كاتبة و صحفية
دعونا نهزم مغتصبي الأطفال
لعله الحكم الأكثر قسوة يصدر في حق متهمين بالتحرش الجنسي، ذاك الذي نطقت به محكمة مصرية الثلاثاء الماضي، حيث أدانت خمسة متهمين بالسجن المؤبد ورفيقيهما بعشرين عاما نافذا، لتحرشهم بنساء أثناء الاحتفالات التي أقيمت وسط القاهرة بعد فوز عبد الفتاح السيسي في انتخابات الرئاسة المصرية.
والصدفة وحدها جعلت محكمة مغربية تصدر حكمها في نفس اليوم في قضية تحرش جنسي ضد طفل قاصر عمره عشر سنوات، إلا أن الحكم على المتهم الخمسيني لم يتجاوز عامين. وهو ما يعني أنه بعد بلوغ الضحية اثني عشر عاما، سيصادف مجددا جاره البقال الذي ظل يعبث بجسده مقابل بسكويت «بـيـمـو»، وربما كان سيستمر لو لم يتم ضبطه وتصويره من قبل الجيران في حالة تلبس.
ولم يكن المتهم يطلب من محاصريه سوى العفو عليه متعهدا بأنه سيتوب، ولا يعرف إن كان الحكم الصادر في حقه سيشجعه على التوبة أم على مزيد من الانحراف بعد خروجه من السجن. لكن الأكيد أن الطفل الذي أصيب بحالة هلع شديدة، ستترك ندوبا عميقة في نفسيته، لن يعانق عذرية طفولته المغتصبة نهائيا.
وفيما نزل الحكم الصادر من محكمة القاهرة بردا وسلاما على ذوي الضحايا، نزل حكم محكمة مراكش ساخنا مثل نار ملتهبة، على أسرة الطفل التي بات عليها مواجهة مصيرها ونظرات الناس التي لا ترحم، بالإضافة إلى متربصين محتملين بالضحية.
ومرد الصدمة من الحكم أنه يأتي في سياق تنامي الاغتصابات التي دفعت أخبارها عائلات كثيرة إلى الحيطة والارتياب من أقرب المقربين منها. وكيف لا تفعل وهي تسمع أن جدا اغتصب حفيدته، وأن زوجا حاول اغتصاب حماته وطفلته في غفلة من زوجته، وأن أبا ظل يعتدي على طفلته عاما كاملا تحت التهديد بالسلاح الأبيض؟
ولنلخص الوضع بالقول إن أكثر من ثمانين طفلا يتعرضون يوميا للاغتصاب أو هتك العرض في المغرب، لذلك لا يبدو من حل غير التشدد في الأحكام لمواجهة هذا الوضع المنفلت في أخلاق بعض المنحرفين الذين باتوا أقرب للحيوانات، تقودهم غريزتهم البهيمية لا غير. وبعدما كان الكل ينتظر من وزيرة الأسرة والتضامن بسيمة الحقاوي، أن تتضامن مع ضحايا التحرش بإخراج القانون المتعلق بتجريم الاغتصاب من ثلاجة الحكومة، ما تزال تعقد الندوات لتقديم الأرقام التي يعرفها الجميع.
وفي انتظار خروج هذا القانون الذي طرح على أنظار مجلس الحكومة ورفضه رئيسها عبد الإله بنكيران، سيظل المغتصبون والمتحرشون يستفيدون من سراح مؤقت طالما تتلكأ الحكومة في المصادقة على قانون مناهضة التحرش والعنف ضد النساء.
ولو كان وضع الضحايا يهم مسؤولينا، لتم في الحقيقة الالتفات أولا إلى ما يحدث داخل بنايات مؤسسات رسمية، على غرار الفضيحة التي هزت أركان وزارة التشغيل بعدما اتهمت موظفة الكاتب العام بالتحرش بها، وأتت بكل الدلائل الصوتية دون أن يقود ذلك إلى أي تحقيق. وحتى حين قرر وزير التشغيل عبد السلام الصديقي إبعاد ذلك المسؤول بعد أشهر من تفجر القضية، رفض ربط إقالته بشكاية الموظفة وبررها برغبته في تجديد هياكل الوزارة.
وليس المسؤولون الحكوميون وحدهم من يرفضون الإذعان للواقع، فهناك أيضا برلمانيون محترمون يرفضون التطبيع مع ما اقترفت أيديهم. ومثال ذلك البرلماني عن حزب الاتحاد الدستوري حسن عارف، الذي يرفض المثول أمام المحكمة للنظر في ملف اغتصابه لموظفة بوزارة الأوقاف نتج عنه حمل، حتى أن الوكيل العام لم يجد بدا من الأمر بإحضاره بالقوة لضمان سير العدالة. ورغم أن الخبرة الجينية أكدت بنسبة99.99 في المائة نسب الطفل إلى البرلماني، إلا أنه لا يزال ينكر أبوته. وإذا كان البرلماني الذي ينتمي لمؤسسة تشرع القوانين لا يحترم القانون كما الوزير الذي ينتمي للجهاز التنفيذي، فماذا تركا لأصناف المغتصبين والمتحرشين من العامة.
محكمة مصر تعمدت «خرق» القاعدة القانونية حين حكمت على المغتصبين بعقوبة لا ينص عليها القانون صراحة، وقد سبقها المغرب حين حكم بالإعدام على الكوميسير مصطفى ثابت، رغم أنه لا يوجد نص قانوني يجيز الإدانة بحد الموت ضد مغتصب.. لكن تقديرات القضاة حين تنتصر للضحايا، تهزم تشوهات المجتمع واختلالاته.



ساحة النقاش