http://kenanaonline.com/AAC-ES-SMARA

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

 

 

 

 

 

إدريس الكنبوري

 

 

 

خلاف على الخلافة

 

العدد :2428 - 16/07/2014

 

منذ أن أعلن تنظيم «داعش»، الذي لم نعد مضطرين إلى ذكر اسمه الكامل، عن إقامة «دولة الخلافة» في العراق وسوريا في بداية شهر الصيام هذا، وأقلام الإسلاميين لا تكف عن تحبير مقالات الاعتراض والتنفير من تلك الخلافة المزعومة، ونعتها بأوصاف قدحية، والتذكير بـ»مواصفات» الخلافة كما «اتفق» عليها أهل النظر، والتنبيه إلى أن الخلافة المقصودة هي الخلافة «على منهاج النبوة».
وأصل هذه المواقف المعترضة يوجد في السلوك الدموي للتنظيم الذي أعلن الخلافة، وفي الشكل الذي به تم ذلك الإعلان، وليس في المبدأ في حد ذاته، لأن مبدأ الخلافة -من حيث هي مرحلة زمنية ذات خيرية ومن حيث هي حلم ذو جاذبية- مبدأ يستبطن جميع الأدبيات التي صاغها الإسلاميون والمفكرون المسلمون طيلة العقود الماضية، مع استحضار الخلاف في النظر إليها؛ فقد حصل شبه إجماع على وجوبها من ناحية، كما حصل شبه إجماع على إمكان عودتها من ناحية ثانية، وبين الوجوب والإمكان تباينت الآراء والاختيارات الفقهية.
لقد نشأت يوتوبيا الخلافة في العصر الحديث مع سقوط الخلافة العثمانية، وكان الفضل في إعادة دمجها في الفكر الإسلامي الحديث يعود إلى الرعيل الأول من المصلحين الأتراك الذين وقفوا ضد مصطفى أتارتوك (مصطفى صبري وكتابه «النكير على منكري النعمة»)، قبل أن تتلقف الفكرة جماعة الإخوان المسلمين المصرية وتقوم بـ»تعريب» الخلافة بعد قرون من العثمنة، لكي يحاول بعض القادة العرب آنذاك السطو عليها. وخلال العقود التي تلت، اختلفت الآراء حول رشد الخلافة العثمانية، أكانت خلافة «على منهاج النبوة» أم لم تكن؟ وقد بكاها الكثيرون بينما صفق لسقوطها الأكثرون، وكان بين الأخيرين عبد الحميد بن باديس الذي قال -في ما قاله- إن تلك الخلافة كانت وعاء فارغا وكان من الأوفق أن يسقط.
بيد أن الخلافة مع ذلك، ظلت حلما يوتوبيا يقيم في الطبقات السفلى للذهنية المسلمة، بالرغم من أنها لم تستمر في تاريخ الإسلام سوى ثلاثين سنة، لم تكن حتى كافية لكي تصوغ تقاليد في الحكم وانتقال السلطة وتدبير الخلاف في الأمة، الخلاف الذي استمر من تلك الفترة إلى اليوم وصار أكثر بشاعة في العصر الحالي مع انتشار التقتيل، ليس باسم الدين فحسب، بل باسم الخلافة ذاتها.
وفي الوقت الذي
بقيت فيه فكرة الخلافة حاضرة باستمرار، دون أدنى تغيير يذكر تقريبا، تدرج الفكر الإسلامي الحديث في الاعتراف بمعطيات العصر، وكان من جملة تلك المعطيات مفهوم الدولة الوطنية. غير أن الاعتراف بهذا الكيان الجديد ظل اعترافا ناقصا لدى الجماعات الإسلامية، التي أظهرت نوعا من التوتر في التوفيق بين حلم استعادة الخلافة ومبدأ الاعتراف بالدولة الوطنية الحديثة، فهي تنشَدّ إلى ذلك الحلم لكنها في نفس الوقت تعمل على المستوى الوطني في إطار قوانين ومؤسسات تنتظم عملها. والفشل في هذا التوفيق هو ما يجعل الحركات الإسلامية اليوم تعيش ازدواجية على صعيد الانتماء الفكري والسياسي، ولذلك فإن قضية الولاء والبراء، التي تشكل اليوم أحد العناصر العقدية الثابتة لدى التيارات السلفية الجهادية، هي نفسها ما شكل فكر الحركات الإسلامية منذ نشأتها، في ما يتعلق بمسألة الخلافة التي تهمنا الآن.
لقد حاول الفقيه الدستوري عبد الرزاق السنهوري في العشرينيات من القرن الماضي حل هذه الإشكالية، إشكالية التوفيق بين الدولة الوطنية والخلافة، في كتابه الشهير «فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية». ولقد تأثر السنهوري في ذلك الكتاب بعصبة الأمم التي كانت وعاء لجمع ما تفرق من أوربا، لذا سعى إلى اقتراح مشروع لتوحيد الدول العربية على أساس الانتماء الشرقي العربي الإسلامي كبديل عن حلم إرجاع الخلافة بالشكل التقليدي المتجاوز الذي كان قائما.
وبانسداد الإسلاميين إلى حلم الخلافة، ظل التوافق مع الدولة الوطنية مزحزحا، لكن الأدبيات التي تمت صياغتها حول ذلك الحكم في الماضي -بناء على الأدبيات السلطانية- هي ما يؤسس اليوم لمشروع تنظيم «داعش»، ذلك أن هذا التنظيم لم يبن مشروعه ذاك إلا على المبدأين اللذين أشرنا إليهما أعلاه: الوجوب والإمكان. أليس ما قام به التنظيم هو «إمارة التغلب» التي ترتكز على البطش وقوة السلاح ومبدأ«من تأمر علينا بايعناه»؟ أما مفهوم الخلافة «على منهاج النبوة» فليس هناك ما يمكن أن يتم الاتفاق عليه حولها، أهي الخلافة التي ستعود بناء على «كاريزما النبي» المستحيلة عقلا وشرعا، أم تلك التي ستعود بناء على نفس التمرحل الذي مرت به الخلافة الأولى، التمرحل المستحيل فقها وواقعا؟ ولذلك فإن هذا الاستياء العام من مشروع «الخلافة»الذي أعلنه التنظيم المتطرف في سوريا والعراق يجب أن يكون بداية إعادة تأسيس المفهوم، وإخراجه من الجانب الشعوري العاطفي إلى التدبر العقلي، لأنه في ظل بقاء هذا المبدأ في مستواه العاطفي لا أهمية للخلاف، لأن الخلاف -آنذاك- يلزم أصحابه ولا يلزم «داعش» والمتطرفين الآخرين.

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 18 مشاهدة
نشرت فى 18 يوليو 2014 بواسطة AAC-ES-SMARA

ساحة النقاش

الفرع المحلي للجمعية الوطنية لقدماء المحاربين بالسمارة

AAC-ES-SMARA
»

أقسام الموقع

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

317,246