محمد الأشهب
كاتب و صحفي
التدبير الجماعي
بعض الجدل المثار حول حالات التنافي لدى رؤساء الجماعات المحلية، أقرب إلى شجرة تحاول إخفاء الغابة. ففي النهاية لا تبدو التجربة مشجعة، على رغم ما تحفل به القوانين التنظيمية، منذ الميثاق الجماعي لعام 1976. لو كان الأمر غير ذلك لما تطلب من أعلى سلطة في البلاد أن تجاهر باستمرار مظاهر التناقض والحيف بين أحياء المدينة الواحدة على مستوى الفوارق الشاسعة، بل لما احتاج إلى إقرار إجراءات مثل مبادرة التنمية البشرية، لأن من أولى مهام الديمقراطية المحلية العمل على تنمية الجهات والأقاليم والتخفيف من حدة الفوارق وتركيز الاهتمام على الأوضاع المحلية، في الإنارة والماء والمواصلات والقضايا الاجتماعية، وأنواع الخدمات المرتبطة بتقريب الإدارة من المواطنين، وملامسة ثمار الديمقراطية الأكثر قربا.
لا يعني ذلك أن رؤساء ومكاتب الجماعات يتحملون المسؤولية وحدهم، فالعلاقة مع السلطة المحلية وصلاحيات وحدود التدبير المحلي والرقابة القبلية والبعدية كلها قضايا يتعين مواكبتها، عبر تطوير الآليات ودعم روح المبادرة والبحث في إغناء المواد التي بدونها يصعب تحقيق المشاريع المنتجة. غير أن ذلك لا ينفي أن الدولة اهتمت تنظيميا وإجرائيا بإغناء موارد الجماعات المحلية، من خلال تخصيص نسبة عالية من مداخيل الضريبة على القيمة المضافة، أما كيف تصرف وما هي الطرق التي تتبعها فتلك قضية أخرى. لكن الإقرار بحاجة جماعات فقيرة إلى الدعم والتضامن من طرف الجماعات ذات الموارد الإضافية، يعكس جانبا من سوء توزيع الثروة، ويصعب أن يطلب إلى جماعة بموارد ضعيفة ومحدودة القيام بالدور المنوط بها. فيما أن ميزانية التسيير في جماعات أخرى تلتهم القدر الأكبر من الموارد، عوض أن تكون مخصصة للتجهيزات والنهوض بأوضاع الأحياء والمدن والمراكز الحضرية الصغيرة.
هذه أشياء ونواقص لا يمكن الالتفاف عليها، وبالقدر ذاته لا يمكن إغفال مظاهر سوء التدبير والإفراط في هدر الإمكانات، بدليل أن تقارير مفتشيات السلطة الوصية ما فتئت تعرض إلى الاختلالات الكبرى التي تشمل أوجه التدبير الجماعي في مناطق عدة. وليس العزل أو المتابعة القضائية لمنتخبين محليين سوى الوجه القبيح لممارسات آن لها أن تنتهي بالنظر إلى العمر غير القصير للتجربة المحلية.
إذا كانت البلاد مقبلة على معاودة هيكلة البناء المحلي عبر تنفيذ تجربة طموحة تتمثل في إقرار النظام الجهوي الذي يمنح صلاحيات واسعة للجهات، بهدف تخفيف الأعباء عن السلطة المركزية أو هذا ما يفهم من الرهان، فإن مشروعا بهذه الأهمية يتعين إحاطته بالمزيد من الضمانات. وفي مقدمتها انتقال التدبير الجماعي إلى مستوى عصري وعقلاني يتماشى وروح الابتكار والمبادرة وتطوير آليات العمل، بما يضفي الفعالية والمردودية على خيار الجهوية المتقدمة. والأكيد أنه ليس باستنساخ التجارب المحلية التي لا تواكب هذا المنظور يمكن تحقيق الأهداف المنوطة بالتجربة الجديدة.
يبقى النقاش الدائر حول حالات التنافي مطروحا. لأنه مهما كانت كفاءات النخب المحلية المنتخبة، فإن كثرة انشغالاتها، نظريا على الأقل، توزع الجهود بطريقة لابد أن تتضرر منها الجماعات المحلية، خصوصا إذا كان المسؤول الأول نائبا في البرلمان أو وزيرا أو يتحمل مسؤوليات إضافية. فقد يساعد وضعه في المؤسستين التشريعية والتنفيذية في تسهيل بعض المهام، من خلال محاورة الإدارة عن كثب والاقتراب إلى قنوات القرار الوطني والمحلي، إلا أن العمل الجماعي يفترض أن يستغرق الجانب الأكبر من الاهتمام، كونه ينصرف إلى متابعة القضايا اليومية الملحة للمواطنين التي لا تحتمل الإرجاء.
يزداد الأمر ثقلا حين يتحمل مسؤول الجماعة المحلية مهمات إضافية في مكتب مجلس النواب مثلا أو على رأس إدارة قطاع حيوي، ما يحتم الحسم في حالات التنافي، من خلال ترجيح أحد الخيارين، إما الانشغال بالهاجس المحلي أو الاضطلاع بمسؤوليات أخرى. وإذا كانت هناك مؤاخذات وانتقادات حول استمرار هيمنة السلطة المحلية أو إفراغ العمل الجماعي من مضمونه، فإن تلك قضايا يمكن مباشرتها عبر القنوات التشريعية والإدارية. لكن مسؤوليات الأحزاب السياسية والنخب المحلية في اختيار ترشيح الكفاءات وعدم الإذعان إلى منطق الولاءات يشكل تحديا لا مناص من مجابهته. ومن غير اللائق أن يتولى إدارة الشؤون المحلية أناس كل همهم أن يكونوا في مراكز الواجهة، لأنهم يملكون وسائل التأثير في استمالة الناخبين، إما بحكم نفوذهم المحلي أو المالي أو غير ذلك. ففي بلد ارتفع فيه مستوى التعليم وبات يخرج أفواج العاطلين من حملة الشهادات الجامعية الذين لا يجدون منافذ العمل، أن يوكل تدبير أوضاع الجماعات إلى من هم غير مؤهلين لذلك. فالطابع الانتخابي لهذا الاختيار الذي يستند إلى عوامل ذاتية أحيانا لا يبرر استمرار حالات العجز وعدم القدرة على التدبير الملائم لقطاع بكل هذه الأهمية.
مشاكل الجهات واضحة. وما بين الرهان الاقتصادي واستفحال أزمات اجتماعية، يصبح للجماعات المحلية مسؤوليات أكبر، بخاصة في ضوء الانتقال إلى التجربة الجهوية، وكل نقاش خارج تفعيل الديمقراطية المحلية يظل خارج السياق.



ساحة النقاش