فلاش بريس = محمد الأشهب
وقفة على الحدود مع الجزائر
مبادرة الكتلة الاستقلالية في البرلمان، لجهة تنظيم وقفة احتجاجية على الشريط الحدودي المغلق بين المغرب والجزائر، ترتدي أهميتها من كونها صادرة عن حزب سياسي، عرف إلى جانب فصائل الحركة الوطنية بالدفاع عن قضايا الوحدة والسيادة، إضافة إلى أنها تندرج في إطار مبادرة شعبية تعكس الوعي بضرورة تنقية الأجواء وتكريس مبادئ حسن الجوار في العلاقة بين المغرب والجزائر.
الأصل في الدعوات المتوالية لمعاودة فتح الحدود، أنها مطلب شعبي قبل أن يكون رسميا، وإذا كانت السلطات وحدها تملك صلاحية اتخاذ القرار، فإن الأضرار الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي لحقت بساكنة الحدود المغربية ـ الجزائرية وبمحور العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف، أبانت عن جسامة الأخطاء التي ترتبت عن قرار إغلاق الحدود من طرف واحد. ليس أقلها أنه يتنافى وقيم الانفتاح والتفاعل وتعزيز روابط المودة والإخاء.
اللافت في المبادرة أنها تصدر عن الحزب الذي شارك إلى جانب جبهة التحرير الجزائرية والحزب الدستوري التونسي في مؤتمر طنجة لعام 1958 الذي أقر اللبنات الأولى لبناء الوحدة المغاربية. وكانت القضية المحورية التي انصب عليها المؤتمر تكمن في دفع كفاح الشعب الجزائري من أجل الاستقلال، أي أنه ربط خيار الوحدة المغاربية بالاستقلال السياسي والاقتصادي. وعلى رغم تباين الرؤى إزاء بناء مرحلة الاستقلال بين الأقطار المغاربية الثلاثة، فقد ظل هاجس البناء المغاربي يسيطر على كل الاهتمام. بخاصة في ضوء تأسيس روافد داعمة لهذا التوجه، ركزت على البعد الشعبي والسياسي والثقافي، مثل اتحاد كتاب المغرب العربي، واتحاد النقابات المغاربة واتحاد المحامين المغاربيين.
على امتداد الأعوام الماضية، وتحديدا منذ انتكاس الاتحاد المغاربي لم تفتر المحاولات الشعبية التي تمثلت في عقد لقاءات بين الفاعليات الحزبية، لكنها لم تثمر تقدما بارزا، لأن العطب يوجد في العقل السياسي الرسمي، ونعني به إصرار السلطات الجزائرية على ضرب مقومات أي توجه وحدوي في المنطقة المغاربية، لاعتبارات غير خافية. ولعل أبرز تجليات التناقض هو أن الحديث من البناء المغاربي لا يستقيم ولا يكون له أي معنى في غضون سريان مفعول إغلاق الحدود. لأن ذلك يعاكس إرادة الانفتاح وحسن الجوار ويلغي حرية تنقل الأشخاص والبضائع التي تعتبر من مقومات التكامل والاندماج.
لا ينسحب التناقض الجزائري على محور العلاقة مع المغرب التي يمكن أن تخضع لقوانين المد والجزر، ولكنه يطال العلاقة بين السلطة والشعب الجزائري الذي لا يمكن إقناعه بوجاهة قرار يقص جناحيه في الانفتاح على جواره التاريخي. فقد باءت بالفشل كافة محاولات نقل الصراع المغربي ـ الجزائري إلى دائرة الشارع الجزائري. من جهة لأن قضية الصحراء ليست قضية الشعب الجزائري، ومن جهة ثانية لأن روابط الأخوة والمودة أكبر من أن تنال منها حواجز الحدود المصطنعة.
أن يتظاهر مناصرو الاستقلال أمام الشريط الحدودي، فالأمر في غاية الحيوية، لأنه يوجه رسالة قوية إلى الشعب الجزائري، مفادها أن لا شيء يفرق بين الشعبين، عدا أنها تتوجه نحو إلقاء المسؤولية على الطرف الذي يقف وراء اتخاذ القرار وعدم التراجع عنه. فقد تمكن البلدان في وقت سابق من إزالة الأسباب التي أدت إلى توتر العلاقات في جانبها الذي يشمل واقع الحدود. أي إلغاء نظام فرض التأشيرة الذي كانت أملته اعتبارات أصبحت اليوم متجاوزة. غير أن ذلك لم يسعف في إلغاء الوضع الاستثنائي، ما يعني أنه أريد لأهداف وغايات أكبر من تلك التي حتمت فرض «نظام التأشيرة».
في مبررات جزائرية رسمية لا تستند إلى وقائع أن الحدود تجلب مخاطر التهريب وانتشار المخدرات والهجرة غير الشرعية. السؤال، هل إن إغلاقها وضع حدا لهذه الظاهرة التي لا يكاد يسلم منها أي مجتمع؟ جواب ذلك أن الجزائر الرسمية تخشى الانفتاح وأصبحت لها حساسية زائدة إزاء كل ما هو مغربي. وفي الوقت الذي كان يعول على أن تشكل الحدود مجالا للتعاون ونقل التجارب وتفاعل الخبرات وإقرار مبدأ التكامل والتعاون والاندماج، لجأت الجزائر الرسمية إلى الاحتماء بجدار الحدود المغلقة.
في أي حال فالمبادرات الشعبية حين تصدر عن فعاليات حزبية أو نقابية أو تنظيمات المجتمع المدني يكون لها التأثير المطلوب. وحبذا لو يوازيه شيء من هذا القبيل تقوم به فعاليات جزائرية، لأن القضية في جوهرها تمس مصالح الشعبين الشقيقين.



ساحة النقاش