<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
فلاش بريس = محمد برادة
النسبية في الحرية والتطرف
لا شك أن مفهوم التطرف لم يكن معلوما في اللسان العربي بالمعنى المتداول حاليا في الإعلام، إذ أن معناه كان يفي بالقصد التالي: تطرف جانبا، ابتعد إلى الطرف، وتطرفت الغنم الوادي أي اجتمعت بجانبيه، وتطرفت الشمس أي دنت إلى الغروب، ثم انتقل من المعنى العيني ليشير إلى الانحياز لأيديولوجية أو طائفة أو دين ورفض غيره في الجوار أو التعايش معه؛ غير أن هذه الصورة باتت تلازم – بفعل اشتعال المنطقة العربية بالخصوص - الانتماء إلى الإسلام، وما يقال عن التطرف ينطبق على مفهوم الإرهاب الذي لم يكن يتجاوز معناه التخويفَ فقط أو إيهامَ الخصم بأن القوة المُعدةَ ضده لا قبل له بها، إلى القتل والتقتيل.
لكن التنزيل الحكيم يستعمل مفهومين يؤديان الغرض نفسه بدقة بالغة، أولاها كلمة «طغى» التي تضم المعاني الآتية: فاض، ارتفع، جاوز الحد، هاج، أسرف ثم غلا – مع الإشارة إلى أن الطغيان يأتي على يد من يرى نفسه استغنى- كما أن كلمة «غلا» الواردة في الآية التالية: «قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق...» (المائدة 77) تفيد النهي عن الزيادة في الدين ما ليس منه كإضفاء الألوهية على عيسى عليه السلام، وهي زيادة فاحشة وشديدة في الدين تمس الذات الإلهية، فالغلو من أعلى مراتب الطغيان، ويقابله الزوغ والزوغان كما جاء في الآية الكريمة «ما زاغ البصر وما طغى» (النجم 2) بمعنى مال، انحرف، تعب، ملّ، ضعف بصره، جار في حكمه، و أجحف في الدين أو غيره، بمعنى أضر، استأصل، جار، أهلك، قلعه من أصله، أي تشويه الصورة الصادقة له.
وعليه، تعرف مجتمعاتنا غلوا في الدين أو إجحافا له، إذ يتجلى الغلو في تحميل النصوص-بما فيها آيات التنزيل الحكيم- بما لا تطيق من التصورات، وفهمها بمنطق القرون الأولى وكأنها منتهى ما توصل إليه العقل المسلم، أما الإجحاف فيتجلى في الاستخفاف بوجدان الناس دونما اعتبار لمركزيته في حياتهم، مما يولد نوعا من الغبن في نفوس الكثيرين منهم، فيتصدى لهذا الأمر كثير ممن يجدون في نفوسهم حاجة، بينما تتهاون المؤسسات الرسمية دينية أو سياسية في «تجديد فهم» الدين حتى يتمكن الناس من استيعابه وفق التطور الاجتماعي الذي تعرفه حياتهم. وبين الغلو والإجحاف يبقى الدين معلقا ومبهما؟
إن الغلو والإجحاف مجرد ظاهرة بادية للعيان، حيث تخفي مشكلا أعمق وأخطر لمّا يجدْ له حلا يوازي التطلعات الاجتماعية، وطموحات الشباب المليء بالطاقة والنشاط إذ يتحتم عليه استفراغها وإلاّ آل إلى قنبلة موقوتة لا تعني له الحياة شيئا. هذا المشكل يكمن في التعريفات المتعددة التي تصل إلى درجة التضارب للفظة «الحرية» إنها قابلة للتمطيط والتضييق حسب الطلب، وما الطغيان إلا ثمرة سوء تقدير لمعناها أو احتكار لممارستها، فاللفظة لم ترد في التنزيل بصيغة مصدرية، وإنما وردت بتفعيلة أخرى مضافة بصيغة «تحرير رقبة»، لكن المفسرين حصروا معناها في ترغيب الناس لتحرير العبيد، أو أداء الدين عن المدينين، مع العلم أن التحرير هو مجاهدة يومية، أي سلوك فردي وجماعي للتخلص من أوهاق الهوى أي عدم الانصياع للانفعالات البهيمية برقابة أخلاقية ذاتية؛ فلم تكتمل صورة السلوك التحرري أو بقي الدال من دون مدلول يناسبه. فلاقت الدعوات الجامحة – كرد فعل متمرد - قبولا في نفوس المظلومين حيث غالوا في فهم معنى «الحرية» فانقلبت إلى فوضى، تدعو إلى امتلاك أكبر قدر من القوة لممارسة «الحرية» أو العنف، وهو نوعان: عنف منظم وممنهج وموجه تديره الأنظمة الاستعمارية - سابقا - والرأسمالية حاليا دون الأخذ في الاعتبار أن الفقراء الحاليين قد يشكلون شركاء فاعلين، يعتمد عليهم دولاب الاقتصاد العالمي إن هم تهيؤوا لذلك بمساعدتهم على تنظيم أنفسهم؛ وهناك عنف غير منظم تمارسه الجماعات التي تعتبر نفسها صاحبة رسالة أو حامية الدين غير عابئة بمراجعة الأسس الذي تبني عليها تصورها، أو الممكن المتوفر لديها لاستجلاب أكبر قدر من المنفعة بأقل قدر من الخسائر. ومَن لا يملك القوة لا يمارس الحرية؟
الحرية إذن منوطة بالفهم النسبي يتجاذبها الإفراط والتفريط: أي أن الفرد قد يتجاوز حقه في ممارسة الحرية على حساب غيره فيطغى، فكانت هذه الآية الكريمة خير معبر عنها «كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى» (القلم 6-7)، أو يفرط في حقه من الحرية فلا يطالب بها، فيصير عبدا. إن الخط الوسط للحرية هو المسؤولية وهي صفة مَن تقع عليه تبعة عمله، أي من تناط به مهمة فيتابَع على النتائج طبقا للقوانين الداخلية والعامة، أو من يُسائل نفسه عن أعماله خاضعا للأخلاق وحسن السريرة.
لكن الإنسان لم يتخلص من طبيعته البهيمية رغم تحضره – وخصوصا العقل السياسي - فلم يرق إلى التمدن حيث مازالت الانفعالات تتفوق على الأخلاق، ومازال القانون نخبويا يتملص منه كثير من الناس، وهذا ما يدعو إلى القلق والخوف من تفكك المجتمعات أكثر مما هي عليه الآن.



ساحة النقاش