كاتبة و صحفية
جلباب نبيلة ينقذ بنكيران
كانت نجلة رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران أشجع منه ومن صقور الحزب الحاكم، حين علقت على الصورة التي جمعت والدها بالرئيس الأمريكي باراك أوباما في البيت الأبيض، بالقول إنها لا تطيق ذاك الذي وقف بنكيران إلى جانبه، وكانت تعني أوباما، وردت على من رمى بالصورة التي تجمع والدها برئيس أقوى دولة في العالم فوق جدارها على فايسبوك بقسوة افتقدها قياديو حزب العدالة والتنمية، حيث قالت «المشكلة، ما عنديش مع السيد لي مع الوالد»، قبل أن تضيف «ونحاسبوه أمام الله على دماء خوتنا فغزة»، وقد سعت مع ذلك لإيجاد تبريرات لوالدها لالتقاطه تلك الصورة بالقول «السياسة وما تدير وصافي، الله يعفو علينا منها».
ولعلها لم تستوعب ما تفعله السياسة بالسياسيين، أو بالأحرى ما فعلته السياسة بوالدها حتى جعلته يبتسم لأوباما الذي سمح بتدمير غزة وقتل نحو ألفين من سكانها وإصابة ما يربو عن عشرة آلاف آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، مطالبا أعضاء الكونغرس بمزيد من الأموال لإطلاق يد إسرائيل التي تبطش بها، علها تأثر من المقاومة الفلسطينية التي أدان الرئيس الأمريكي أسرها لجندي إسرائيلي واحد، بينما لم يحرك ساكنا إزاء مجازر بالجملة ارتكبت في حق شعب أعزل.
والحقيقة أن الصورة التي التقطت لرئيس الحكومة وزوجته نبيلة إلى جانب الرئيس باراك أوباما وعقيلته ميشال لم تصل لجدار نجلة بنكيران فقط، ولكنها أرسلت للجميع. وحين وصلتني من الطاقم المشرف على تسويق صورة رئيس الحكومة، تساءلت كيف جاء المضمون فارغا إلا من الصورة، وهو ما يعني أن باعثي الرسالة يعتقدون أن الصورة كافية وأن بإمكانها أن تنوب عن السياسة، لولا أن أقوى انتقاد لها انطلق من عقر بيت رئيس الحكومة.
وفيما كان يفترض أن يتم الانشغال بفراغ المضمون السياسي المرافق لصورة بنكيران مع أوباما، راح الجميع يعلق على طبيعة اللباس الذي كانت ترتديه زوجة رئيس الحكومة، مع أن السؤال ليس حول تفصيلة الجلابة وإنما حول تفاصيل الحوار الذي كان يفترض أن يدور بين رئيس الحكومة والرئيس باراك أوباما. وإذا كان الوقت المخصص لالتقاط مثل هذه الصور البروتوكولية لا يكفي لتبادل أطراف الحديث، فإن الثواني التي كان يشرح فيها بنكيران لأوباما أنه لا يجيد اللغة الإنجليزية كانت كافية ليبلغه رسائل مختصرة تترجم غضب الشارع المغربي وإدانته لوقوف الإدارة الأمريكية الدائم إلى جانب الجلاد الإسرائيلي ضد الضحية الفلسطينية، وإشعاره أن الشارع تحرك ثلاث مرات في المغرب تضامنا مع غزة، وأن حدة الاحتقان وصلت لحد رفع محامين ونشطاء دعوى قضائية ضد السفاح الإسرائيلي المنحدر من مراكش سامي ترجمان، الذي يشغل منصب قائد المنطقة العسكرية في إسرائيل، وهي الدعوى التي يأمل هؤلاء أن يحركها وزير العدل والحريات مصطفى الرميد بوصفه رئيسا للنيابة العامة انسجاما مع مواقف حزبه ومواقفه الشخصية قبل توليه المسؤولية الحكومية.
وإذا كان بنكيران فضل ممازحة أوباما على إلقاء اللوم عليه وإطلاق ضحكته في البيت الأبيض الذي تنطلق منه سياسات التحكم في العالمين العربي والإسلامي، فالمؤمل حقوقيا وشعبيا أن لا يحذو الرميد حذوه وأن يحرر يد النيابة العامة لتحاصر الجنرال الإسرائيلي وتفضح جرائمه، حتى تكون مواقف حزب العدالة والتنمية منسجمة مع قراراته الحكومية.
واللافت أن ينشغل برلمانيو ووزراء الحزب الحاكم بالرد على تعليقات الفايسبوكيين المنتقدة لظهور زوجة بنكيران بالجلباب التقليدي في الصورة مع أوباما ومطالبتها بارتداء ما يليق بالمناسبة على غرار زوجة رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان، في حين كانت اللحظة السياسية تقتضي أن يثيروا انتباه زعيم حزبهم للرسائل المفروض أن يوصلها لأوباما عن الغضب الشعبي مما اقترفته إسرائيل من مذابح في حق الشعب الفلسطيني. لكن يبدو أن جلباب السيدة نبيلة بنكيران أنقذ ماء وجه صقور وحمائم الحزب الحاكم، وهكذا عوض أن ينتقد الإعلام المسكوت عنه في زيارة بنكيران إلى أقوى دولة في العالم، والرسائل السياسية الضائعة في الطريق، راح ينبش في تفاصيل هامشية من قبيل ألوان وثوب وتقطيعة جلباب تقليدي.



ساحة النقاش