فلاش بريس = محمد الأشهب
نفط المغرب
عندما يتعرض بلد إلى تحديات ومخاطر، فإن الشعب يكون في مقدمة المعركة. وإذا كانت قضية الصحراء عند اندلاعها زاوجت بين الوحدة والديمقراطية، وإن طغى على الرهان الثاني جوانب سلبية، فإن كسب التحديات في المرحلة الراهنة يتطلب استمرار نفس المقاربة.
أبناء المتطوعين إلى المسيرة الخضراء هم اليوم الذين يشكلون العمود الفقري في التركيبة السكانية وفي التطلعات الاجتماعية والسياسية. فقد أبانت تقديرات ومعطيات أن عنصر الشباب شكل غالبية المتطوعين، إضافة إلى النساء والرجال، وتلك الخبرة أهلت الحدث التاريخي لأن يترجم المشاعر القوية، ذات الصلة بحب الوطن والاستعداد للتضحية من أجله. ولن يغرب عن بال الأجيال الجديدة لما بعد المسيرة الخضراء أن تواصل حلقات النضال وحمل المشعل من يد إلى يد ومن جيل لآخر قضية ثوابت راسخة. ففي معركة الاستقلال تقدم الشباب المغربي صفوف الصدارة، عبر الانخراط في المقاومة وجيش التحرير ومجالات العمل السياسي في التعريف بعدالة القضية المغربية.
الشباب هم أنفسهم الذين مثلوا الجيل الشاب لما بعد الاستقلال في الدفاع عن السيادة والوحدة. ولم يفهم كثيرون كيف أن الاستجابة لنداء الوطن كانت بذلك القدر من القوة والإقدام والتعبئة. خصوصا وأنها عكست وحدة الشعب المغربي، خارج الانتماءات الحزبية والمشارب الفكرية والتوجهات المختلفة. وعندما انطلقت التظاهرات في شوارع المدن المغربية كانت تهتف للوحدة والسلم. فكانت سابقة في استخدام الشارع، ليس من أجل الاحتجاج على حيف اجتماعي أو اضطهاد سياسي، ولكن لإسماع صوت الحق يخفق عاليا. ولن يتردد الجيل الجديد ضمن فعاليات المجتمع المدني والهيئات السياسية ومجالات التأطير والانخراط الإيجابي في أن يهتف مجددا دفاعا عن السيادة والوحدة، مهما كانت أنواع التحديات داخلية أم خارجية.
لا قطيعة في تواصل حلقات الكفاح. نعم هناك قطيعة مطلوبة لردم فجوة التباعد والتهميش والقضاء على الممارسات السلبية التي عكرت صفو الصورة الوحدوية. وهنا تحديدا يكمن الجانب الأهم في رفع التحدي. أي انخراط المجتمع بكامله في معركة الدفاع عن الوجود. لأن استهداف جزء غال من التراب المغربي في جوهره استهداف للكينونة المغربية. وكل الذين يتعاطون وملف الصحراء من غير هذا المنطلق مخطئون. لأن كرامة ووحدة الشعوب لا تخضع إلا لمعيار الحق والعدل. أما الحلول المعلبة التي تطبخ في الغرف مكيفة الهواء، فإنه محكوم عليها بالفشل، ما لم تضع في الاعتبار أنها تتعامل مع قضية وجود وليس حدود، كما رد الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة.
ليست الأمم المتحدة هي التي استرجعت الصحراء وأعادتها إلى طبيعتها التاريخية والقانونية والحضارية، وليست الإدارة الأمريكية هي التي تمجد شهداءها في معركة الدفاع عن السيادة الوطنية. وليست الجزائر هي من يقدم المثل في الوفاء للعهود والمبادئ. فالتعامل مع المجتمع الدولي شيء، حين يكون في خدمة الأمن والسلم وتكريس الحقوق المشروعة. والعلاقة مع الإدارة الأمريكية وغيرها قائمة على الاحترام المتبادل الذي لا يجب أن يستثني الإقرار بالحق والعدل. كما أن الجوار مهما كانت سطوته الجغرافية لا يمكن أن يغير جغرافية الغير، عبر الأوهام.
الشعب المغربي سيد نفسه وقراره، وعندما يوجه الملك محمد السادس نداء التعبئة الجديد، الذي يستند إلى رؤية متقدمة في آليات تدبير ملف الصحراء ودمقرطة المشهد السياسي وإشراك كافة الفئات في صنع القرارات المصيرية، إنما يحيي روح المسيرة الخضراء بطريقة خلاقة ومبدعة. بيد أن الترابط الذي هيمن على الخطب الملكية منذ ذكرى عيد الجلوس، وثورة العرش والشعب وذكرى المسيرة الخضراء يحيل على حجم ونوعية التحديات وسبل مواجهتها التي تعتمد على قدرات المغرب وتضحيات المغاربة. أكان ذلك من أجل إعادة الاعتبار للرأسمال غير المادي، بهدف استخراج الطاقات الكامنة في المشهد المغربي. أو على صعيد الإقرار بنوعية المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، أو في نطاق صون الوحدة والسيادة ودعم الخيار الديمقراطي.
الإنسان هو مصدر الثروة، بل هو الثروة بعينها، وإذ يقول الملك محمد السادس أن المغرب لا نفط له، فالإحالة تمضي قدما إلى المخزون الكبير الذي لا ينضب، إنه عنصر الشباب الذي يفوق في أثره ومفعوله أي ثروة معدنية. وبالتالي فالاستثمار في العنصر البشري جزء من التحديات الكبرى. لقد أنفق المغرب من جيوب أبنائه على الأقاليم الجنوبية، كي يعيش شبابها وكل مكوناتها في أمن وأمان، وهو اليوم بصدد اتفاق منظور جديد للتنمية، كون الجهوية فرصة للنخب الشابة وكل الأجيال لإقرار نموذج متطور للحكامة والتدبير الرشيد، فيما أن تثبيت الأمن وحفظ الاستقرار يبقى الذراع الضارب الذي يبدد مناورات الخصوم، مهما اتخذت من أشكال ولبوسات.
اختيار مناسبة المسيرة الخضراء كان موحيا ودالا وعميقا. وثمة مسيرة أخرى هادئة ورصينة ومقدامة بدأت معالمها، وما تخلف الشعب المغربي يوما عن معاركه المصيرية. فقط يجب استظهار صفحات التاريخ المشرق، لعلها تفيد الذين لا يملكون حدسا تاريخيا في التعاطي وانصهار الإرادة الشعبية والحق الذي ما ضاع ووراءه طالب، بل ما ضاع ووراءه حماة أشداء مؤمنون ومجندون وواثقون في عدالة قضيتهم.



ساحة النقاش