت مؤخرا وتأملناها قليلا، فإنها ستكشف لنا عن جرعة مهولة من الازدواجية والنفاق السائدة في هذه البلاد، وهو نفاق تتشارك فيه أطراف كثيرة، رسمية وغير رسمية، نفاق يدل على أننا بلد يمشي بلا بوصلة، ليس في السياسة فقط بل في جميع الميادين. لنعد بضعة أسابيع إلى الوراء ونقارن بين بضع حالات من عالم النفاق.
عندما كان الفنان الكوميدي الفرنسي«دْيودُوني» يعتزم إقامة عروض في المغرب، ارتفعت أصوات تحذر من خطورة هذا الرجل، وكأنه قنبلة نووية متحركة، ووصفته بأشياء كثيرة، من بينها معاداة السامية وترويج الكراهية، وبعد ذلك تم إلغاء العروض التي كانت مرتقبة في الدار البيضاء والرباط، وربما في مدن مغربية أخرى.
ديودوني فنان حقيقي، وهو، أيضا، فنان ملتزم بقضايا إنسانية يقتنع بها ويدافع عنها بموهبته الفذة، هو فعلا مثير للجدل، لكنه أفضل من أولئك الفنانين الكوميديين الذين يحاولون إضحاك الناس بطرق خائبة من قبيل وضع قشرة موز في الطريق ثم الضحك على من يسقط على قفاه بسببها.
الذين عارضوا مجيء«ديودوني»إلى المغرب بدعوى أنه يدعو إلى الكراهية وأنه جريء أكثر من اللازم،هم أنفسهم الذين دافعوا ملء حناجرهم عن المجلة الاستفزازية الفرنسية «شارلي إيبدو» وهي تسخر من مقدسات المسلمين وغيرهم، بل إن عددا من معارضي «ديودوني» خرجوا إلى الشارع يحملون لافتات عليها عبارة «أنا شارْلي»، رغم أن تلك المجلة تنشر الكراهية والحقد بشكل واضح ومباشر، بينما «دْيودوني» يُضحك الناس بشكل راق.
إذن، الحرية التي يجب أن تعطى لمجلة «شارلي إيبدو» في مهاجمة الأديان والسخرية من الرموز الدينية لا ينبغي أن تـُمنح لكوميدي مثل «ديودوني» الذي لا يقترب من الأديان ورموزها بقدرما يركز كثيرا على السياسة والتناقضات التاريخية والأكاذيب الفاقعة.واضح، إذن،أن الحرية لا يجب أن يتنفسها الجميع، بل يجب أن تعطى للبعض ويحرم منها الآخرون.. إنها مثل أية بضاعة خاضعة لمنطق الزبونية والاحتكار والعرض والطلب.
هذه الأيام عاد النفاق ليتربع من جديد على عرش النقاش في بلد المتناقضات، الذي هو المغرب.. الذين يكرهون الفنان ديودوني لأنه،كما يقولون،معاد للسامية،هم أنفسهم الذين دافعوا بشراسة عن المخرج المومس،عفوا عن المخرج السينمائي نبيل عيوش، المتخصص في إنتاج الأفلام البورنوغرافية، والتي يجعل موضوعها المغرب والمغاربة باستمرار.
ديودوني ممنوع من تقديم عروضه في المغرب لذلك صفق الحداثيون المنافقون لهذا القرار، وهم أنفسهم الذي يقومون اليوم بنتف شعورهم وتمزيق ملابسهم حزنا وأسى على منع عرض الفيلم التافه لنبيل عيوش في القاعات السينمائية المغربية.
الفنان ديودوني يتحدث في عروضه عن أشياء إنسانية غاية في الأهمية، صحيح أن هناك أشياء يمكن للبعض أن يناقشها معه، لكنه فنان يستمد عروضه من صلب النفاق الاجتماعي ويـَنفـُذ إلى عمق اللوبيات المؤثرة في هذا العالم ويفضح وهن الأكاذيب التاريخية ويمقت العنصرية والظلم؛ ومع ذلك فإنه غير مرغوب فيه.
عيوش لا يعرف غير سينما الألفاظ البذيئة والجنس المباشر والعري الفاقع. وفي جميع أفلامه يمارس نظرية «سقطت الطائرة في الحديقة»، أي أنه مهما كان الموضوع الذي يعالجه، فإنه لا بد أن يجد طريقا لإقحام البذاءة والابتذال والجنس. إنه مخرج مستفز لأنه ليس فنانا ولا يعرف السينما الحقيقية؛ ففي أحد أفلامه حول الإرهاب أقحم كل أنواع الكلمات البذيئة ولقطات جنسية شاذة، رغم أنه كان يمكن أن يوصلها إلى المشاهد بطريقة سهلة. إنه لا يفرق بين الماخور وبين السينما، ولا بين المرحاض وقاعة العرض. ومع ذلك، فإن هذا الشخص يجد له أنصارا كثيرين بين دعاة الحداثة الزائفة والمريضة.
في فيلم أمريكي شهير حول داء«السيدا»، رأى الناس كل شيء، المرض والبؤس والخوف والهلع والموت، إلا البذاءة لم يروها. حدث هذا في«هوليود»،قلعة السينما في العالم، بينما عيوش يعرّي نساء بلاده ويسوّق المغرب كقلعة للدعارة، وفوق ذلك يحصل على الملايير من المال العام لإنتاج أفلامه، واسألوا فيصل العرايشي عن تلك الملايير، وتلك حكاية أخرى سنعود إليها قريبا.



ساحة النقاش