http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

فلاش بريس= رشيد نيني

في وداع محمد بسطاوي

لعل كل ما يعرفه العامة من الناس حول الراحل محمد بسطاوي، هو أدواره الشعبية التي شاهدوه يؤديها بنبرته البدوية في المسلسلات والأفلام التلفزيونية. هكذا ستختزل الذاكرة الشعبية بإجحاف كبير اسم بسطاوي في شخصيات «علال القلدة» و«بوجمعة» وغيرها من الشخصيات النمطية التي كان الراحل يقول بأنه يؤديها لكي يضمن لقمة العيش لعائلته، لأن الشخصيات الحقيقية التي كان يحب تقمصها تركها فوق الركح الذي ظل سنوات الثمانينيات والتسعينيات يصول فوق خشبته.
في أواسط التسعينيات، وبالضبط في مقهى «المثلث الأحمر» بوسط الرباط قريبا من مقر وزارة الثقافة، مقهى المثقفين والفنانين والمخبرين آنذاك والمغلق اليوم، كان ثلة من عشاق الفن السابع والمسرح والفن التشكيلي يتحلقون حول طاولات المقهى للحديث حول مستجدات الساحة الثقافية
.
الفنانون المبتدئون كانوا يأتون إلى «المثلث الأحمر» بحثا عن دور في مسرحية أو فيلم أو شريط تلفزيوني، الفنانون التشكيليون كانوا يأتون بحثا عن ناقد يشكر لوحاتهم، والموظفون كانوا يأتون بحثا عن طالبة مفلسة، والمخبرون كانوا يأتون للتلصص على الجميع
.
ووسط هذا المشهد السوريالي، كان الممثلون محمد بسطاوي ومحمد خيي وخمولي والسينوغرافي عبد المجيد الهواس، الفائز آنذاك بجائزة القصة لاتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب، والمخرج عبد العاطي المباركي، يجلسون ويدخنون بشراهة ويتناقشون حول نصوص يوسف فاضل، الذي لمع نجمه مع كتابته لسيناريو وحوار فيلم الركاب «حلاق درب الفقراء»
.
كانت فرقة مسرح «الشمس» التي شكلتها هذه المجموعة، والتي كان اسمها مع ثريا جبران «مسرح اليوم»، تبدو مثل بؤرة ضوء في مشهد مسرحي نمطي خامل يشتغل بمنطق موسمي وعشائري وأحيانا عائلي
.
والواقع أن مسرحيات فرقة «مسرح اليوم» وبعدها «مسرح الشمس» شكلت، بالموازاة مع العروض المسرحية الساخرة والمفعمة بروح سياسية لاذعة للفنان أحمد السنوسي (بزيز)، التي كان المكان الوحيد المسموح بعرضها، ولا يزال، هو مدرجات وساحات الجامعات، متنفسا لجيل كامل من المثقفين الباحثين عن فرجة أخرى خارج الفرجة السمجة التي كان يقدمها الإعلام العمومي والمسرح الرسمي
.
أتذكر مسرحية «بوغابة»، وصرخات ثريا جبران فوق الخشبة التي كان كل ديكورها مجرد حبل ومجسم بئر، مثلما أتذكر مسرحية «نركبو الهبال»، التي تألق فيها خمولي بشكل ملفت، ومسرحية «خبز وحجر» التي كانت بمثابة الشرارة التي تشي بتوهج قادم
.
ولقد كان لمرور الشاعر العماني عبد الله الريامي، صاحب النظارات الشبيهة بنظارات المهاتما غاندي، بالرباط حيث تزوج واستقر، تأثير واضح على فرقة «مسرح الشمس»، بعدما أضاف ألق الشاعر وأسئلته المحيرة إلى النفس الارتجالي لبسطاوي وخمولي وخيي وفوضوية محمد الشوبي الهارب من الوظيفة العمومية إلى رحابة المسرح، وأيضا إلى احتجاجية وعبثية نصوص يوسف فاضل المسرحية
.
محمد بسطاوي، ذلك الفتى القادم من خريبكة مدينة التراب والعرق، تلك المدينة العمالية بامتياز، ذلك المنجم الكبير الذي يستخرج منه سماد العالم، لم تكن طريقه مفروشة بالورود نحو الرباط. فقد كان مضطرا للهجرة إلى إيطاليا على عادة أبناء خريبكة، وهناك وجد نفسه يحمل الزرابي فوق كتفيه ويتجول بها بين أزقة المدن الإيطالية بحثا عن مشتري
.
عاش بسطاوي تجربة الهجرة السرية في إيطاليا، وتجرع مرارة التشرد على أرصفة المدن الباردة، ولذلك عندما التقيته أول مرة عندما عدت من هجرتي السرية بإسبانيا حاملا بين يدي كتابا يضم مذكراتي، فاجأني عندما أسر إلي بابتسامته الواسعة، التي يخفيها جيدا خلف شارب كث  ظل يتعهده بالرعاية، أنه كان يقرأ أسبوعيا ما كنت أرسله من «ملجئي الاقتصادي» بإسبانيا إلى جريدة «العلم»
.
كنت في بدايات التسعينيات أصادف بسطاوي وهو داخل أو خارج من منزله بأحد أزقة باب الخميس بسلا، وعندما كنت «أصعد» إلى الرباط، غالبا فوق مركب من تلك المراكب التي تقطع نهر أبي رقراق مقابل درهم، كنت أصادفه في مقهى «المثلث الأحمر»، وكنت مأخوذا آنذاك، وأنا في بداياتي الأدبية، بجلسة هؤلاء الفنانين منكوشي الشعور والشوارب، وهم يدخنون ويرتشفون فناجين البن
.
في ما بعد تعرفت على الشاعر العماني عبد الله الريامي، وصادفت في اتحاد كتاب المغرب القصاص والسينوغراف عبد المجيد الهواس، والروائي والسيناريست يوسف فاضل، وبدأت أتابع مسرحيات الفرقة على خشبة مسرح محمد الخامس
.
كانت سنوات التسعينيات سنوات حراك ثقافي غني، إذ لم تكن مدينة تخلو من فرع لاتحاد كتاب المغرب، حيث تنظم الأمسيات الشعرية والقراءات القصصية والعروض المسرحية والمحاضرات. في تلك الفترة كانت حتى أكاديميات التعليم، كأكاديمية بنمسيك، تصدر مجلة ثقافية إبداعية
.
ووسط هذا المشهد المتحرك والمتصارع، كانت فرقة «مسرح الشمس» تقاوم من أجل أن تجد لها مكانا تحت الشمس. ولقد استطاعت المجموعة المسرحية بفضل موهبة بسطاوي أساسا أن تطرح مجموعة من القضايا السياسية والاجتماعية فوق مشرحة الركح
.
وطبعا فتلك الفترة لم تكن فقط فترة نشاط ثقافي وفني، بل كانت أيضا فترة احتقان سياسي مفتوح على احتمالات التشظي، رغم إطلاق النظام سراح معتقلي الرأي، خصوصا بعد وصول الاقتصاد المغربي إلى عنق الزجاجة، مما كان معه ضروريا المناداة على الاتحاد الاشتراكي لتجهيز مرحلة انتقال الحكم بسلاسة
.
وهكذا غادر الأشعري، رئيس اتحاد كتاب المغرب ومدير مكتب الاتحاد الاشتراكي في الرباط، الذي كان مطاردا من طرف الدائنين، طاولته في مقهى «المثلث الأحمر» وشقته المتواضعة بحي المحيط إلى ديوانه بالوزارة وإقامته الجديدة
.
وفي الفترة التي جاء فيها الاتحاديون إلى الحكومة محمولين على موجة الشعارات الرنانة، قبل أن يصدمهم الواقع وينحتوا مصطلحات من عيار «لا لمطاردة الساحرات»، والتي يوازيها اليوم شعار «عفا الله عما سلف»، ومصطلح «جيوب مقاومة الإصلاح»، أو ما يسميه بنكيران اليوم «العفاريت والتماسيح»، عرفت فرقة «مسرح الشمس» أوجها الإعلامي عبر مواكبة منتظمة لجريدة الاتحاد الاشتراكي واسعة الانتشار آنذاك
.
في المقابل اختار أحمد السنوسي (بزيز) توجيه سخريته اللاذعة لعبد الرحمان اليوسفي وحكومته، بسبب ما اعتبره خذلانا لمبادئ الحزب واليسار، خصوصا والقوات الشعبية بشكل عام
.
ولقد أظهرت الأيام صدق نبوءة الفنان الساخر عندما حذر اليوسفي في عروضه المستفزة حول «لالة حكوم المحكومة»، من السير فوق قطع الصابون داخل الحمام الحكومي الذي يفتقر إلى الماء وحيث لا شيء يحدث سوى الحكان
.
وخلال هذه الفترة عرف الخريبكي بسطاوي سنوات المجد المسرحي، قبل أن تخمد الحركة المسرحية مع انفجار طفرة شركات الإنتاج التلفزيوني وانفتاح القنوات العمومية على إنتاج المسلسلات والأفلام التلفزيونية والإشهارات، فانصرف بسطاوي كلية نحو الشاشة الصغيرة والكبيرة التي ابتلعته
.
وأذكر عند نهاية عرض فيلم سينمائي لعب فيه بسطاوي دور البطولة، أنني هنأته وقلت له إنه ليس من حقه بعد هذا الدور أن يعود إلى لعب تلك الأدوار المستهلكة في المسلسلات الرمضانية، فانتفض غاضبا وقال لي إنه مجبر على ذلك لكي يعيش ويصرف على عائلته
.
ولعل خير من يجسد سيادة دكتاتورية الفرجة الاستهلاكية على حساب الفرجة المسرحية ذات الرسالة الفنية والفلسفية والسياسية العميقة، هو بسطاوي. فقد فقَد فيه المسرح لصالح التلفزيون ممثلا متعدد المواهب، قادرا بلكنته البدوية المعجونة بالتراب والماء على تجسيد انكسارات المغربي الهامشي القادم من مدينة ترابية نحو المركز، الذي يطحن بلا رحمة الكائنات التي تهيم حول ضوئه الخادع
.
بسطاوي، ذلك البدوي السحنة المنكوش الشعر، الفوضوي صاحب الضحكة المتسامحة والنظرات التي تتحول فجأة إلى بروق تنذر بالعواصف، ليس سوى ابن هذا الشعب البسيط الذي ارتقى بفضل موهبته وقدرته على التعلم وتواضعه وإنصاته واحترامه لحرفة الممثل، إلى مصاف الفنانين العالميين بفضل الأعمال السينمائية التي شارك فيها
.
لذلك فالذين يعتقدون أن بسطاوي، الذي ودعنا هذا الأسبوع مبكرا، هو فقط «علال القلدة» أو «بوجمعة»، يخطئون في حق الرجل ويبخسونه قيمته
.
فبسطاوي الذي يجب أن يتذكروه هو بسطاوي«بوغابة» و«نركبو الهبال» و«خبز وحجر»، وأداؤه الرائع في فيلم «ألف شهر»، الذي عالج فكرة الاعتقال السياسي بلغة شاعرية بعيدة عن البذاءة السينمائية السائدة، وغيره من الأدوار التي حفر بها هذا «الخريبكي» المشاكس اسمه عميقا في المشهد الفني المغربي
.
رحم الله محمد بسطاوي وألهم ذويه الصبر والسلوان، و«إنا لله وإنا إليه راجعون»
.

 

 

المصدر: فلاش بريس= رشيد نيني
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 40 مشاهدة
نشرت فى 25 ديسمبر 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,899