كاتبة و صحفية
«باديس» الشجرة التي تخفي الغابة
يعتبر الغش أحد أخطر أنواع الاحتيال، لكن حين يكون الغش صادرا عن مؤسسة تابعة للدولة، فإن تأثيره يصبح مضاعفا سواء على صورة المؤسسة أو الدولة. ولدى صدور البلاغ الوزاري الذي يحمل توقيع ثلاثة وزراء هم الداخلية والاقتصاد والمالية حول فتح تحقيق في الاختلالات التي رافقت إنجاز مشروع سكني يعرف باسم باديس في منطقة الحسيمة تشرف عليه الشركة العامة العقارية التابعة لمجموعة صندوق الإيداع والتدبير، قفزت إلى ذهني كل المشاريع الضخمة التي تنوي هذه المؤسسة العملاقة إنجازها في إفريقيا.
وبطبيعة الحال، فإن مسار التحقيقات التي فتحت لتحديد المسؤوليات والتدقيق في ما شاب المشروع من اختلالات مالية وأخرى تقنية لن يتابعه فقط المتضررون من هذا المشروع السكني الكبير، خصوصا في أوساط المهاجرين، ولكن أيضا المستثمرون المتنافسون على الكعكة الإفريقية التي تسيل لعاب مستثمري العالم، وفي مقدمتهم رجال الأعمال الصينيين الذين يستثمرون في أكثر من خمسين دولة إفريقية.
وإذا كانت الشركة العقارية التي يوجد بعض مسؤوليها رهن التحقيق تطمح للتمدد في بلدان إفريقية عديدة أبرزها السنغال وبوركينا فاصو والكوت ديفوار والغابون ونقل خبرتها في بناء المجمعات الحضرية إلى هناك، فلا بد أن تستحضر أن صورتها تسبق منجزاتها. خصوصا أنها تريد مقارعة كبار الشركات التي تستثمر ملايير الدولارات ليس فقط في البناء والزراعة ولكن أيضا في مشاريع اجتماعية هدفها قلوب الأفارقة قبل جيوبهم.
لكن إذا كان صندوق الإيداع والتدبير سيفشل في تدبير مشروع سكني داخلي لا يفي خلاله بتعهداته إزاء مقتني العقارات حسب المواصفات التي تتضمنها عقود التملك، فكيف يريد هذا الذراع المالي للدولة أن ينافس شركات عملاقة من الصين وغيرها على الأرض الإفريقية؟ فرأسمال الشركات هو النزاهة والوفاء بالالتزامات واحترام العقود والآجال المتفق عليها بما يفتح لها الأبواب مشرعة للاستثمار أكثر سواء في الداخل أو الخارج. وإذا كانت مثل هذه الاختلالات تصدر عن شركات كبرى، فماذا تركت للشركات الصغرى والمقاولين المبتدئين وأي دروس يجب استخلاصها من هذه الفضيحة العقارية؟
إن كشف التحقيقات عن وجود أعطاب فنية في البناء تشمل تسرب المياه وضعف شبكات الصرف الصحي وتهالك قنوات التطهير لن يكون مفاجئا بالنسبة لكثير من المغاربة الذين تعودوا أن يقتنوا شققا أعطابها تتفوق على محاسنها. وحتى الشركات التي تدعي أنها تبيع شققا من الصنف الرفيع تبيع الوهم للمغاربة الذين يلوذ كثير منهم للصمت. ونادرا ما تجد متضررين يطرقون باب القضاء، إما لاعتقادهم أن تلك الشركات الكبرى ستهزمهم بنفوذها، وإما لعدم امتلاكهم نفس طول المعركة في المحاكم. وأكثر ما يفعلون أنهم يشكون أمرهم لله ويقصدون أقرب سباك لإصلاح ما لم تنجزه الشركات. لكن المشكل أن السباك لا يمكنه مد قنوات الصرف الصحي ولا وقف التشوهات التي تطال البنيان الداخلي للعقار.
وإذا نجح مواطنون متضررون في أن يبلغوا شكواهم للملك بخصوص الأعطاب التي أصابت عقاراتهم ضمن المشروع السكني الموجود الآن تحت مجهر التحقيق، فإن آخرين لا يزالون يتخبطون في مآسي لا حصر لها مع شركات العقار الصغيرة والكبيرة. وكم من مواطن سعى لامتلاك قبر الحياة، فدفنته الحسرة بعدما ضاع ماله ولم يتحقق حلم امتلاكه لبيت. ولو كانت هناك إحصاءات دقيقة بأعداد النزاعات القضائية حول المساكن، لاكتشفنا حجم المتاهة التي يتخبط فيها المشترون دون أن يتمكنوا من انتزاع حقوقهم. فهناك بيوت تباع لأكثر من مقتني، وهناك من يعرض تصاميم سرعان ما تتبدد عند الإنجاز، وهناك أيضا من يزيد في أعداد الطوابق فيحول المبنى لمقبرة جماعية تهوى على رؤوس ساكنيها. لم تعد هناك حرمة للمساكن ولا لأصحابها. لأن البناء اعتراه الغش في المواد والهندسة ومعايير الجودة وتحريف التصاميم، ولأن المقاولات أصبحت تسعى وراء الربح والاغتناء السريع الذي لا يقيم وزنا للحياة البشرية. هي باختصار حالة فوضى ضاربة الأطناب، كلها تستصغر قيمة وحياة الإنسان أمام مظاهر الاغتناء غير المشروع .
ولأن أكثر أنواع المآسي تأتي من الجشع، فإن الغش ليس سوى واجهة لتصريف عيوب الفساد المستشري الذي لا يتوقف عند فضائح العقار، وإنما يتسع لتطال صنع الأغذية والمواد الاستهلاكية وانفجار السخانات وقنينات الغاز، حتى أصبح الأمر أقرب للظاهرة التي جرى التطبيع مع فصولها بعدما لم تنج منه حتى الامتحانات التي باتت تتطلب جيشا من المراقبين، مع أن الغش في التحصيل الدراسي من أخطر الأنواع التي تهم تأهيل العنصر البشري.



ساحة النقاش