إدريس الكنبوري
ربيــع مشــوَّك
العدد :2430 - 18/07/2014
يوم الأربعاء الماضي، ظهر الرئيس السوري بشار الأسد على شاشات التلفزيون مزهوا وهو يؤدي اليمين الدستورية لولاية رئاسية جديدة من سبع سنوات أخرى، وقام باستعراض حرس الشرف فوق السجاد الأحمر، بينما على بعد أميال منه تسيل دماء حمراء. لكن الأسد لم يكن يحفل بأن تصل تلك الصور إلى السوريين، لأنهم بين مشرد وقتيل وخائف، ولكنه كان يسعى إلى أن ينظر إلى الصور أولئك الذين كانوا ينتظرون سقوطه مثل مبارك، أو هروبه مثل بن علي، أو قتله مثل القذافي.
الابن ينشأ على ما كان عليه والده إن الجذور عليها ينبت الشجر لكن لا أحد من هذه السيناريوهات نجح بالنسبة إلى الرجل الذي وقفت الحظوظ إلى جانبه، ولذلك فإن الذين سيؤرخون لما يسمى بالربيع العربي سيقفون طويلا على باب دمشق، بعد أن يعرفوا أن الربيع هناك صار ربيعا مشوكا، وأنه لأول مرة في تاريخ الفصول يكون هناك ربيع بلا أقحوان. وبسبب هذا الملف السوري، تعاني الدول العربية اليوم من خطر إرهابي ينتقل بين الحدود مثل داء السرطان الذي لا ينفع معه علاج، وما إن يغادر مكانا حتى يفاجئك بظهوره في مكان آخر.
علي نحت القوافي من معادنها وما علي إذا لم تفهم البقر من بين الأقوام التي تملأ الأرض وتسير في شعابها هناك قوم لا يستفيدون من دروس التاريخ، هم العرب، رغم أن ابن خلدون من أرومتهم. اعتقد المساكين أن اللعب بجوار إيران يشبه مقابلة حبية بين فريقين من نفس الحي، لكنهم وجدوا أنفسهم يلعبون مع الوحش.. لم يسمعوا النصيحة الإيرانية «اِلعبوا بعيدا».
لم يستفيدوا من دروس أفغانستان. دفعوا الآلاف إلى قتال الروس هناك دفاعا عن المصالح الإستراتيجية لأمريكا، وفي الأخير هم من سدد الثمن. الاتحاد السوفياتي سقط، لكن ذلك كان طموحا أمريكيا منذ الحرب العالمية الثانية. ولم يتحقق للعرب شيء من سقوط الاتحاد، لا بالعكس، فقد كانت أمريكا منشغلة بأكل قطعتين بفم واحد، وبعد ذلك صارت تأكل قطعة واحدة بنفس الفم.مصالح أكثر وتكلفة أقل.
لكل داء دواء يُستطب به إلا الجهالة أعيت من يداويها ولذلك أعتقد أن بعض المؤرخين سيكتبون في المستقبل عن العرب أنهم كانوا يشتغلون مع الولايات المتحدة؛ وسوف يضيفون شيئا آخر، هو أنهم كانوا يشتغلون بدون مقابل، بل يعطون من جيوبهم.. أليست المبادرة المصرية حول غزة عملا غير مدفوع؟
لقد أرادت بعض الدول العربية، بإيعاز أمريكي، أن تلعب في الساحة السورية وفق تقنية المناولة، أن تفتح الأبواب أمام المقاتلين الوافدين من كل مكان لكي يحاربوا النظام السوري نيابة عنهم. صنع اليابانيون الإنسان الآلي لكنهم ربما يتخوفون من أن يكلفوه بما هو أكبر من الخدمات البسيطة بسبب عدم الثقة، بينما آمن العرب بأن آلاف المقاتلين يمكن أن يدخلوا التراب السوري لكي يقاتلوا ثم ينسحبوا بعد ذلك حينما يتلقون الإشارة، مثل الإنسان الآلي. وفي النهاية وجدوا أنفسهم في ورطة لم تكن في الحسبان:
دخولك من باب الهوى، إن أردته يسير، ولكن الخروج عسير
وقد ظهر التخبط العربي في تدبير الملف السوري من خلال ذلك التناقض المتمثل في فتح الطريق أمام المقاتلين الجهاديين، وفي نفس الوقت وضع تلك الجماعات المسلحة المتطرفة في قائمة التنظيمات الإرهابية، مع أن هؤلاء من المتشربين للفكر المتطرف الذي لا أمل في تغييره لو أن الملف السوري انتهى بالشكل الذي كان يراد له:
من كان للناس مولودا على صفة فليس للناس في تغييرها أمل فليس للناس في تغييرها أمل
لقد أريد للربيع العربي أن يكون ربيعا انتقائيا، أن يختار أين يصل ومتى يفعل ذلك، وبسبب هذا التخطيط الأهوج صار العرب كلهم يدفعون الثمن، لقاء عدم تقدير الأوضاع الإقليمية وعدم النظر البعيد إلى المستقبل بأعين إستراتيجية. سمعوا بأن سقوط النظام السوري سينتج خريطة إقليمية تفيد البلدان التي تريد أن تموقع نفسها لزعامة عالم عربي متفكك أصلا، ولم يرضوا بأن يتعاملوا مع الواقع كما هو.
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل



ساحة النقاش