http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

authentication required

فلاش بريس= رشيد نيني

أسئلة على هامش رحيل باها

هل كان عبد الإله بنكيران يتوقع أن ما قاله مازحا حول «عشاء الميت»، الذي قال ممازحا إخوانه في الحزب بوجدة، أنهم كانوا سيأكلونه، لو أن ربان الطائرة التي كان بنكيران على متنها لم يتمكن من التحكم في زمامها وإنزالها بسلام بعد العاصفة التي داهمتها، هل كان يتوقع أن فأل «عشاء الميت» ذاك سيتحقق بالفعل أياما قليلة في بيته، لكن ليس بمناسبة جنازته، بل بمناسبة جنازة توأم روحه المرحوم عبد الله باها؟
والواقع أن بنكيران لم يكن أول من تنبأ بنهايته، وزراء آخرون في الحزب الحاكم سبق لهم أن تحدثوا عن قرب نهايتهم، منهم وزير العدل مصطفى الرميد الذي أجهش بالبكاء في البرلمان عندما قال «ما تألمت مثلما تألمت وأنا وزير، محمد بوزوبع توفي بعد شهرين من انتهاء ولايته والناصري بعد مدة، وأنا يبدو لي أنني لن أكمل».

عندما يختلط الحابل بالنابل وتصبح الرؤية مشوشة، هناك من يلجأ إلى الله ويفوض أمره إليه، وهناك من يلجأ إلى المنجمين وقراء الطالع. وفي خضم هذه الحوادث المفجعة التي ألمت بالمشهد السياسي، هناك من اعتبر ما وقع للمرحوم عبد الله باها قضاء وقدرا، وهناك من فضل نسج السيناريوهات بناء على «نظرية المؤامرة» التي تقول إن وراء موت كل سياسي هناك أيادٍ خفية وخطط مدبرة
.
حتى إن برلمانية من العدالة والتنمية رأت في ما يرى النائم قبل صلاة الفجر، الراحل يزورها في المنام ويبرئ ساحة القطار من دمه. قبل أن يرد عليها محمد يتيم مطالبا إياها بلعن الشيطان والكف عن الرؤى والتخرصات، ونصحها أن تتفل على يسارها وتكف عن نشر رؤاها الكاذبة حتى ولو صدقت على الحيطان، حتى لا تتحول إلى مادة للإثارة والتشكيك
.
وهي طبعا طريقة مهذبة من دكتور اللسانيات محمد يتيم، لكي يقول لزميلته النائبة إنها تعرضت لضربة من ضربات ما يطلق عليه المغاربة «حمار الليل»
.
والواقع أن البرلمانية المحترمة ليس لها أن تشك، بناء على رؤيا يمكن أن تكون أضغاث أحلام، لأن البحث القضائي الجاري حول وفاة عبد الله باها يوجد تحت سلطة وزير العدل رئيس النيابة العامة، كما أن المسؤول الأول عن إحاطة عائلة عبد الله باها بظروف وفاته ومعها الرأي العام، هو رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران الذي توجد وزارة العدل تحت إمرته، وهما ينتميان معا للحزب نفسه الذي تنتمي إليه البرلمانية

ولعل ما يحدث يعيد إلى الذهن ما قاله أحد المنجمين المغاربة لقناة فرنسية حول رحيل أقطاب سياسيين هذه السنة، حتى إنه حدد عددهم بين ثلاثة وأربعة أقطاب قياديين سيرحلون إلى دار البقاء. وها قد رحل إلى حدود اليوم اثنان من الأقطاب السياسيين، فمن هو القطب السياسي الذي سيأتي عليه الدور في المقبل من الأيام يا ترى؟

وبعيدا عن الدخول في غياهب التنجيم، يجب أن نعترف بأن الحياة والموت شأن رباني مقدر بمواقيت أزلية لا دخل لبني البشر أو الجان في تحديدها. تبقى الأسباب متعددة، وأحيانا مذهلة الغرابة وعصية على الفهم، كما وقع للمرحوم عبد الله باها
.
واضح اليوم أن هناك رغبة في استغلال الموت التراجيدي لعبد الله باها على مستويين على الأقل، مستوى يريد أن يجعل من هذه الوفاة مناسبة لرفع شعبية الحزب عبر المطالبة ظاهريا بعدم التشكيك في مقتل باها، وباطنيا عبر تغذية هذه الشكوك حول وجود أيادٍ خفية وراء هذا الحادث، وهو ما تجسده هذه الحمى التي يعرفها العالم الافتراضي، بما هو مجال سيادي بامتياز لخلايا العدالة والتنمية النائمة، والتي ظهرت مضاعفاتها على شكل اتهامات غير مبينة على أساس، غير أن قدرتها على التأثير لا يمكن الاستهانة بها
.
ومن يتتبع جيدا ما ينشر في المواقع الموالية للعدالة والتنمية، سيعثر على مقالات ظهرت بعد وفاة عبد الله باها، تطالب بالحق في الشك وتدعو إلى عدم مصادرة حرية «التأويل»، ومنها موقع يسهر على تنشيطه أعضاء في دواوين وزارية، أشهرها ديوان وزير العدل والحريات
.
وأقوى ما في هذا المقال، الذي تم حذفه من لائحة الآراء المنشورة في الموقع، «إن هؤلاء حين يسألون يدركون تمام الإدراك أن لي الذراع ومعارك كسر العظام وتهشيمها لا يمكن عند البعض أن يتوقف عند حد من الحدود، ولا يمكن أن نعتبر أنفسنا خارج سياقات الأقطار التي يستباح فيها كل شيء في تدافع المشاريع السياسية والمصالح الاستراتيجية بين قوى ظلت حريصة على امتيازاتها ومكاسبها، وبين رواد الإصلاح في زمن الثورات وارتداداتها، وأن ثمة مخاوف جمة من نجاح هؤلاء، بعد دخول إصلاحاتهم دوائر ضيقة ظلت جزرا محرمة على الجميع»
.
اليوم، وبعد انقضاء الثلاثة أيام المفروضة شرعا في إطار الحزن عند مصيبة الموت، يجب أن نستحضر الأسئلة الحقيقية والآنية التي يفرضها رحيل عبد الله باها، على مستوى حزب العدالة والتنمية وذراعه الدعوية حركة التوحيد والإصلاح، وعلى مستوى الحكومة، خصوصا بعدما أصبحت كل المجالس التي يترأسها بنكيران تتحول إلى مناحات
.
هناك جملة ربما لم ينتبه لها كثيرون وردت في الموضوع الذي نشرناه يوم الثلاثاء الماضي حول وفاة عبد الله باها، وقد طلب الوزير الذي أعطى ذلك التصريح أن لا يذكر اسمه، ونحن لم نذكره ولن نذكره التزاما منا بأخلاقيات المهنة، رغم أن تصريحه كان قويا على المستوى السياسي
.
قال الوزير إن رئيس الحكومة الحقيقي كان هو عبد الله باها، وإن المكابح التي كانت تعيق عبد الإله بنكيران لم تعد قائمة، ولولا هذه المكابح لكان بنكيران «دخل فبنادم طول وعرض»، والآن بعدما رحل باها «غادي يعود الطايح كثر من النايض»
.
وعلينا في هذا الباب أن نستحضر ما ظل عبد الإله بنكيران يردده طيلة ثلاث سنوات حول علاقته بعبد الله باها، من كون هذا الأخير كان بمثابة روحه وعقله المفكر، والمكابح التي تجعله يتوقف في الوقت المناسب، وعلبته السوداء التي يستودعها أسراره، وما إلى ذلك من الأوصاف التي انتهى معها بنكيران في نظر الرأي العام إلى مجرد قاصر سياسي يحتاج إلى وصي ويحجر عليه بسبب عدم بلوغه الرشد السياسي
.
لقد نجح بنكيران طوال كل هذه السنوات من ظهوره تحت جناح المرحوم عبد الله باها، في تشكيل صورة نمطية عنه لا تخرج عن كونه سياسيا أهوج وغير قادر على لجم اندفاعاته. وهي الصورة التي نجد اليوم أنفسنا جميعا أمامها
.
فبعد رحيل «الحصار» الذي كان يكبح جماح بنكيران، ها نحن نقف أمام «بيلدوزير» سياسي لديه بين يديه صلاحيات دستورية كبيرة وخطيرة يسير بدون «حصارات» في الحقل السياسي
.
هناك احتمالان اثنان أمام هذا الوضع، إما أن يعلن بنكيران أنه غير قادر على الاستمرار في قيادة الحكومة، بعدما فقد نصفه وروحه، وأصبح بدون «حصارات» تكبح اندفاعاته غير المحسوبة، وإما أنه سيقبل الاستمرار في قيادة الحافلة الحكومية، وهنا يمكن أن نتوقع صدمه للحافلة مع أول شاحنة تستفزه في الطريق
.
أما على مستوى الحزب وحركته الدعوية، فإن الوضع سيصبح مفتوحا على المواجهة بين الأصوات الغاضبة المطالبة بـ«حطان السوارت»، والاستعداد للانتخابات التشريعية، وهي الأصوات التي لم يستفد أصحابها من العسل الحكومي، بالقدر الذي استفاد منه إخوان لهم كانوا إلى حدود الأمس يسكنون في الشقق الاقتصادية فتحولوا للسكن في الفلل بالمنتجعات الراقية، وبين دعاة البقاء في الحكم تطبيقا لمقولة «الإصلاح في ظل الاستقرار» و«عفا الله عما سلف» وبقية الشعارات التي يبررون بها عجزهم عن مواجهة الفساد ومحاربته
.
علينا أن نتذكر بهذا الصدد الجهد الكبير الذي بذله المرحوم عبد الله باها لإقناع شبيبة الحزب بالعدول عن الانسياق وراء ما كان يحدث بمصر، عندما استقبله طلبة منظمة التجديد الطلابي التابعة لحركة التوحيد والإصلاح، بالجلسة الافتتاحية للمؤتمر الخامس للمنظمة، بشعار «ثوار أحرار حنكمل المشوار»، فأمرهم باها رحمه الله بالتوقف عن ترديد هذا الشعار لأنه شعار خاص بساحة رابعة، قبل أن يحذرهم من نقل مشاكل الغير لبيوتهم
.
اليوم ليس هناك من «حصار» لكي يكبح جماح اندفاعات مماثلة، مما سيفتح أبواب الحزب والحركة وتنظيماته الموازية لرياح عاتية لن يكون لبنكيران وإخوانه في الحكومة قبل بها
.
خصوصا إذا تذكرنا كل المرات التي كان يقول فيها بنكيران إنهم في الحزب على شفا الانفجار، ولحسن الحظ أن هناك شخصا اسمه عبد الله باها يقوم مقام الحاجز الذي يمنع الأمواج العاتية من تحطيم أساسات الحزب، اليوم تحطم هذا الحاجز
.
ولذلك فإن رئيس جلسة البرلمان عندما طلب من البرلمانيين قراءة الفاتحة على روح «عبد الله بنكيران»، لم يكن في الحقيقة يقول سوى الحقيقة، فإذا كان باها قد مات واقعيا، فإن بنكيران مات سياسيا
.
كل هذا فهمناه واستوعبنا مراميه، ما لم أفهمه شخصيا، وهذا قد يبدو للبعض مجرد تفصيل بسيط، هو لماذا اتشح عبد الإله بنكيران ومصطفى الرميد في سرادق العزاء بالسواد على عادة الشيعة في المآتم عوض البياض كما هي عادة المغاربة السنيين؟

هل هو مجرد لون للتعبير عن الأسى، أم أن المناسبة استدعت حنينا لفترة الشبيبة الإسلامية عندما كان قادتها يتناغمون مع الخميني الباحث عن تصدير ثورته الإيرانية؟

عندما نعلم أن الصورة المرجعية لدى مصطفى الرميد، والتي يضعها في مكتب محاماته على مرأى من الجميع، هي تلك التي تجمعه بحسن نصر الله، نفهم أن الاتشاح بالسواد في المأتم ليس مصادفة
.
مثلما ليس مصادفة أن يطير مصطفى الخلفي أسبوعا قبل وفاة عبد الله باها إلى طهران، لكي يحضر الدورة العاشرة  للمؤتمر الإسلامي لوزراء الإعلام، وهو السفر الذي قام به وراء ظهر وزارة الخارجية
.

 

 

المصدر: فلاش بريس= رشيد نيني
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 33 مشاهدة
نشرت فى 17 ديسمبر 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,686