http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

authentication required

فلاش بريس = سعيد الباز

«إيبولا» وحديقة حيوانات العالم

إفريقيا تهدّد أوروبا والعالم، ليس بحاملات الطائرات والصواريخ العابرة للقارات، ولا بالأساطيل البحرية والجوية، ولكن بأوجاعها وآلامها. ففي سنة 1976 تمّ التعرّف على هذا الفيروس القاتل، واستطاع العلماء والفرق الطبية السيطرة عليه والحيلولة دون انتقاله إلى وباء يحصد الأرواح بالمئات والآلاف. فأعلن حينئذ أنّ «الإيبولا» ليست بالمرض الخطير، وأن لا خوف من انتشاره، وأنّ الإجراءات الاحتياطية والوقائية كفيلة بعزله والحدّ من خطورته.
المشكلة هي أنّ هذا الفيروس ظلّ دون دواء مضاد له، أو لقاح ينزع عنه أسلحته الفتّاكة طيلة هذه المدّة، رغم وجود حالات وفيات وصفت حينها بأنّها معزولة ولا تشكّل خطرا حقيقيا على بلدان غرب إفريقيا والعالم في ما بعد. في الشهور الأخيرة أطلّ شبح «إيبولا» بوجه بشع، وتبيّن أنّه سائر وبقوة إلى التحوّل إلى وباء، ليس في غرب إفريقيا وحدها، ولكن القارة الإفريقية بأكملها والعالم كذلك.
من تداعيات فيروس «إيبولا» أنّه حوّل أنظار العالم عن المناطق الملتهبة فيه، وتراجعت الأحداث المرتبطة بالعراق وزحف «داعش» الحثيث نحو بغداد والمناطق السنية حيث أحكم قبضته على أكثر من ثلث البلاد، في ما يستمرّ تقدّمه في الشمال السوري، ويكاد يسيطر على الحدود المتاخمة لهذا البلد الجريح مع تركيا.
العالم الغربي مشدود الأنظار اليوم إلى إفريقيا حتّى أن الرئيس أوباما بدا محرجا أمام احتجاجات نقابة الممرضين والممرضات، واتّهام إدارته بالتقصير في اتخاذ الإجراءات اللازمة للحيلولة دون هجرة فيروس «إيبولا» إلى الأراضي الأمريكية بعد أن سقطت ضحية أخرى في مستشفيات أمريكا وتنقلها بكلّ حرية على متن طائرة تنتمي إلى الخطوط الداخلية.
أمّا إسبانيا فهي تسجل حالتها الأولى دون ضحية مؤكدة لحدّ الآن، وفي المطارات الأوروبية كذلك دخل فيروس «إيبولا» الإفريقي على الخطّ كمنافس قوي للإرهاب المشرقي والإسلامي، وصارت درجة حرارة المسافر باعتبارها أحد الأعراض المبكرة لهذا الفيروس الجهنمي ومتقلّب المزاج تعرّض صاحبها إلى الاشتباه به ووضعه في الحجر الصحي، مثل أيّ راكب آخر تحوم حوله الشكوك في علاقته بأحد التنظيمات الإرهابية، أو أنّ في أمتعته أمورا مريبة غير كاثوليكية على حدّ قول الأوروبيين.
تبدو إفريقيا اليوم كما لو أنّها مستقبل العالم، وما زالت تعد بالكثير ليس على مستوى حجم ثرواتها وخصب أراضيها، ولكن على مستوى ما هي في حاجة إليه من استثمارات في عدّة مجالات، من أهمّها الطرق والبنيات التحتية. فإفريقيا قادرة على أن تمنح للشركات الكبرى  تلك الجرعات من الأوكسجين الكفيلة بإنقاذها ممّا تتخبط فيه من جرّاء تفاعلات الأزمة الاقتصادية التي تخيّم أجواؤها على أوروبا. ورغم استيطان-إن لم نقل احتلال- العديد من الشركات الكبرى مناطق كبيرة، خصوصا في غرب إفريقيا تحتكر تصدير الخشب الرفيع وتدمّر آلاف الهكتارات، إضافة إلى معادن نفيسة مثل الماس والذهب.. فإنّ المواطن الإفريقي في هذه البلدان لا ينال شيئا منها، سوى تصدّره لائحة المهاجرين السريين إلى أوروبا.
فريقيا المنكوبة التي قال في حقها  فريديريك بايكبيدير: «أمامي إفريقيا وعن يساري روسيا وعن يميني أمريكا، الأولى تتضوّر جوعا والثانية طمعا والأخيرة تخمة». هي الآن تنتقم، وربّما كانت لفيروس «إيبولا» غيرة على موطنه فأعدّ هجومه القاتل على مستعبدي القارة بالأمس ومستغليها اليوم.
إنّ الأوبئة والجوائح كانتا دائما من العوامل الأساسية والحاسمة في تغيير وجه التاريخ. بالأمس كانت الإمبراطوريات والممالك تنهار في أوروبا بسبب الطاعون الأسود، كما أبيدت شعوب وقبائل في أمريكا الجنوبية والأمازون على الخصوص، بسبب الأنفلونزا التي حملها الغزاة الأوروبيون هدية إلى هذه الشعوب التي لم يسبق لها التعرف على فيروسها المجهول لديها. لقد استيقظ فيروس «إيبولا» بعد أن استهانت به أوروبا والعالم، لكن ما ينبغي لإفريقيا هي الأخرى أن تستيقظ  وتكفّ عن أن تكون لقمة سائغة وفرجة دائمة للعالم، وعلى حدّ قول الكاتب رومان كاري: «لن تستيقظ إفريقيا إلّا إذا  كفّت عن أن تكون مجرّد حديقة حيوانات للعالم».

المصدر: فلاش بريس = سعيد الباز
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 24 مشاهدة
نشرت فى 26 أكتوبر 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,821