<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
فلاش بريس= رشيد نيني
فساد «العمران»
يقول ابن خلدون،مؤسس علم الاجتماع ومنظر «العمران» في مقدمته «وأعظم من ذلك في الظلم وإفساد العمران والدولة التسلط على أموال الناس بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان على وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع».
ويفرد ابن خلدون في مقدمته مجالا واسعا للحديث عن «العمران»، بوصفه رديفا للحضارة، كما يصف بدقة كيف أن «العمران» يفسده الظلم، الذي يمكن أن يأخذ وجوها متعددة، منها النصب والاحتيال، والابتزاز والرشوة وما شابه ذلك من ضروب الفساد.
عندما تم إخراج مؤسسة«العمران»إلى الوجود تم استلهام هذه الروح التي تعي جيدا الفرق بين البناء والتشييد وبين «العمران» كحضارة.لكن هذه الروح انقرضت عندما تحولت المؤسسة إلى أداة لصناعة ثروة البعض،عبر إنتاج أقفاص لسجن الناس عوض بيوت لإنتاج الحضارة المبنية على التساكن.
والحقيقة أنه ليست شركة «CGI» فرع مؤسسة صندوق الإيداع والتدبير وحدها من عانت من فضائح واختلالات على مستوى المشاريع العقارية الموجهة للمواطنين، بل هناك مؤسسات عمومية أخرى تعيش الفساد نفسه، غير أن المناسبة لم تحصل لكي يتمكن مواطن متضرر من إيصال فضائح هذه الشركات إلى الدوائر العليا كما حدث مع مشروع «باديس» بمدينة الحسيمة.
إحدى هذه المؤسسات هي «العمران»، والتي حولها بعض المسؤولين المرتشين والفاسدين إلى أداة للتربح غير المشروع، فتحول مجرد موظفين بسطاء إلى سماسرة أثرياء يبيعون ويشترون في الشقق الموجهة أساسا إلى الطبقات المتوسطة، متسببين في رفع أسعار الشقق.
لكن الفضيحة الكبرى هي عندما تتورط المؤسسة في تقديم مشروع بمعطيات مغلوطة للملك من أجل تدشينه. وهذا ما حدث بالضبط مع مشروع «الجبل» الذي يندرج في إطار التهيئة الحضرية للمضيق ويكتسي طابعا استراتيجيا لمجموعة «العمران» وقد تم تقديمه للملك في غشت 2006.ومنذ ذلك الوقت عرف المشروع تعثرات وتأخيرا كبيرا دفع «العمران»، خصوصا، مديرية التدقيق لمجموعة التهيئة «العمران»، إلى تقييم لمشروع «الجبل» بالمضيق بناء على مجموعة من التقارير التي أنجزها مكتب «KPMG» حول تأخر إنجاز المشروع. وبالفعل انطلقت مهمة التدقيق بتاريخ 8 شتنبر 2014، وأشار المدير العام لشركة «البوغاز» في أول اجتماع إلى استقالة غالبية مسيري هذا المشروع، وطبعا لم نسمع عن فتح أي تحقيق أو متابعة قانونية في الموضوع.
أهمية المشروع الذي قدم للملك توجد في مساحته، فالمشروع يقوم على مساحة تقدر بـ 25 هكتارا وتكلفته 450 مليون درهم تشترك فيه «العمران» مع «CGI» الذراع العقاري لصندوق الإيداع والتدبير، ويتعلق بـ 86 فيلا، 890 وحدة سكنية و6 مرافق عمومية، وهو مشروع بشراكة مع الشركة العامة العقارية تمت إقامته فوق قطعة أرضية هي ملك خاص للدولة تم تفويتها بمائة درهم للمتر المربع بتكلفة 32 مليون درهم، وهذه إشارة مهمة يجب أن يلتقطها القضاء في ملف العلمي وغنام ومن معهما، لأن اختلالات الفرع العقاري للصندوق لا توجد فقط في «باديس» بل في المضيق أيضا.
ومن خلال تقرير المحاسبة الذي أنجزه مكتب متخصص يمكن الوقوف على أشياء في غاية الخطورة.
فقد تم تقديم المشروع للملك في غشت 2006 في حين لم يكن فيه المركز الجهوي للاستثمار قد قدم بعد موافقته على تفويت الأرض، ولم يفعل ذلك إلا في شتنبر 2009، وتم توقيع محضر تحديد الثمن من طرف لجنة الخبرة في يونيو 2010، وتوقيع عقد التفويت في نونبر 2010.
أما اتفاقية الشراكة مع الشركة العامة العقارية «CGI» فلم يتم توقيعها إلا في يوليوز 2007، في غياب للمنافسة وبامتيازات لصالح «CGI» بإطار قانوني هش لم يتم فيه تحديد ثمن البيع ولا آجال التنفيذ.
وتدين «CGI» لشركة «العمران» بأكثر من 58 مليون درهم. وقد حصلت «CGI» على أثمنة تعادل ثمن التكلفة بالنسبة للقطع الأرضية المخصصة للفيلات الراقية بـ 975 درهما للمتر المربع، في حين أن ثمن السوق يتراوح ما بين 13 ألفا و17 ألف درهم للمتر المربع المبني.
وهذا طبعا يتعارض مع غرض شركة مجموعة «العمران» ويعتبر إهدارا للمال العام.
والأخطر من كل ذلك هو عدم تطابق البيانات المقدمة في التدشين الملكي مع دفتر التحملات وعقد تفويت القطعة الأرضية.
فهامش الربح مثلا ضعيف جدا إذ يقدر بـ 3 في المائة رغم الموقع الاستراتيجي للمشروع، في حين كان من المفروض أن يصل إلى 10في المائة.
أما مدير وكالة المضيق فقد وقع التزاما بتهيئة الفضاءات الخضراء دون توفره على التفويض بالإمضاء.
وهكذا انطلقت الأشغال بالمشروع قبل تصفية وضعية الوعاء العقاري للمشروع الذي لازال محتلا جزئيا من طرف مكتريين.
كما قامت شركة «البوغاز» بالإعلان عن طلب العروض المتعلق بالتجهيز في 2004، في حين أن التأشير والمصادقة على صفقة المشروع وتصميم التجزئة لم يتما إلا في 2009، أي قبل الحصول على الرخصة التي سلمت بتاريخ 29 دجنبر 2009.
أما في مجال اختلالات الصفقات المرتبطة بهذا المشروع، فقد أشار التقرير إلى ثلاث صفقات عرفت زيادة وتقليصا لحجم الأشغال، حيث ارتفعت أو انخفضت كلفة الأشغال بأكثر مما هو منصوص عليه في دفتر الشروط الإدارية العامة المطبقة على صفقات الأشغال المنجزة لحساب الدولة، والتي تقتضي في مثل هذه الحالات، فسخ العقدة وإعادة طلبات العروض. ولكي نقرب الصورة للقارئ نعطي مثالا:
لقد مر حجم الأشغال المتعلقة بالحفر من 24000 متر مكعب إلى أكثر من 77064 مترا مكعبا، مما كلف زيادة تقدر بـ 1432752 درهما ومر حجم الأشغال المتعلقة بالردم من 200 متر مكعب إلى 39328 مترا مكعبا أي زيادة 3130260 درهما.
كما أن هذه الزيادات والانخفاضات لم يتم إصدار أوامر بالخدمة في شأنها أو مذكرة تفسيرية وقد تم الاستلام النهائي لبعض هذه الصفقات.
وقد نتج عن ذلك عدم احترام وسوء تدبير الآجال المحددة في الصفقات وعدم تسطير أي برنامج عمل لتدبير وتحديد المسؤولية في هذه الاختلالات، بالرغم من الإشارة إليه في تقارير التتبع الخاصة بالمشاريع المقدمة للملك والمحالة على مجموعة التهيئة «العمران«.
كما أن أي غرامة على التأخير لم يتم تطبيقها. لماذا؟ هذا هو السؤال.
وبالمقابل تم تجزيء أشغال التهيئة الخارجية التي فاقت 3 ملايين درهم على شكل سندات الطلب بدل الإعلان عن طلب عروض لصفقة واحدة، وقد علل مسيرو المشروع ذلك بأوامر عامل عمالة تطوان الذي أعطى تعليماته بذلك بمناسبة الزيارة الملكية في سنة 2009.
أما الشق الاجتماعي من المشروع فلم يتم إنجازه، وهو الشق الذي تم تقديمه للملك، كما أن الشراكة مع الشركة العامة العقارية «CGI»، فضلا عن بعض الشركاء الآخرين، لم تحقق أهدافها.
وأكبر ضحية لهذا المشروع كانت هي الشفافية، خصوصا في ما يتعلق بالتبادل مع وكالة المساكن والتجهيزات الاجتماعية (ALEM) الذي لم تستطع مديرية التدقيق الحصول على أي وثيقة حوله.
الخلاصة هي أن فضيحة «باديس» التي عصفت بالعلمي وغنام والعديد من الموظفين والمهندسين وانتهت بهم أمام القضاء، لديها أشباه في مشاريع مؤسسات عمومية لا تسلط عليها الأضواء كما يجب. ومنها مؤسسة «العمران» التي أعطت بهذا المشروع الدليل على استهتارها بالمال العام.
إننا أمام إهدار فاضح للمال العام وبصدد تدبير فاشل لمشروع قدم للملك يعرف تأخرا وصل إلى خمس سنوات إلى حدود اليوم، مشروع تتجسد فيه كل أنواع الاختلالات في مخالفة قانون التعمير وقانون الصفقات العمومية، مع عدم التحكم في كلفة وآجال المشروع وعدم احترام بنود الاتفاقيات مع منح امتيازات غير مبررة للشركاء، وفوق هذا كله فإن التركيبة المالية للمشروع لم تتم مراجعتها لحدود اليوم.



ساحة النقاش