فلاش بريس = محمد الأشهب
أين ربيع العلاقات المغربية ـ الجزائرية؟
ولو أنها تندرج في سياق الدبلوماسية البروتوكولية التي قد تعبد الطريق أمام فرص الحوار المتاحة، فإن تهنئة الملك محمد السادس للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، في مناسبة ذكرى اندلاع الثورة الجزائرية، تتجاوز حرفية هذه التقاليد في اتجاه إرساء القواعد التي تكفل معاودة بناء الثقة واحترام قيم حسن الجوار والتطلع إلى التكامل المغاربي الواعد.
من جهة، تستند التهنئة إلى الرصيد النضالي المشترك للشعبين المغربي والجزائري، يوم كانت أهدافهما موحدة في تحقيق الجلاء الاستعماري في المنطقة. بصيغة أخرى فهذا الرصيد ينطلق من الفكر التحرري الذي صاغ استشرافات المرحلة واهتدت بإضاءاته حركات تحرير إفريقية، وجدت بدورها في المغرب خير سند. وكما كانت المقاومة الجزائرية تلقى الدعم والاحتضان، خصوصا في المنطقة الشرقية، كانت حركات التحرير الإفريقية بدورها تنهل من قيم التضامن والمؤازرة التي شملت إقامة معسكرات تدريب ودعم في المنطقة ذاتها.
فكرة التحرر واحدة، وإن اختلفت الاختيارات، لأن الهدف هو بناء استقلال يضمن التكامل بين دول المنطقة، ويرسخ تقاليد التعاون وحسن الجوار وأي تردد في إنجاز هذا الجهاد الأكبر، لا يتماشى والروح التي تفجرت إبان التصدي للاستعمار الذي كان هدفه استعباد الشعوب واستغلال خيراتها وتمريغ كرامة إنسانها. وبهذا المعنى فالوفاء لتضحيات الشهداء وقيم التضامن يحتم الترفع عن الحساسيات والارتقاء إلى متطلبات المرحلة. فالخلافات مهما كانت نوعيتها تبقى قابلة للحل في ظل احترام السيادة والوحدة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير. غير أن سياسة اليد الممدودة لا علاقة لها بأي سلوك آخر غير الانحياز لما فيه مصلحة الشعبين والمنطقة المغاربية برمتها. وما يؤسف له حقا أنه في الوقت الذي التزم فيه المغرب منهجية اليد الممدودة، لجأت الجزائر إلى إطلاق الرصاص، وهو تصرف أرعن لا يمكن فهمه إلا في نطاق وضع الحواجز وإعاقة التقارب والإبقاء على فجوات التباعد.
عرفت منطقة الشمال الإفريقي انتفاضات وتحولات تحت يافطة الربيع العربي الذي كان ينشد التغيير، وبصرف النظر عن مآل هذه التجارب، فإن المغرب والجزائر في حاجة إلى ربيع من نوع آخر، يسقط قلاع الأحقاد والدسائس والمغامرات غير محمودة العواقب. أي يكون ربيعا وفاقيا حول القضايا المصيرية الكبرى، ذات الصلة بتكريس الأمن والسلم والاستقرار والانصراف إلى مواجهة تحديات التنمية. ذلك أن ما يجمع البلدين الشقيقين أكبر مما يفرقهما، ناهيك عن حتمية الجغرافيا التي تفرض التعايش، فلا الجزائر في إمكانها أن تغير الوضع الطبيعي للخارطة المغربية، وإن حاولت النيل من سيادة المغرب ووحدته بشتى الوسائل غير النظيفة، ولا المغرب في إمكانه أن يختار حوارا آخر خارج أقدار الطبيعة والمصير المشترك. الربيع المنشود يهم تغيير عقليات أبانت عن محدودية الرؤية وضعف التحليل ورفض الإذعان للحقائق، كما هي تاريخيا وقانونيا وعلى الأرض. ولا تعني سياسة اليد الممدودة سوى مساعدة الجزائر على الخروج من النفق المظلم الذي سارت نحوه بعينين مفتوحتين غير أنها المرة الأولى التي يلاحظ فيها وجود تباين في المنطلقات، بين مغرب يلتزم مواثيق الجوار، وجزائر ما فتئت تنتهك أبسط الأوفاق.
عندما تتحدث عن الربيع تكون الإحالة جلية إلى بعده الديمقراطي، إذ يقاس النجاح والإخفاق بالرغبة والقدرة على تحويله إلى تطبيع ديمقراطي، ولنا في موقف نهضة تونس ما يفيد بقابلية الأمر الواقع. وإذا كان الموقف يهم منافسات حزبية، فبالأحرى أن يشمل «المنافسات» بين الدول، إذ تتجه إلى الاستفادة من كل ما هو إيجابي ونبذ كل ما هو سلبي. والمؤكد أن الجزائر تتطلب ربيعا ديمقراطيا في علاقاتها مع المغرب، من جهة لأن قضية الصحراء التي بنت عليها طروحات انفصالية ليس في وارد اهتمامات الشعب الجزائري، ومن جهة ثانية لأن استمرار المعاكسة عبر ارتكاب المزيد من الأخطاء يحول الموقف إلى خطايا موجهة ضد مشاعر المغاربة والجزائريين على حد سواء.
الفكرة المغاربية تولدت من رحم النضال الشعبي المشترك، وبناء الاستقلال لا يمكن فصله عن هذا الرحم الذي يضفي عليه أبعادا تطال الاستجابة لإرادة الشعوب في التحرر والوحدة والتقدم والإخاء. وفي مناسبة اندلاع الثورة الجزائرية التي ساندها المغاربة بقوة في كل مراحلها، تجدر الإشارة إلى أن ربيع البلدين، إن سار على طريق التفاهم والانفراج، فإنه يصب في مصلحة كل المنطقة المغاربية. أليست خلافات البلدين، وتحديدا النزعة الجزائرية غير الملتزمة بمضمون المعاهدة التأسيسية للاتحاد المغاربي، هي ما جمدت البناء المغاربي، وإن لم يكن من هدف للربيع المعول عليه سوى إعادة الدفء للخيار المغاربي، فذاك أجدى بكل تضحية ونكران للذات.



ساحة النقاش