<!--
<!--<!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} </style> <![endif]-->
فلاش بريس = محمد غاني
شمس النبوة و قمر العقل
أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم في غرس بذور مختلف علوم الاسلام في قلوب الصحابة الكرام و تعهدها خلال حياته في موازاة رائعة مع تلقين القرآن الكريم طيلة ثلاث و عشرين سنة - و هي نفس العلوم التي ستنمو فيما بعد مع تلاحق علماء الاسلام و توالي اجتهاداتهم العقلية - فلما أحس صلى الله عليه وسلم بدنو أجله أخبر صحبه الكرام و من ثم كل الأمم اللاحقة بمبدأ إسلامي عميق قلما تدبره المسلمون قائلا: " قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك." رواه ابن ماجة قال الشيخ الألباني : صحيح و في شرح هذا الحديث يرى المناوي في فتح القدير أن المقصود بالمحجة جادة الطريق من حج بمعنى قصد و جاء في تذكرة المؤتسي شرح عقـيدة الحافـظ عبـد الغني المقـدسي المحجة البيضاء" يعني الطريقة الواضحة البينة الظاهرة"
وبتدبر بسيط لمحاولة تفكيك التشبيه النبوي للشريعة المحمدية - أو بتعبير آخر طريق الاسلام أو سبيل الهدى أو سمه ما شئت من التسميات الدالة على الطريق النبوي الواضح الواجب اتباعه من طرف المسلمين تقفيا لآثار النبي الكريم تلمسا لتزكية النفس و تعلما من نور الحكمة التي تركها الرسول الأكرم الذي كانت مهمته بالاساس تعليم أمته الكتاب و الحكمة وتزكيتهم "ويعلمهم الكتاب و الحكمة و يزكيهم – بل=المحجة البيضاء" يمكننا أن نقول:
لقد كان الصحابة منعمين بصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه و سلم من حيث ايجاد الحلول لكل المشكلات التي تطرأ عليهم و النوازل المستجدة بين ظهرانيهم ، يلجؤون في كل ذلك لسيد الخلق ليجتهد بعقله أي ينتظر صدور الوحي من العلي القدير.
لا غرو أن حديث المحجة البيضاء المذكور آنفا يشير بما لا يدع مجالا للشك لنورين يمكن للمسلم الاستضاءة بهما الا إن هو أبى، فإن استضاء بهما صار ليله كنهاره بمعنى أن طريق الاسلام في نظرنا يسضيئ سالكه بنوري الشمس و القمر في نفس الآن و ما الشمس في نظرنا الا نور الوحي بشقيه القرآن الكريم و السنة النبوية، و ما القمر من زاوية نظرنا الا نور العقل متمثلا في الاجتهاد العقلي و الضمير الاخلاقي الحي.
إن الاخلاق الانسانية مفطورة في الانسان بل مغروسة في لب عقله مصداقا لقوله تعالى "وعلم آدم الاسماء كلها،البقرة 31، حيث إذا رجعنا الى كتب التفسير ستحيلنا المصادر الى أن المقصود من مصطلح الأسماء في الآية الكريمة أسماء الأشياء كالحمامة و الغراب و السماء و الأرض و الصحفة و القدر إلا أننا نرى أنه إذا رجعنا لسياق الآية الكريمة حتى نفهم المراد سنجد أن السياق كان هو الجواب على إنكار الملائكة على الحق سبحانه خلق آدم الذي سيفسد في الأرض، و هو سياق أخلاقي بالدرجة الأولى مما ساقنا الى استنتاج نجده في غاية الأهمية و هو أن الله سبحانه و تعالى لكي يبرهن على أفضلية آدم على الملائكة علمه أسماء الاشياء كلها و حاشاه عز و جل أن ينسى أسماء الأشياء المعنوية ، فإن كان علمه أسماء الأشياء الحسية كالسماء و الأرض و الحمامة و الغراب و غيرها فقد علمه أيضا نسق القيم الأخلاقية من كرم و عدل و إيثار و حلم و أناة و غيرها.
إن نور القرآن و السنة شمس تسطع في القلب ليظهر ظل حقيقتك أيها الإنسان من خلال أفعالك في هذا الوجود فإن رأيت في نفسك مسارعة لفعل الخيرات كلما سمعت الخطاب الإلهي فاعلم أن حقيقتك القلبية أميل الى الخير و إن رأيت في نفسك مشقة شعورية كبيرة لفعل الخيرات عندما تصغي للنص القدسي فاعلم أن حقيقتك القلبية أنزع الى الشر و عليك المسارعة لإصلاحها.
قد يعترض معترض على هذا الكلام بأن من غير المؤمنين من يسارع لفعل الخيرات و لهذا ففعل الخير ليس بالضرورة دافعه ايماني و جوابه على ذلك أن أولئك دافعهم في ذلك أن قلوبهم أشرق فيها نور الضمير فانعكس ذلك على ظل حقيقتهم و هي أفعالهم في هذا الوجود وهذا مستوى معين من الأخلاق الانسانية و التي هي في حقيقة أمرها الهية أيضا و إن صدرت عن ملحدين ، ذلك أن الله عز وجل بقوله "وعلم آدم الأسماء كلها" إنما أراد التنبيه الى حقيقة مفادها أن للانسان قدرة كبيرة على تمييز الأشياء الحسية كالسماء و الأرض و العلو و الدنو و الكل و الجزء كما فطره على تمييز الأشياء المعنوية و القيم الكونية كالكرم و البخل و الشهامة و الخبث و النبل....الخ.
و إنما اتى الوحي و الرسالة الإسلامية لتتميم هاته الأخلاق التى زرعت أصلا من طرف الحق في قلب كل انسان و إنما المطلوب منه إعادة إحيائها و الحفاظ على هذا الزرع بالصحبة الصالحة للعلماء الذين هم بمثابة راعين للزراعة النبوية في هذا الوجود حتى تثمر في كل وقت وحين كما أثمرت صحبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه و سلم لورود سقيت بماء التوحيد فأزهرت علما و فكرا شق الآفاق فإن قرب المسلمون آوانيهم للعلماء الصادقين لملئت بماء التوحيد الذي لا يمكن أن يثمر الا ورودا مزهرة كما أزهرت ورود الصحابة و التابعين و الصادقين على مر العصور.
و هكذا اذا ما استضاء المسلم بنوري النبوة و و العقل "الاجتهاد العقلي و الضمير الأخلاقي" سيتأتى به السير قدما على طريق الاسلام واضحا ليس يلتبسه غبش مقتفيا في ذلك أثر الرسول الأكرم واجدا حلولا سهلة لكل الحوادث و الأقضية المستجدة و إن كانت النصوص متناهية، فإن هو فعل ذلك طلع عليه نهار الأخلاق المحمدية فألبسته حلل الرضا منه عز وجل ظللته سحب عنايته عز وجل .



ساحة النقاش