http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

فلاش بريس= رشيد نيني

الراس المقطوع

على مبعدة أشهر من الانتخابات الجماعية يبدو كل شيء صالحا للاستغلال أمام محترفي الانتخابات.
رؤوس الأغنام، المناسبات الدينية، الأعياد، الأفراح والأتراح، كل شيء يفيد في جمع الأصوات من الآن.
وإذا كان من قرار يجب أن تتخذه وزارة الداخلية حرصا على انتخابات نظيفة، فهو منع المهرجانات من الآن وإلى نهاية الاستحقاق.
فهناك مهرجانات ستتم برمجتها خلال الفترة الباقية من متم هذه السنة، والتي في الغالب يتم استغلالها من طرف منظميها كدعاية للقادم من الاستحقاقات الانتخابية، وفي مدينة سوق السبت مثلا بإقليم الفقيه بن صالح، فالاستعدادات جارية على قدم وساق تحضيرا لمهرجان سينظم في أواخر أكتوبر، والكل يطمع في استثمار المهرجان والظفر بمنشطات انتخابية، يراها الساهرون على شأن المدينة الحل الأخير لإعادة بعض البريق إلى أسمائهم التي علاها الغبار.
ولقد أثارت المهرجانات التي تعرفها ربوع المملكة دائما موجة موازية من الانتقادات. البعض يعتبرها الحل الأنسب لمواجهة خطر التطرف بـ«الراسطا» وعنف السلفية بالموسيقى الروحية وقبح التكفير بسيقان نانسي عجرم ومؤخرة روبي.
والبعض الآخر يرى في هذه المهرجانات مجرد مناسبة لتعميم النشاط على الجميع إلى أن يشيط، من رائحة الشياط طبعا، وأن أصحاب هذه المهرجانات يساهمون في النهي عن المعروف والأمر بالمنكر. وقد قرأنا في الصحافة عن هذه الحروب التي تدور رحاها على صفحات الجرائد بين مؤيد للمهرجانات ومستنكر لها.
ويبدو أننا نحن المغاربة لا تصلح لنا كل هذه المهرجانات من فئة خمسة نجوم، فليس كل المغاربة عندهم القدرة على الحصول على الدعوات الخاصة التي تعطى بـ«الوجهيات» لحضور بعض الحفلات التي تقام على هامش بعض المهرجانات، وليس كل المغاربة لديهم القدرة على المجيء إلى قصر التازي أو نادي الغولف بلباس السهرة الذي يصفون لك شكله على ظهر الدعوة. وليس كل المغاربة عندهم سيارات لكي يسمحوا لأنفسهم بالبقاء إلى نهاية السهرة لكي يجدوا أنفسهم واقفين أمام المحطات المقفرة للحافلات العمومية في وقت متأخر من الليل، عرضة لسيوف قطاع الطرق أو لـ«مينوطات» رجال «لاراف».
وخلال سنوات السبعينات لم يكن المغاربة يعرفون من المهرجانات سوى مهرجان أصيلة ومهرجان الفنون الشعبية الذي كان يقام في مراكش. وكان المهرجان الوحيد الذي تعرفه مدن المملكة تحت رعاية وزارة الداخلية، هو «الأسبوع السياحي».
فكانت كل مدينة تنصب منصة بالقرب من مقر العمالة وتأتي بفرقة من الشيخات ليحركن عجيزاتهن السمينة طيلة أسبوع كامل أمام الشعب، عملا بحكمة «حرك الما يبان العطشان».
والذين يظنون أن المخزن رق قلبه وأصبح متسامحا مع رواد المهرجانات، وأصبح يسمح لهم بالشرب والممارسة الجنسية على الشواطئ بدون أي تضييق، لابد أنهم واهمون. فحتى مخزن السبعينات والثمانينات كان متسامحا مع سكارى وعاهرات الأسبوع السياحي، وكلما كان أحد المخازنية يبحث عن «خزيت» مع أحد السكارى، كان هذا الأخير يقول له إنه ناشط بسبب فرحه بأسبوع المخزن السياحي «ما لنا ما نخافوش، ما بقى حد ينشط مع المخزن»؟
والأسبوع السياحي كان في غالبه يمول من جيوب أصحاب الحوانيت، مثله مثل الحفلات التي كانت تقام بمناسبة الأعياد الوطنية. وكل قطاع حرفي كان ينصب خزانته ويدعو إليها فرقة من الشيخات، و«أراك للدرديك» إلى الصبح. وربما لهذا السبب أصبحت الوطنية عند المغاربة شعورا يصعب فهمه، وأصبح لدينا شباب يختصر الوطنية في منظر مغنية أو راقصة تلتحف العلم الوطني.
وقد كان حفظة القرآن هم الفرقة الناجية من سياسة «التشييخ» هذه، التي كانت تنهجها وزارة الداخلية على عهد من كان يسمي نفسه «سيدك إدريس»، فقد كانوا يجتمعون في خزانتهم حول جبال من الكسكس، وعندما يخسفون بتلك الجبال ويجعلون عاليها سافلها، يمسحون أفواههم بأطراف جلابيبهم البيضاء ويشرعون في «تخراج» السلكة إلى الفجر.
وفي طريقهم إلى المسجد يرون سكارى الأسبوع السياحي يترنحون في الشوارع، منهم المعربد الذي أيقظت فيه الدوخة عقدة نائمة، ومنهم الباكي الذي تذكر حبا قديما، ومنهم الموظف البسيط الذي يريد فقط أن يغرق همه في زجاجة «بولبادر» بانتظار مرتب آخر الشهر.
وبالنسبة لنا نحن مراهقي تلك السنوات، لم تكن تثيرنا منصات الشيخات المنصوبة على طول الشارع الرئيسي، بالقدر ذاته الذي كانت تثير موظفي المخزن وبقية المواطنين. فقد كنا نفضل عليهم الموسم الذي كان يأتي مع الصيف وينصب خيامه على أطراف المدينة، بجانب قبر الولي سيدي محمد بنسليمان، «شاي الله أرجال لبلاد»!
وكان الموسم هو مهرجاننا الثقافي الحقيقي، حتى قبل أن تظهر وكالة نايلة التازي وجمعية فاس سايس وجمعية مهرجان الرباط. وعندما أقرن الموسم بالثقافة فليس من باب المزاح، فقد كان الموسم مناسبة لنا نحن مراهقي ذلك العهد لكي نتفرج على «السوليما»، تماما كما يحدث الآن في مهرجان «المنطرش» السينمائي بالرباط، حيث يكون بوسع زبائن المهرجان متابعة أفلام سينمائية أجنبية تأتي للمشاركة في مسابقة المهرجان، أو بالأحرى تأتي من مصر لتتسلم جوائز المهرجان بالمال المغربي السائب الذي يعلم السرقة، وعندما يرجعون يشتموننا ويتهموننا بأننا شعب منافق وبين كل عشرة منا هناك ثمانية أصلهم يهود.  
وإلى جانب «السوليما»، كان الموسم أيضا مناسبة لمشاهدة المسرح، ولعل المسرحية الأكثر شهرة آنذاك لم تكن إحدى وصلات «أناري جابها فراسو» لثريا جبران وهي تجسد منظر قروية تكتشف مزايا «شابو بوطاغاز»، ولكن بالضبط مسرحية «الراس المقطوع» التي شاهدها تقريبا كل المغاربة خلال فترة ما من حياتهم.
بالإضافة إلى المسرح، كان هناك أيضا «حائط الموت» وبطله الأسطوري علي بلحوسين، الذي كانت الدعاية لعرضه تذاع عبر البوق هكذا: «أزيدو آلوليدات أزيدو آلعيالات، اليوم كاين علي بلحوسين الساني عالموت وهوا فالحياة».
والفرق الوحيد الذي يوجد بين «السوليما» التي كنا نتفرج عليها، والسينما التي يتفرج عليها جمهور الرباط، هو المقاعد. ففي الوقت الذي يجلس المتفرجون في الرباط داخل قاعات مكيفة وفوق كراس مريحة، كنا نحن نفترش تربة «التيرس» السوداء التي تكون قد شقتها للتو محاريث الفلاحين بعد الحصاد. وكانت شاشة «السوليما» عبارة عن إزار أبيض ينصبه رجل يأتي بسيارته من مكان ما، بعد أن يقضي النهار كله متجولا ببوقه بين أزقة المدينة، معلنا عن برنامج أفلامه «السوليمائية»، بينما نحن نتراكض خلفه وأعيننا الصغيرة على قطع «الكاراميل» والشوكولا التي يرمي بها بين إعلان عن فيلم وآخر.
وعندما يحل الليل نجتمع حول سيارته في الموسم، منتظرين بفارغ الصبر أن يخرج آلته العجيبة التي ترسل ذلك الضوء الباهر والسحري نحو الإزار، فيتحول شعاع الضوء ذاك إلى صور وكلمات ولكمات وخيول تتراكض وقبلات حارة بين الولد والبنت، نبلل بسببها سراويلنا بذلك الماء الطفولي الغريب الذي نمتحن به رجولتنا المبكرة في تلك المراهقة الشاقة التي كانت تشتعل لمجرد قبلة تافهة في إزار أبيض.
وقد كان هذا المهرجان «السوليمائي» شعبيا جدا، إلى درجة أن البدو كانوا يغادرون خيامهم ويأتون و«يقردون» أمام الإزار، فاتحين أفواههم باندهاش بسبب ما يرونه أمامهم من معارك وملاكمات ونساء هنديات يرقصن بغنج ويغمزن بعيونهن السوداء، إلى درجة أن لفافات تبغ «فافوريط» كانت تحترق بين أصابع بعضهم، بسبب غيابه عن الوعي وذهاب مخيلته وراء الهنديات الجميلات، فلا يعود إلى الواقع إلا ورائحة زغب أصابعه قد انتشرت في المكان.

 

المصدر: فلاش بريس= رشيد نيني
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 38 مشاهدة
نشرت فى 29 سبتمبر 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,686