<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
فلاش بريس = عبد الباري عطوان
إعدام الطيار الأردني .. ما هي رسائل «الدولة الإسلامية» ؟
إذا صح شريط «الفيديو» الذي تناقلته مواقع محسوبة على الجهاديين الاسلاميين المتشددين على شبكة «الأنترنت» اليوم (الثلاثاء) ويظهر فيه الطيار الأردني الشاب معاذ الكساسبة وقد جرى إعدامه حرقا وهو يرتدي ملابس برتقالية (زي الإعدام) داخل قفص، فإن هذا العمل غير المسبوق، والمدان بأقوى العبارات يتنافى مع قيم الرحمة والعدالة التي تميز الإسلام عن كل الديانات الأخرى.
التلفزيون الأردني نقل عن مصادر حكومية تقول أن الطيار الكساسبة الذي جرى أسره من قبل عناصر تابعة لـ «الدولة الاسلامية» بعد إسقاط طائرته يوم 24 ديسمبر الماضي جرى إعدامه حرقا يوم الثالث من يناير الماضي أي قبل شهر تقريبا، ولا نعرف طبيعة المعلومات ومصدرها الذي استندت إليه هذه المصادر، وربما جاءت هذه الرواية الرسمية الأردنية الجديدة لتعزيز ومن ثم تفسير موقف الحكومة الذي طالب «الدولة الاسلامية» بأي دليل رسمي يؤكد استمرار الطيار الكساسبة على قيد الحياة قبل الإفراج عن السيدة ساجدة الريشاوي المعتقلة في السجون الأردنية بتهمة الاشتراك في حملة التفجيرات التي استهدفت العاصمة الأردنية عمان عام 2005، وصدر حكم بإعدامها، في إطار المفاوضات التي تمت عبر وسطاء للإفراج عن الرهينة الياباني.
عملية الإعدام الوحشية هذه للطيار الكساسبة تهدف إلى توجيه عدة رسائل، وتحقيق مجموعة من الأهداف:
• أولا: محاولة تأليب عشيرة الكساسبة والعشائر الأردنية الأخرى المتضامنة معها، والرأي العام الأردني بشكل عام ضد الحكومة، وخلق شرخ بين النظام والشعب، من خلال الإيحاء بأن المفاوض الرسمي الأردني وحكومته، لم يبذلوا الجهود الكافية للإفراج عن الطيار الأسير.
• ثانيا: إيصال رسالة شديدة اللهجة من خلال عملية الإعدام البربرية هذه إلى الدول العربية الأخرى المنخرطة في التحالف الذي تقوده أمريكا لمحاربة «الدولة الاسلامية» بأن طياريها وجنودها سيواجهون طريقة الإعدام الوحشية نفسها في حال استمروا في إطار هذا التحالف ووقع جنودها وطياروها أسرى في يد عناصرها.
• ثالثا: بات واضحا أن «الدولة الاسلامية» تميز بين الرهائن العرب ونظرائهم الأجانب في طرق الإعدام من حيث عدم الانخراط في أي مفاوضات أو المطالبة بأي فدى، للإفراج عن الرهائن العرب، وتنفيذ الإعدام فور أسرهم دون إعطاء أي مهل، على اعتبار أن هؤلاء كانوا يخوضون الحرب ضدها ويقتلون جنودها قصفا من الجو أو الأرض.
• رابعا: من الواضح أن «الدولة الاسلامية» لا يهمها الرأي العام الأردني أو العربي على سياساتها الوحشية، وطرق إعدامها للرهائن، وأن كل ما يهمها هو إرسال رسائل ترهيب وترعيب إلى الحكومات والشعوب معا للتأكيد على استراتيجيتها في هذا المضمار.
• خامسا: إذا صحت الأنباء التي تقول بأن السلطات الأردنية أعدمت السيدة ساجدة الريشاوي وزميلها الكربولي وآخرين، وهي تبدو صحيحة، فإن هذا يعني أنها قررت إعلان الحرب على «الدولة الاسلامية» على كل الجبهات والمستويات، بما في ذلك إرسال قوات خاصة لقتالها في العراق وسورية.
الأمر المؤكد أن السلطات الأردنية تجد نفسها أمام أزمة حقيقية، من جراء مشاركتها في التحالف الأمريكي ضد «الدولة الاسلامية» أولا، وفقدان طيارها بهذه الطريقة الدموية الوحشية ثانيا، فالرأي العام الأردني ينقسم حاليا إلى معسكريين أساسيين الأول يعارض بشدة انخراط الأردن في التحالف الأمريكي العربي، وسمعنا أفرادا من أسرة الطيار الكساسبة نفسها يقولون «إنها ليست حربنا»، أما المعسكر الثاني فهو يؤيد بقوة هذا الانخراط للقضاء على «الدولة الاسلامية» واجتثاثها من جذورها لأنها من وجهة نظر أعضائه ليست دولة، وليست إسلامية، ويقف بقوة في خندق الحكومة.
إرسال أبو مصعب الزرقاوي فريقا انتحاريا إلى الأردن عام 2005 لتفجير بعض الفنادق في العاصمة كان له تأثير سلبي على شعبيته وقاعدة تأييده في الأردن حيث وفر الذخيرة اللازمة للإعلام بشقيه الحكومي والخاص لحشد قطاع عريض من الشعب ضده، وحقق نجاحا في هذا الصدد، ولكن هذا لا يعني أنه فقد شعبيته كليا.
من الصعب القول بأن طريقة إعدام الطيار الكساسبة الوحشية ستؤدي إلى النتيجة نفسها، أي تأليب الرأي العام الأردني أو قطاع عريض منه ضد «الدولة الاسلامية»، لأن نسبة كبيرة من الأردنيين تعارض مشاريع التدخل الأمريكي العسكري في المنطقة بعد أن اطلعت على نتائج مثل هذا التدخل الكارثية في سورية والعراق وليبيا واليمن، ومقتل مئات الآلاف من الأبرياء بسبب ذلك، وتغول التقسيمات الطائفية بين شعوب المنطقة وتفكيك دولها على أساسها.
ربما من السابق لأوانه التسرع وإطلاق أحكام مسبقة خاصة أن عملية الإعدام الوحشية هذه فاجأتنا، لكن ما يمكن قوله أن الولايات المتحدة الأمريكية التي رصدت ثمانية مليارات ونصف المليار دولار قبل يومين للقضاء على «الدولة الاسلامية» لن تكتفي بهذه الخطوة، والخطوات الأخرى المنبثقة عنها مثل تدريب وتسليح الجيش العراقي وبعض فصائل المعارضة السورية، وربما تستغل هذا الإعدام البشع، وحالة الصدمة في أوساط للرأي العام العربي ضده، من أجل الدفع بقوات أمريكية وغربية للانخراط في حرب برية لأن القصف الجوي وحده لا يكفي.
من يقرأ أدبيات «الدولة الاسلامية» ويتابع إعلامها على وسائط التواصل الاجتماعي، ويدرك جيدا أن الحديث عن بربرية هذه الدولة ووحشيتها لا يضيرها مطلقا لأن هذا التوحش وهذه البربرية يأتيان في صلب استراتيجية الترهيب الذي تعتمده ضد أعدائها.
ختاما نتضامن كل التضامن مع أسرة الطيار الكساسبة في محنتهم هذه، نحن الذين بذلنا جهودا كبيرة لنقل رسائلهم ونداءاتهم إلى «الدولة» عبر منبرنا على أمل توخيها الرحمة والشفقة، وعدم إعدام ابنهم، وإفساح المجال للحوار والمفاوضات، ولكن لم يخطر في بالنا أن هذه النداءات ستجد آذانا إسمنتية.
نتمنى الرحمة للفقيد، ولأسرته الصبر، وللأردن السلامة.



ساحة النقاش