عبد العزيز الرماني
صحفــــــي
مأتم الحرية
تحت عنوان «رئيس الحكومة المغربية يتهم الصحافة بالكذب»، نشرت صحيفة «التونسية» في تونس يوم السبت الماضي، الخبر التالي: «هاجم رئيس الحكومة في المغرب عبد الإله بنكيران الإعلاميين المغاربة موجها لهم تهمة «ممارسة نقد غير موضوعي يصل إلى التشهير»، ولم يقدم رئيس الحكومة أسماء الصحافيين، ولا أسماء المؤسسات الإعلامية التي ينتقدها، وقد وصفهم في خرجته الإعلامية الرمضانية بأنهم «معروفون ومحميون»، معلنا «عدم احترامه وتقديره لهؤلاء الصحافيين».
وقال بنكيران «الذي يزعجني في الصحافة هو البهتان.. هناك صحافة تكذب.. وهناك أياد خفية تحرك الصحافة عبر نوايا جد سيئة»
وواصل بنكيران في تصريحاته لموقع حزبه «كلامه الناري» ضد الصحافة، قائلا: «يمكن أن تُسْتغلوا اليوم، وتكذبوا على رئيس الحكومة، وتكسبوا المال إلا أنكم تقتلون مصداقيتكم» وفق تعبيره.
لا نريد التعليق على ما نشرته الصحافة في الخارج نقلا عن موقع حزب العدالة والتنمية، فنحن مقبلون على قانون جديد للمهنة الصحفية؛ له ما له وعليه ما عليه. لكن نفضل أن نقتفي آثار رؤساء حكوماتنا السابقين لنتعقب علاقاتهم بصاحبة الجلالة.
كان المعطي بوعبيد يختزل العمل الصحفي في جريدتي «رسالة الأمة» و«لوميساجي»، ولم يكن في حاجة لشغل نفسه بالقراءة اليومية، بل كثيرا ما كان يكتفي بما تطبعه نادية البرادلي أو ما يحرره محمد الأشهب. أما كريم العمراني فقد كان من عشاق رسوم الأطفال المصورة في الصحف والمطبوعات المتخصصة. وحين سأله أحد السياسيين عن حجم معرفته بالصحفيين، أجابه ضاحكا: «أعرف صحفيا واحدا مشهورا، يجوب العالم بكامله، ويتقن كل اللغات، وهو مستعد دائما لحل المشاكل المستعصية بذكاء».
وحين اشتد فضول السياسي لمعرفة من يكون هذا الصحفي، فاجأه كريم العمراني بكونه «تان تان» بطل مغامرات الرسوم المصورة التي ابتكرها الرسام هيرجيه سنة 1929، وظلت حكاياته تجوب العالم من يومها. وبالنسبة لعبد الرحمان اليوسفي فقد كان يعتمد كثيرا على جرائد حزبه لقراءة الأخبار،إضافة إلى بعض الصحف الفرنسية المفضلة لديه. وكان مولعا بقراءة مراسلات الصحفي الراحل محمد باهي من باريس، ويوم سلم لهذا الأخير مسؤولية الإعلام الحزبي، قال له مشددا: «يجب أن لا تنسى أننا خسرنا يوما جريدة «المحرر» لكننا لم نربح بعد جريدة «الاتحاد الاشتراكي»».
أما إدريس جطو وعبد اللطيف الفيلالي، فكانا يكتفيان بقراءة التقارير الصحفية والنشرات اليومية التي تهيئها لهما مصلحة الصحافة، وهما لا يختلفان كثيرا عن وزير الدولة في الداخلية إدريس البصري الذي كان يهتم بالقصاصات وبتلقي تقارير شفوية عما تكتبه الصحافة، عبر الهاتف من مساعديه.
وبالنسبة للاستقلالي عباس الفاسي؛الرجل الذي عرف بهدوئه الكبير،وبتحاشيه للكثير مما تكتبه الصحافة؛ فهو يكتفي بتتبع سير الحياة السياسية اليومية، ويتلقى الأخبار من مقربيه، وكان يحمل معه الصحف إلى منزله، لكنه كثيرا ما لا يجد الوقت للاطلاع عليها.
لتأخذنا الرحلة إلى عبد الإله بنكيران الذي يختلف كليا عن سلفه، فهو يقلب الجرائد من كل جانب، ويترصد الكلمات المطبوعة في كل ما تسره وما تجهر به، بل يحكي المقربون منه أنه مهووس بتتبع دقائق الأمور.
هي جولة بسيطة فقط نقلتنا على بساط الكلمة من عهد بوعبيد إلى عهد بنكيران، وهو تاريخ قريب يمتد من سنة 1979 إلى اليوم. وما دام رئيس حكومتنا منشغلا بدقائق ما ينشره الإعلام من أخبار وتعاليق، فلا بأس أن ننقله إلى تاريخ أبعد وبلد آخر، لنذكره بحكم محكمة الجنايات بمصر الذي صدر سنة 1924، والذي جاء في منطوقه: «وما دام سعد زغلول اعتلى رئاسة الوزراء، وتعرض للعمل العام، فيجب أن يتحمل النقد. وبه وعليه، فمن حق الصحفي أن ينتقد الحاكم، وأن يقول عنه ما يقول..». والقصة أن الصحافي الأديب الدكتور محمد حسين هيكل، نشر في «السياسة الأسبوعية» هجوما قاسيا على رئيس الوزراء سعد زغلول؛ واتهمه بأنه نصاب ومشعوذ ودجال وأفاق، وأنه خان ثقة الشعب. فلم يتحمل زغلول هذا الهجوم، خاصة أنه كان زعيما للثورة،ومعبودا للجماهير.والتجأ إلى القضاء فكان الحكم كما ذكرناه.وقد فاه بالحكم الأستاذ طلعت باشا؛رئيس محكمة الاستئناف، ورافع من أجله المحامي توفيق دوس باشا.
وقد صادف يوم المرافعة وفاة شقيق المحامي توفيق دوس، لكنه فاجأ الجميع بحضوره،وبدأ مرافعته التاريخية قائلا:«تركت مأتم أخي .. وأي أخ ذاك الذي رحل.. وجئت لأحضر مأتم الحرية».



ساحة النقاش