<!--
<!--<!--<!--
فلاش بريس = إيمان ملال
أعطني الصوت وغنِّ
قديما حين كانت تتم خطبة الفتاة من منزلها، وينتظر الأهل منها جوابا بالقبول، كانت تلزم الصمت حياء. يمكننا الآن، بعد أن تغير كل شيء، أن نتخيل عدد الفتيات اللواتي ذهبن ضحية لهذه القاعدة المبتدعة: «الصمت علامة الرضا».
أحيانا نصمت حين تكون الكلمات غير كافية للتعبير عما نريده بدقة تامة، أو حين تكون الأجوبة كلها غير صالحة لمواقف بعينها. نصمت في الغالب لأننا نعرف أن أي شيء سوف نقوله لن يكون له أي معنى، الصمت هنا إذن رفض.. أو نوع من المقاومة التي لا يعرف معناها إلا من جرب كل الأسلحة حتى ضعفت قواه وسقطَ أرضا كمحارب يحق له أن ينعم بلحظات هدوء وسكينة بعد إعصار الحرب الدامية.
لكن أصواتنا لها استعمالات أخرى عدا أن نجيب بها على الأسئلة، كأن نشارك بها مثلا في برامج المواهب الغنائية الشهيرة، وإذا كانت جميلة كصفير البلبل، وأضفنا إليها بعض التصنع أمام الكاميرا فقد نضاعف حظوظنا في الفوز بألقاب تختصر علينا مسافات طويلة نحوَ الشهرة. أما إذا لم تكن مثيرة، وكانت تشبه نعيق الغراب مثلا، فإنه من الأفضل أن نبحث لأنفسنا عن هواية أخرى. وبانتظار ذلك، لا يجب أن نفقد الأمل إطلاقا، لأن أصواتنا جميعا لديها أهمية بالغة لدى السياسيين، تلك الكائنات اللطيفة جدا والتي لا تحتاج سماع صوتنا كي تقبلَ بنا، لا ذلك الصوت المرفق بالمعزوفات الموسيقية ولا المرفق بلافتات المطالب الحقوقية، فهي تحبه حبا لامشروطا كحبها لمصالحنا المشتركة، ولم ترد يوما أصواتنا خائبة رغم بشاعتها كما ترد تلك البرامج الغنائية الخاسرين لبيوتهم. على العكس تماما، إنها تبحث عن عناويننا وتسهر على توصلنا بدعوات لكي نقدم لها أصواتنا الشجية.
قد تكون هذه هي الحالة الوحيدة التي لا يبرر فيها الصمت، ولا يعتبر علامة من علامات الرضا.. وعلى عكس الفتاة التي لم يمنح لها الوقت الكافي لكي تعبر عن رأيها، نحن لدينا كل الوقت كي نعبر عن آرائنا، وفي الغالب يكون هناك وقت إضافي كي نخرج عن صمتنا. فحتى لو لم تكن تملك فكرة عن الأغنية ولا عن اللحن أو الكلمات، يجب أن تغني وحسب.. أي شيء سيكون مفيدا جدا حتى ولو غنيت كل الأغاني دفعة واحدة، وخلطت كلاسيكيات روسية معَ «راب» مغربي بألحان فرنسية رومانسية وَكلمات إيطالية، لا مشكلة على الإطلاق.. سيتم إلغاء صوتك من المسابقة فقط، ولن يتم اعتبار وجودك إطلاقا.. وحدهم من يعرفون كيف يختارون أغنية واحدة، ولو بطريقة عشوائية، يتم احتسابهم.
الصمت علامة الرفض الأنيق لشروط أهل العريس، ولشروط المسابقة الوحيدة التي يتم فيها الاهتمام بأصواتنا. أولئك الفائزون بالغناء تطير بهم أصواتهم لعوالم الرفاهية، أما نحن المصابون بآلام الحنجرة المزمنة، فيطير السياسيون بأصواتنا. المهم هو أن تعطي الصوت، ثم إن شئت فغنِّ.
فلاش بريس = إيمان ملال
كل الطرق تؤدي إلى الأمل
إنهم يبيعون أنفسهم في المزادات العلنية، ينتظرون القادم بأفضل العروض، ولكن البيع لا يتم على أساس من يستحق البضاعة، بل على أساس من هو مستعد للدفع أكثر. لذلك غالباً ما تحرم المزادات أولئك الذين يعرفون قيمة الأشياء من الحصول عليها، ذلك ما يحدث مع البشر. قد تجد لنفسك تجارة أكثر ربحاً، كأن تصنع آلة للزمن لتهرب بها نحو أزمنة غير هذه الأزمنة، وأمكنة غير هذه الأمكنة. لا تفهم لغات النفاق وفنون الأكاذيب المنمقة، تحاول فك رموز السومرية، كما تُدهشك طريقة رسم كلمات «الكانجي» الصينية المُستوحاة من الطبيعة، والتي استطاعت تجاوز البساطة الأولى للإنسان الحجري نحو تعقيدات الأسواق المالية الكبرى، لا يغريك الصخب في مهرجاناتهم الفنية ما دامت في أدراج مكتبك أقراص «غرامافون» قديمة تشغلها في أي وقت وتستمتع بصوت الإبرة وهي ترسم عليها دوائر عنيفة كما كانت الحياة تنحُت من قلبك تماثيلَ ذكرى للعابرين.
تتساءل أثناء تقليبك لصفحات القرن الأول بعد بياتريس: ترى «هل هذا عصر يصح فيه المجيء إلى العالم؟». تبتلعك رواية أخرى من غرفتك نحوَ نهاية الحرب الثانية ثم تنتشلك من بين الجثث في ألمانيا النازية. لم تعد تحتاج البحث كل صباح في عناوين المجلات العلمية عن جديد نظرية «الكوانتم» لتؤكد إمكانية السفر عبر الزمن فقد أصبحت لديك طقوسك الخاصة التي تنقلك بإشارة واحدة. ربما تعشق التفكير كما تعشق لعبَ الشطرنج بمُفردات اللغة ومُعادلات الرياضيات المعاصرة.. آه، تلك الموسيقى الصامتة! لا تحتاج بيادق وأحصنة وملوكاً كي تخوض معاركك الضارية، تجعل من حياتك لعبة شطرنج سخيفة و لا محدودة الوقت بمعايير الإدراك البشرية.
الملك محاصر في مكانه، البيادق ماتت جميعها، والقلعة لم يعد لها من حامٍ. كيف سينجو الملك من ورطة الزمن؟ العدو أمامك يُشهر السلاح النووي في وجهك. سيقضي عليك ويدخل القلعة ويبني بمقولات الاستشراق الحضارة الجديدة. يُتعبك التفكير في استراتيجيات الحروب النابليونية، تختار أن تحطم رقعة الشطرنج وتوقف عقارب الساعة وتنهي اللعبة ثم تخلد للنوم على سرير العدم، وأنت تغني: «نيرونُ مات ولم يمتِ الأمل»، لأن روما كانت هي الأمل، و كل الطرق تؤدي إليه.
لم توجد المشاكل إلا لتُحل. تحفظ هذه العبارة من محادثات ليلية كثيرة، ورغم أنها قد توقفت فإن للمعاني عُمراً أطول من عُمر الحماقة البشرية.
ما بين الحركتين الأولى والأخيرة في هذه الأوركسترا اللغوية، تدفع بك الغريزة نحو الأمل المجنون في الغد وحيداً بعدَ أصدقائك المصروعين دفاعاً عن الإيديولوجيا البائدة، تطفئ ضوء المكتبة وتوقف جهاز «الغرامافون» ثم تستحيلُ الحياة أملاً ينتظرك كل مساء في شوارع العواصم العائمة في مُحيطاتها. لم يكن الذكاء البشري يوماً رمزاً للشرف، ولا هذا الزمن العليل الذي نقيس به أعمارنا، وحدهما الفن والعاطفة صنعا هذه الحضارة كلها، وها هما العقل والحماقة الآن يدمرانها.
فلاش بريس = إيمان ملال
ذلك الصبر المفقود
لا يمكن أن نستمع لأغنيات أم كلثوم أو سمفونيات بيتهوفن و شوبان،دون أن نشعر بقيمة صادمة للوقت.فمعظم تلك المقطوعات طويلة جدا، وهي مدة تعني في عرفنا أبناء هذا القرن حياة أو موتا، تعني أخبارا وأحداثا جديدة يطويها النسيان بعد دقائق فقط من التفاعل معها. لهذا فإن كل صناع الموسيقى المعاصرين يعلمون أن أي مقطع يتجاوز الدقائق العشر هو مقطع محكوم عليه بالفشل،إلا إذا كان استثنائيا جدا سواء من ناحية الذوق الرفيع، أو من ناحية التفاهة التي تجعل صاحبها يغني أي شيء كي ينحط لمستوى الجمهور الواسع الذي يبتلع بدوره كل شيء.
تجارة الوقت تلعب دورها هنا، فالوقت هو المال كما قال بنجامان فرانكلين في نصيحته لتاجر شاب. ولذلك نستغرب من تلك الجماهير التي كانت تتابع عروض فناني القرون الماضية لساعات ولم نشاهد يوما أحدهم يجمع أشياءه ويرحل بعيدا. تزداد الدهشة كلما تذكرنا أنه لم تكن لديهم هواتف ذكية يغرقون من خلالها في تصفح رسائلهم الإلكترونية وتحديثات الأصدقاء على مواقع التواصل إلى حين انتهائها كما يفعل الحضور في أيامنا.. قد تجد نفسك وسط ألف شخص عشرة منهم فقط حاضرون بالروح والجسد.
رغم كل ذلك تبقى تلك المقاطع الطويلة مهربا من عصر السرعة نحو عصر البطء والأناقة والأذواق الرفيعة، وعصر التسكع تحت طواحين الهواء دون مبالاة بالدقائق التي تمضي ببطء شديد هي الأخرى، لأن الساعة الوحيدة التي كانت موجودة آنذاك هي شروق الشمس وغروبها. حتى الكاميرات لم تكن تنقل الألوان اللامعة، ومع ذلك فإن أي فيلم بالأبيض والأسود يحمل في مشاهده إغراء لا مثيل له. وكل هذا معناه أن نظرية الألوان الجذابة في تقنيات التسويق الحديثة واستراتيجيات التلاعب بالأضواء لجذب انتباه المستهلكين،مجرد خرافة تسقط عند مشاهدة أول إعلان يعود لخمسينيات أو سبعينيات القرن الماضي، مقارنة مع المبيعات التي كان يحققها.
في ذلك الوقت كان التسكع شكلا من أشكال الترف وأسلوبا بوهيميا في الحياة يعني أن المتسكع لا يأبه لجريان الزمن إطلاقا، إلى أن أصبح الآن يدعى بطالة وفراغا منبوذا. حتى إن المتسكعين طوروا أساليب حياتهم، ولم يعودوا أولئك الذين وصفهم ميلان كانديرا بـ «أبطال الأغاني الشعبية الكسالى، المتشردون الذين يتسكعون من طاحونة إلى أخرى وينامون تحت أجمل نجمة»، بل أصبحوا يحملون إما هواتفهم الذكية أو أسلحتهم البيضاء ويتسكعون من مقهى لآخر ومن سوق لأخرى، بحثا عن ضحية وسط الحشود التي تحمل ثروات مؤقتة تسمح لهم بشراء بعض الممنوعات لأجل تناسي واقعهم المفرغ من كل معنى.
في زمن يخلو من كل مظاهر الصبر وحسن الذوق، فإن أي شخص بإمكانه الاستماع إلى موسيقى تعود لزمن الأبيض والأسود، دون أن يقطعها لحظة واحدة، هو حالة استثنائية جدا في عصر السرعة.
فلاش بريس = إيمان ملال
جمعيات للدفاع عن اللغة
إن أهم مشكلات هذا القرن ليست هي مشكلة الحرب والإرهاب في الغرب والشرق الأوسط، وليست مشكلة الجوع وسوء التغذية في إفريقيا الجنوبية، ليست حتى مشكلة مرتبطة بالفساد والعنصرية والظلم في كل مجتمع، إنها ببساطة سوء توظيف المفاهيم.
في لغتنا اليومية، المكتوبة والمقروءة والمسموعة، هناك أخطاء فادحة ترتكب على مستوى اختيار المفاهيم المناسبة للتعبير عما نريد قوله، وقد لا يهتم أحد لسوء التوظيف لأن بعض المفردات تبدو متشابهة وذات معنى واحد، ولكنها في الحقيقة تقف وراء كل تلك الصراعات التي يعاني منها العالم الآن.
عندما سئل حكيم عن أول شيء سيفعله إذا أتيحت له فرصة أن يحكم العالم، لم يتحدث عن السلطة ولا عن المال، لم يفكر في القيام بإصلاحات مجتمعية وأخلاقية ودينية، ولم يقدم لائحة مشاريع ووعود انتخابية كتلك التي نسمع عنها فقط دون أن نراها تتحقق، لقد قال في عبارة موجزة: «سأقوم بتحديد معاني الكلمات».
مؤخرا، وفي أسبوع واحد تم استعمال كلمة بسيطة مثل كلمة «قاتل» في أكثر من مناسبة وفي كل مرة تحت لفظ مختلف. حين يكون القاتل من أصول عربية أو مسلمة فإنه يسمى إرهابيا إسلامياً أو جهادياً، وحين يكون مواطنا غربياً فإنه إما يسمى مختلا عقلياً أو مقاوماً. وهذه النعوت نراها يومياً في أشرطة إخبارية وفي عناوين جرائد ومجلات عالمية، ليس هذا فقط، بل إن انتشار استعمالها في سياق معين يصل إلى حد أن الأفراد يتعودون على استعمال تلك المفاهيم في سياقات أخرى ظنا منهم أن المعنى لن يتغير. وهنا أقول مع سارتر إن الكلمات مسدسات محشوة، لذلك فإن التعامل مع اللغة يجب أن يتم بحذر القناص الذي يحمل سلاحاً إن أطلق منه رصاصة لن تعود الرصاصة و آثارها قد تكون مدمرة.
أصبحنا نرى أشخاصاً يدعون التطوع لأجل إصلاح المجتمع، ولكن ما إن يبدأ أحدهم في نقاش المفاهيم التي يستعملونها، حتى يتم تصنيفه في خانة الأعداء، وتصفيته بشكل نهائي، عن طريق القمع، تكريساً لمبدأ الثنائية التي تقول: إما أن تكون معي أو أنك ضدي. لا توجد منطقة وسطى للحوار، إما أن تقبل كل ما يقوله أحد الأئمة أو أنك عدو للإسلام! إما أن تصفق لكل من يستعمل كلمات رنانة عن الوطنية وإلا فأنت خائن! و هنا نرى أن مفاهيم كالدين والوطن أصبحت درعاً واقياً يلبسه كل من أراد تدجين المجتمع وخدمة مصلحته عن طريق تصنيف المخالف عدوا، بدل أن يعتبر كآخر واعٍ يجب مناقشته للوصول إلى نقاط التفاهم.
إن اللغة أيضاً، كالإنسان، أصبحت تحتاج جمعيات تدافع عنها ضد التوظيف التعسفي لمفاهيمها المعقدة وضد تبسيطها لدرجة تفقدها عمقها. كما أن محاكمة الذين ينتهكون أعراض الكلمات سوف تكون خطوة ذكية لحل جميع مشاكلنا.
فلاش بريس = إيمان ملال
كبرياء وهوى
ربما لم أعرف كيف أكون وفيّة للحضور، لكنّني في الغياب أكثر وفاءً، وهذا يُشعرني بأنني أسيرة لشيء ما أجهله. لقد اعتقدت لزمن طويل أن نصفَ الحُضور كان قفصاً بنيتهُ بأحلامي الطّوباوية، ومن ثمّ كان السّبيل الوحيد للحرّية هو أن أكسر قُضبان القفص بنفس الطريقة التي بنيتها بها، وأقلّد الطيور في رحلتها الطويلة تارة نحوَ الشّمال، وتارة نحوَ الجنوب، إلى أن فقدت الإحساس بالأمكنة وبالأزمنة.
أما الآن فقد أصبحتُ أتفنن في الوفاء أكثر مما كنتُ أتفنن في أشياء أخرى أملتها علي طبيعتي المتغيّرة كمُنحنيات التيار الكهربائي. لا أعرف أي طريق أسلكه الآن لكنني أركض، والنفق المظلم طويل جداً، ومع كل التفاتة خافتة إلى تلك الأزمنة الغابرة، أمحو جزءاً من الذاكرة وأواصل السير بلا خارطة ولا بوصلة.
مع مرور الزمن، تكونت لدي قائمة لغوية بالكلمات والعبارات التي لا يجب أن أستعملها معَ أي كان، وكأنها أصبحت حصرية جداً، وكل استعمال تعسّفي لها في أحد النصوص أو المحادثات، يعتبر جريمة خيانة تعادل خيانة الوطن، كما أن لكل منا وطنه المجازي الذي يسكن بداخله ويأبى إلا أن يموت معه.
لا أحفظ تعاويذ المساء. لستُ ساحرةً تُمارس هواية طردِ الأشباح على أصوات طرقِ الحدِيد وقرع الطبول. أنا أطبخ نصوصاً كل ليلة على شرف الأحلام المصلوبة، وأدعو إليها كائناتِ الليل لنتلو بعض الآيات المقدسة على أرواح الغرباء والعابرين، ضحايا الانتظار، وضحايا اللغة المريضة التي لم تعد تقوى على حملِ معانيها كي تحمل معانينا نحن.. تلك اللغة التي برغم ضعفها لا نزال نستعملها دون أن نفهم أن الصمت أكثر بلاغة منها. ولعل أي محاولة للعودة إلى زمن ما قبل اللغة، ستكون مخاطرة لا جدوى منها، ولكنها على الأقل ستكلفنا عناء الشرح والتفسير حين تكون نظرة واحدةٌ كافية لحل كل المشاكل، وحين تكون صلاةٌ واحدة قادرة على فتح أبواب أغلقها الخبث البشري وحده.
لم أكن أعرف كيف أصب على قلبي سائل الشمع المُذاب كي يُصبح قطعةً باردة لا تقوى على الشعور، وربما فاجأني كونه أصبح أكثر صلابة من الشمع، حين فهمت أن الشعور ليس مصدره القلب، بل مصدره شيء آخر يحدث على مستوى الدماغ، وحين عجزت عن إدراك مفهوم النسيان، وأصبح التاريخ بالنسبة لي نقطة من الزمن ابتدأت في زمن ليس بالبعيد جداً، وستمتد بامتداد عُمري الذي لا أملك أدنى فكرة عنه، ليس مرجعها ميلادياً ولا هجرياً ولا أمازيغياً، وكل ما قبلها التهمته نيران الضياع نفسها التي التهمت كتباً ومخطوطات تاريخية كانت لتوفر علينا الآن عناء صراعات وحروبٍ باسم الحق في البقاء.
لا يمكن أن نعيش أبداً تحت شعار التنكّر لذواتنا دون أن نتحول من ضحية إلى قاتل، ولعل ما يبدو لنا تحطيماً لذلك الكبرياء الشخصي، ما هوَ إلا مشهد مُرعب للكبرياء وهو يدمّرنا.
فلاش بريس = إيمان ملال
زفرة الزمن الأخيرة ![]()
أيا كانت السنة التي ولدنا فيها، فإننا نتمنى لو أننا ولدنا متأخرين بأقصى ما يمكن، كي نشهد المزيد من أحداث المستقبل الذي يبدو بعيدا جدا. يمكن تفسير هذا بالرغبة الدفينة في الخلود، إذ أنه يصعب على أي إنسان أن يتقبل فكرة الموت تاركا وراءه فصولا لم تنته وآفاقا لم يصل إليها العقل البشري بعد. إن كل جيل يملك إحساسا داخليا بأنه نهاية التاريخ، وبأن الزمن سيتوقف نهائيا معه، لكن التاريخ الموضوعي لا زال يؤكد أن كل الأجيال كانت ضحية لهذا الوهم الكبير.
ربما كان الدمار الذي سببته الحرب العالمية الثانية كفيلا بجعل معاصريها يعتقدون بأن الزمن سيتوقف عند تلك اللحظة بالتحديد، إذ كان يصعب على الإنسان البسيط أن يفهم كيف يمكن لأوربا أن تنهض من تحت الرماد وتقف من جديد على قدميها بعد كل ما حدث. وحتى حين حصل ذلك التغيير، فإنه لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل تطلب تراكمات وإصلاحات تدريجية جعلت الطفرة الأوربية ممكنة بعد أن كانت ضربا من ضروب المستحيل.
من كان يتصور أن غابات كثيفة عمرتها الدينصورات لزمن طويل، ستتحول إلى خريطة مدن وعواصم تملؤها ناطحات السحاب وتربط بينها طرقٌ سيارة ومسارات جوية، مشكلة بذلك قارات متصلة في ما بينها بشبكة عنكبوتية تمكن إنسانا من شرق آسيا من تلقي رسائل من نظيره في غرب أمريكا خلال جزء من الثانية؟ إن مشهدا كهذا كان قبل عشرات السنوات حلما أسطوريا وحسب.
عشنا قبل أيام ذكرى سقوط الأندلس، وككل عام نؤثث مشهد الرثاء بموشحات أندلسية ونستحضر أمجادنا الضائعة، رغم أن رثاءنا لم يزحزح صخرة «سوسبيرو ديل مورو» أو «زَفرة العربي الأخيرة» من مكانها على جبل الثلج بإسبانيا، تلك الصخرة التي وضعها الإسبان شاهدا على هزيمة آخر ملوك الأندلس الذي وقف عند التلة يبكي سقوط غرناطة، لتقاطعه أمه بعبارتها التي أوقفت سيرورة الزمن: «ابك مثل النساء ملكا لم تحافظ عليه مثل الرجال». وما كان ملوك الأندلس الذين تعاقبوا على الحكم لأزيد من ثمانمائة عام قادرين على توقع تلك الهزيمة الشنعاء، بل ربما أوهمتهم القصور والثروات والسلطة بالخلود في ذاكرة المكان والزمان، في حين كان ذلك المجد بداية النكسة التي تنمو كل يوم.
إن الزمن يغير كل شيء، وما لا يغيره يمهله لزمن آخر، وكأن كل شيء انعكاس على مرايا هذا المفهوم الذي ليس سوى مقدار تغير الأحداث في الكون.
ما أحوجنا لصخور أخرى شاهدة على نكساتنا المتكررة، هنا وفي كل مكان، لأننا منذ النكبة الأندلسية لا نجيد سوى البكاء كما تبكي النساء، فإن زفرة واحدة لا تكفينا، وما دمنا أوفياء للزمن المفقود أكثر من وفائنا للزمن الحاضر، فإن زفرة الزمن الأخيرة قد توقظنا.
فلاش بريس = إيمان ملال
متلازمة فقدان الثقة المكتسبة
داء فقدان الثقة المكتسبة عبارة عن عدوى فيروسية تسبب التدمير الكلي للخلايا المسؤولة عن الثقة لدى الإنسان. وقد لا يوجد وصف لمرض مشابه في موسوعات الطب البشري، بالرغم من أنه معدٍ جداً وله أعراض توازي أعراض متلازمة فقدان المناعة المكتسبة في خطورتها ونتائجها القاتلة.
ومن أهم أعراض هذا المرض فقدان شهية الكلام واعتبار التواصل مع الآخرين مجرد بروتوكول يومي مقلق لا بد منه. كما يرافقه ارتفاع في درجة توخي الحذر من كل الغرباء الذين يحاولون دخول دائرة الأمان الخاصة بالمصاب.
أسباب المرض المشتركة بين كل المصابين، هي الافراط في الثقة دون التفكير في العواقب، وفي إمكانيات حدوث مفاجآت سيئة مع مرور الزمن، إضافة إلى الدخول في علاقات تواصل لغوية دون استعمال عازل روحي للقلب والعقل، كما أن انخفاض معدل الذكاء الاجتماعي عامل رئيسي لذلك. هذا الفيروس ينتشر في كل الأوساط، على المستوى الشخصي يصيب أولئك الذين يثقون بمن يظهرون لهم اهتماماً مبالغاً فيه، دون أن يضعوا احتمالات الخذلان نصب أعينهم، كما يصيب من يفرطون في الثقة بأنفسهم دون أن يكلفوها عناء العمل لنيل مرادها، وهؤلاء بضاعتهم الأمل الزائف الذي يختفي عند أول ضربة تأتي من الخارج. أما على المستوى السياسي فيصيب المواطنين الذين يثقون ثقة زائدةً وغير مبررة بالمرشحين في الانتخابات مثلاً، دون أن يفكروا في أن الدعايات والبرامج الانتخابية كلها قد تكون مجرد وعود زائفة تستَحيل عدماً حين توضع على محك الواقع، وكلما ارتفعت نسبة الثقة المبذولة ارتفعت معها حدة الإصابة وزاد الخطر على المجتمعات والأفراد.
أغلبهم يعانون منه في صمت وقد لا يطيلون الوقوف عنده طويلاً، فيكررون محاولة اكتساب الثقة من جديد دون أن يتعلموا من التجربة، كما أن هناك من يتطور هذا الفيروس بداخلهم لدرجة أنه يتحول إلى جهاز مناعة مكتسبة تحاول حمايتهم من كل ما قد يصيبهم في المستقبل القريب، إذ يتخذونه كأحد الميكانيزمات الدفاعية الانهزامية.. وعندها يتحولون إلى كائنات عدوانية غريبة الأطوار لا يمكنك أن تقنعها بأنك تريد لها الخير، لأنها غارقة في الاعتقاد القائل بأنك مجرد وحش يحاول التربص بفريسته.
تاريخياً، كل حكايات الخيانة جاءت من حكايات الثقة المفرطة التي يكون مصدرها الغباء دائماً، إذ أنك لا تصاب بالأذى إلا من الأشخاص الذين تعتقد في لحظات متوالية أنهم الأفضل على الإطلاق، سواء كانوا متمثلين فيك أنت، في صديق أو حتى في رجل سياسة يعتمد أساليب استثارة العاطفة كي يكسب ثقة الجمهور.
لو كنا نحتفظ بالثقة لأنفسنا ولا نبذلها إلا في سبيل من يستحقونها، لوفرنا على أنفسنا الكثير من الهزائم، فلا نحن لعبة نتسلى بتقديمها للآخرين كي يمضوا بها أوقات فراغهم، ولا الوطن قربانٌ نقدمه في كل مرة لسياسي فاسد.



ساحة النقاش