http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

المساء = عبد الله الدامون

الشوْكة الغليظة في حلق الاتحاد الاشتراكي

العدد :2529 - 15/11/2014

في بضعة أيام، عايش المغاربة حدثين يبدوان متناقضين أحيانا، أحدهما مضحك وطريف، والثاني محزن وأليم، لكن بينهما قواسم مشتركة ومساحة تأمل ومزيجا من التسلية والحزن.

قبل بضعة أيام، وعندما بدأت السماء تمطر مدرارا، تعرضت العاصمة الرباط لفيضانات هنا وهناك، تماما كما يحدث في مدن وقرى مغربية كثيرة، وكأن العاصمة ليست عاصمة، فشاهد كثير من المغاربة لقطات فيديو لشخص بدا كأن به مسا من الجن وهو يدخل قنوات صرف المياه في شوارع العاصمة ويخلصها من الحواجز لكي تمر مياه الأمطار وتتخلص المدينة من فيضانات محدقة.

بعد بضعة أيام، فوجئ الناس بموت مباغت للزعيم الاتحادي أحمد الزايدي، مع أن الموت علينا حق.

الرجل الذي كان يلج قواديس الرباط لتحريرها من الاختناق يسمى علال، والناس الذين اُعجبوا به سموه علال القادوس، ارتباطا بجنونه القادوسي، حيث تحول في بضعة أيام إلى «أسطورة» على اليوتوب ووسائط التواصل الاجتماعي، وكثيرون عزوا إليه الفضل في تجنيب جزء من العاصمة لعنة الفيضانات.

بضعة أيام بعد ذلك، كان الزعيم الاتحادي أحمد الزايدي يركب سيارته ويحاول عبور ممر تحت أرضي غير بعيد عن بيته في بوزنيقة، وحدث ما لم يتوقعه أحد حين ابتلعت المياه سيارته وحولته إلى أول ضحية من ضحايا الفيضانات في موسم الأمطار الحالي.

ما كان يقوم به علال القادوس الهدف منه هو ألا يموت الزايدي أو غيره تحت المياه والوحل. ورغم أن علال يبدو «طاير ليه الفْريّخْ»، فإن الحقيقة أن «الفْريّخ» طار للمسؤولين المغاربة وليس لعلال القادوس، ولو أن مسؤولينا ومنتخبينا كانوا يشبهون علال لما حدث ما حدث، ليس للزايدي فقط، بل لمغاربة كثيرين ماتوا وسيموتون لأن اختناق القنوات وصل أوجه، ليس قنوات المياه فقط، بل قنوات السياسة وقنوات المجتمع وقنوات الأخلاق وقنوات الرجولة.

المرحوم أحمد الزايدي كان يقوم بعمل مشابه للعمل الذي يقوم به علال القادوس.. تحرير القنوات؛ والفارق هو أن الزايدي كان يريد تحرير قنوات الاختناق الحزبي والسياسي، وهو اختناق يهدد هذه البلاد بالسكتة القلبية، تلك السكتة التي كان الحسن الثاني يتنبأ بها ويخاف منها، ويبدو أنها ليست مستحيلة الحدوث.

على مدى سنوات، ظل الراحل الزايدي يحاول أن ينعش قلب حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحزب الذي كان، وعلى مدى عقود طويلة، يشكل أملا كبيرا للمغاربة في التغيير، فصار جزءا من المشكلة، وأصبح بدوره في حاجة ملحة إلى التغيير وإلى الإنقاذ من 
الاختناق.

عتاة المخزن، الذين ظلوا متوجسين دوما من قوة وصلابة حزب مثل الاتحاد الاشتراكي، هم الذين وضعوا في حلقه شوكة سمكة غليظة، فصرنا لا نتعرف على الحزب الذي حلمنا به كثيرا في النوم واليقظة، هذا الحزب الذي صار اليوم كابوسا حقيقيا، ليس لمناضليه وللمنخرطين في صفوفه، بل للمغاربة كلهم، لأن الاتحاد الاشتراكي لم يكن يوما حزبا لنفسه ولمنخرطيه، بل حزبا للمغاربة جميعا، حتى وإن اختلفوا معه.

الذين يعرفون الواقع الحزبي في هذه البلاد العجيبة كانوا يأملون أن ينجو «الاتحاد الاشتراكي» من الاختناق الجماعي للأحزاب المغربية، لكننا رأينا، وبعد عقود طويلة من النضال وتقديم الشهيد تلو الشهيد، كيف صار الحزب مطية لصغار النفوس لاصطياد كرسي في وزارة تافهة أو منصب أو أملاك أو مأذونيات نقل أو عقارات.

حتى اليوم، لازال كثيرون يعرّفون حزب الاتحاد الاشتراكي بكونه حزب بنبركة، لكن هذه التسمية صارت جزءا من الماضي لأن بنبركة رحل كما رأينا وحزبه انتهى كما نرى.. نرى الحزب وهو يغرق في قنوات موحلة حتى بدون هطول أمطار، ونرى هذا الحزب وهو يتحول إلى مجرد «كارْت فيزيت» في يد أقزام التاريخ.

في كل الأحزاب المغربية اليوم، وبدون استثناء، هناك غياب مفجع للشجاعة والأخلاق، وغياب مرعب للرجال الصامدين أمام مغريات المال والجاه والمناصب، وعندما نرى رجلا يخرج من حزب ما ويقول «اللهم إن هذا منكر»، فإننا نندهش ونسأل أنفسنا هل مايزال في الأحزاب رجال؟

المرحوم أحمد الزايدي كان رجلا.. رجلا عاقلا وهادئا ومتبصرا؛ كان يريد أن يساهم، مع رجال آخرين، في تحرير حزب الاتحاد الاشتراكي من الاختناق، لكن الزايدي هو الذي اختنق، وبقي حزبه في يد خانقيه.

 أكيد أنه لايزال في حزب بنبركة رجال، وهم الذين ينبغي أن ينزعوا من حلق الحزب تلك «الشوكة الغليظة» التي تهدده بالاختناق النهائي المؤدي إلى موت زؤام.. هذا إذا لم تكن تلك الشوكة قد وُضعت أصلا في حلق جثة.

 

 

المصدر: المساء = عبد الله الدامون
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 46 مشاهدة
نشرت فى 6 ديسمبر 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

316,202