http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

authentication required

فلاش بريس = محمد الأشهب

تشريع الفوضى

أمام المسؤولية التاريخية والوطنية، تتراجع التقنيات الإجرائية، في تحديد العلاقة بين الحكومة والمؤسسة التشريعية، فهناك دائما أسبقية للوازع الوطني. إلا أن الصورة التي ظهر بها مجلس النواب مساء الثلاثاء في المشاحنات بين المعارضة وبعض كتل الغالبية حول موضوع الإحاطة علما بالحادث الاستفزازي الذي تعرضت له الحدود الشرقية للبلاد، لم تكن في مستوى متطلبات الانضباط والوعي بخطورة الحادث الذي يتعين الرد عليه بقوة وحزم.
الانفعال لا يصنع المواقف. والحماس المفرط إن كان مطلوبا في الرد على استفزازات الحكم العسكري في الجزائر، فإن ضوابطه تحتم القفز على الحساسيات الداخلية، لأن الأمر هنا لا يمس العلاقة بين مكونات المشهد الحزبي، وإنما بلورة مظاهر التضامن مع المواطنين الأبرياء الذين يتعرضون لصلف العربدة الجزائرية، التي لا تقيم وزنا، لأوفاق حس الجوار، ولا لقيم التآخي ومتطلبات الارتقاء بالعلاقات، وتجنيبها مخاطر المغالاة والتوتر وتعكير الأجواء الملبدة أصلا بكل غيوم التناقض والحيرة وانعدام الثقة.
في سابقة رافقت افتتاح السنة التشريعية الجديدة، سقطت أخلاقيات السياسة والحوار والترفع عن الحسابات الشخصية. وقبل أن يجف المداد الذي كتب به خطاب التوجهات الملكية الداعية إلى الارتقاء بالعمل السياسي ونبذ المشاحنات الصغيرة، استخدم بعض النواب الأيادي والألسن في تشابك، أبان عن درجة من الاستخفاف بالمسؤولية النيابية، كي لا نقول أكثر، وجاء الحادث على خلفية جدل موضوعي حول انكسار الخطاب الحزبي وانزلاقه إلى متاهات غير مجدية.
الأخطر في هذا السلوك أنه يصدر عن ممثلي الأمة وداخل قبة البرلمان التي تجسد إرادة الشعب في التعبير عن سيادته، من خلال الاقتراع. وعلى رغم الفارق الجوهري بين الحدثين، فإن الإساءة إلى صورة الديمقراطية، عن قصد أو من دون وعي، لا يخدم المسار الإيجابي الذي تنحو التجربة المغربية في اتجاهه. فكل البرلمانات تعرف الصراعات والتطاحنات، إلا أن سقفها يبقى رهن عدم الخروج عن النص. وكان على مكتب مجلس النواب أن يهتدي إلى صيغة مقبولة تجعل الإحاطة علما تمضي في سياقها التنظيمي، كما كان على فرق المعارضة أن تلتزم بالحد الأدنى من الانضباط، لأن المجال واسع ومفتوح لتسجيل المواقف المبدئية المنددة بحادث الاعتداء الاستفزازي، ضمن الإبقاء على صورة المشهد النيابي التي بدأت تعتريها خدوش غائرة.
السؤال الكبير، إلى متى ستظل صورة المؤسسة التشريعية، تعكس مظاهر الفوضى والأنانية والعناد الكبير في تصفية الحسابات؟
في الخلاصة أن ممثلي المؤسسة منتخبون، وقبل ذلك حازوا على تزكية الأحزاب التي ينتمون إليها، كونها رأت فيهم «خير من يحظى بالتزكية».
كدنا نطلب إلى الزعامات الحزبية أن تعاود النظر في آليات اختيار مترشحها، قبل خوض غمار المنافسات، لكن ما العمل إذا كانت بعض الزعامات «تورطت» بدورها في إشاعة هذه الحالة التي لا تبعث على الاطمئنان.
ما فتئ الخطاب السياسي يشكو من العزوف الذي يسود عدم الإقبال على صناديق الاقتراع، ومن هروب فئات الشباب، بعيدا عن التأطير والتعبئة الحزبية، لكن هل بهذه الصورة يمكن تحفيزهم على الانخراط الإيجابي في العمل السياسي؟ فما بين الغياب الكبير عن حضور جلسات المؤسسة التشريعية وتحويل فضائها إلى ساحة معارك ومشاحنات،لابد أن هناك خللا يعتري المشهد الحزبي. فقد كان يقال خلال مراحل الاحتقان أن الهدف هو إفراغ السياسة من مضمونها تفاعل محوري في دعم وترسيخ الخيار الديمقراطي، أما اليوم فإن المعنيين مباشرة بالممارسات السياسية هم من يخرق قاعدة الالتزام.
كانت الشكوى من سطوة الأموال والأعيان مبررا لتأكيد تحالف المال والمصالح لإفراغ الديمقراطية من مضمونها، غير أن المترشحين لا يقفزون بمظلات من السماء، وإنما يتم اختيارهم وتزكيتهم، وبالتالي فالمسؤولية مشتركة بين الجميع، إلا من رحم ربك.
نخشى القول إنه بدل إغناء القوانين والحياة التشريعية التي تخص رقابة العمل الحكومي، صار تشريع الفوضى هاجسا مشتركا. ومن غير المقبول استمرار هذه الحالة التي تسيء إلى الوجه الديمقراطي. ذلك أنه حتى في القضايا التي يفترض أن لا خلاف حولها، تنحرف الممارسات عن سياقها الطبيعي، وإذا كانت اللحظة تجيز في مسألة استمرار العدوان الجزائري استخدام المنبر النيابي، فلا أقل من أن يتم ذلك بأسلوب يوازي مستوى قدسية هذه المعركة المفتوحة.

 

المصدر: فلاش بريس = محمد الأشهب
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 39 مشاهدة
نشرت فى 28 أكتوبر 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

314,034