http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

 

 

 

محمد الأشهب

 

كاتب و صحفي

 

القتل في العقيدة الإسرائيلية 

 

تخمد الحروب عادة، عندما تتوقف خزائن التمويل عن مد الفرقاء بالسلاح والمال. أكانت دولا أم لوبيات أم تنظيمات، وثبت في كل الحروب العدوانية الإسرائيلية أن هذا الكيان لا يشتكي من شح المساعدات المالية، ولا من نقص تدفق الأسلحة المتطورة، ولا من قدرته على إنتاجها وتسويقها. لذلك لم يكن غريبا لجوء تل أبيب إلى شن العدوان لإبراز تفوقها العسكري، بغاية أن تصبح لاعبا أساسيا في سوق تجارة السلاح، ونقض المبادئ والتعهدات.
في مقابل القناعة السائدة بأن لا مستقبل لسلام الشرق الأوسط خارج العملية السلمية التي تجسدها المفاوضات، تأبى إسرائيل إلا أن تمارس سياسة الهروب إلى الأمام، بهدف التخلص من كل الالتزامات التي تطوقها. وبعد أن حشرت في الزواية، على خلفية مقتل الطفل الفلسطيني أبو خضير، بطريقة تعكس ذروة الوحشية والاستهتار واستباحة الأرواح عنوة ومع سبق إصرار، لجأت إلى التصعيد العسكري، كما تفعل دائما كلما وجدت نفسها في موضع إدانة وعزلة. فهي تعمل دائما بقاعدة إغراق الأزمات في تشعبات والتباسات للعودة إلى نقطة الصفر.
جاء الرد الفلسطيني قويا وحاسما، مفاده أن الصواريخ الفلسطينية يمكن أن تصل إلى أبعد مدى، وأن ما تتصوره إسرائيل أمنا نتيجة فرض الأمر الواقع، عبر التعنت والغطرسة والعدوان، مجرد وهم، طالما أن الاحتلال قائم ومستمر، ما يعني أن إسرائيل لم تنسحب من غزة شكليا، إلا لكي تبقيها تحت نوع أفظع من الاحتلال الذي يقوم على سياسة الحصار والتجويع والتبعية المطلقة، حيث تتحكم في دواليب الحركة الاقتصادية ـ على بساطتها ـ كما تسيطر على الإدارة وصرف أجور العاملين وضآلة الخدمات الاجتماعية وسط الاختناق.
كل الكلام عن الهدنة والعودة إلى ما بعد انفلات السلاح بلا معنى، مادامت شروطه لا تحقق الحد الأدنى من الشعور بالحرية والتخلص من الاحتلال. وهل هناك أكثر فظاعة من أن تفرض إسرائيل شروطها على الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني، وترهن العودة إلى المفاوضات بفك الارتباط بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس؟ أي مفاوضات هذه التي تضع استمرار الانقسام في الجسد الواحد، شرطا لاستئنافها؟ وعن أي جدول أعمال يمكن التحاور، إذا كان مجرد التحام الصف الفلسطيني خطا أحمر لا يتعين الاقتراب منه؟
المسألة في غاية البساطة، تخص تكريس مفهوم الانقسام، والعدوان الموجه ضد المدنيين في غزة يروم خلق قطيعة بين الفلسطينيين، كما لو أن هناك من يقبل بالاحتلال ومن يرفضه. مع أن الموقف ذا طبيعة مبدئية، لكن التطورات التي عرفتها القضية الفلسطينية، خصوصا على صعيد الانقسام أفادت الكيان الإسرائيلي في الترويج لخطاب يوزع صكوك الغفران والاتهامات. والغاية من ذلك إحراج السلطة الفلسطينية في المقام الأول، من خلال الإيحاء بأن هناك تيارا مع المفاوضات وآخر ضدها. وليس تشديد الخناق على حكومة الوحدة الوطنية غير الشوط الأول في معركة متواصلة بأشكال متعددة.
بيد أنه على الطرف الآخر لا يبدو أن أطرافا في العالم العربي تخلصت من سياسة المحاور والكيد لبعضها. حتى وصل الأمر إلى ما يشبه السباق على من تكون له الكلمة في إقناع حركة حماس بقبول الهدنة،مع أن الضحايا الذين يسقطون يوميا تحت ضربات السعار العسكري الإسرائيلي هم فلسطينيون، لا يد لهم في توجيه الأحداث، وغالبيتهم من المدنيين الأبرياء الذين يدفعون الثمن.
الواقع أن قطاع غزة ظل رهينة في يد أطراف عدة، في مقدمتها الكيان الإسرائيلي الذي يدمر، ثم يأتي بعض المال العربي لإعادة الإعمار.وهذه العملية انطبقت ولا تزال على كل الحروب والغزوات،فأول شيء يتم التفكير فيه هو البحث عن أموال إعادة الإعمار من طرف المانحين، علما أن الوعود لم تكن أبدا في مستوى التعهدات. فلا العراق عمر، ولا أفغانستان تعيش في سلام، ولا ليبيا استعادت عافيتها، ولا سوريا في وارد أن تستفيد من دعم الإعمار بعد تهجير ونزوح أكثر من نصف شعبها.
بدل التفكير في إعمار ما يدمره الكيان الإسرائيلي وغيره من الجهات التي تستخدم القوة، كان يكفي الابتعاد عن الحروب وحل النزاعات والخلافات بطرق سلمية، على أن يكون الإعمار موجها لمصلحة الشعوب في استعادة الاستقرار ومظاهر الكرامة. فالحروب جميعها مدمرة،لكن أحدا لم يأخذ العبرة من اتساع نطاقها وما يترتب عنها من شرخ وانهيار وعداوات،فالدرس العراقي لا يضاهيه أي معطى آخر في وصول بلد الماء والنفط والإمكانات الهائلة إلى حافة التقسيم وانقطاع الكهرباء وازدحام الصفوف أمام محطات البنزين.
كذلك هي حالة سوريا التي تشي بمأساة لم يشهد لها العرب مثيلا، لكن مظاهر التقسيم تطل من كل الزوايا، فالعراق أصبح مهددا، والنظام السوري لا يسيطر على أقل من نصف بلاد مدمرة، وليبيا دخلت منعطف الطريق في اتجاه الصوملة. وقبل ذلك كان الانقسام الفلسطيني وبالا على القضية، وحين رغب الفلسطينيون في تدارك ما فات، جاء القصف الإسرائيلي ليعيدهم إلى واقع أن التقسيم مطلب دولي.
لكن الأخطر أن هناك دائما من يزود بالمال والسلاح، عوض الحكمة وبريق العقل الذي ينطلق من أن الجميع خاسر في معارك لا توجد ضد الأعداء الحقيقيين.  

 

المصدر: فلاش بريس - محمد الأشهب
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 23 مشاهدة
نشرت فى 21 يوليو 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

313,837