عبد الباري عطوان
إذا كان هدف العدوان الإسرائيلي الحالي على قطاع غزة عزل حركة “حماس″ وكسر ثقافة المقاومة، وتركيع أبناء القطاع وترويعهم فانه فشل حتى الآن، وبعد خمسة أيام من القصف بكل أنواع الأسلحة من البر والبحر والجو، في تحقيق أي من هذه الأهداف وأعطى نتائج عكسية تماما.
العدوان عزل أصدقاء إسرائيل المفترضين، وعزز مكانة المقاومة، عزل النظام المصري وكشف عوراته، مثلما عزل الرئيس الفلسطيني محمود عباس وكشف ما لم يكشف عن عوراته سابقا، مثلما فضح النظام الرسمي العربي “المنافق” للمرة الألف، هذا النظام الذي بدا مرتبكا عاريا من أي فضيلة متهما بالتواطؤ، ومستأسدا فقط في ميدان واحد وهو تفجير الحروب الأهلية، وتمزيق الدول والشعوب وإنهاك الجيوش العربية وتفكيكها.
السيد نبيل العربي أمين عام الجامعة العربية دعا وعلى استحياء شديد إلى اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية لبحث العدوان على قطاع غزة، وكلمة “العدوان” هذه من عندنا، ليس من عنده، ولكنه تأخر خمسة أيام، لأنه كان يعتقد، ومعظم وزراء الخارجية الآخرين، أن الطائرات والدبابات الإسرائيلية ستجهز على القطاع والمقاومة البطولية في هذه الفترة، وهذا ولسوء حظه لم يحدث، فما زالت الصواريخ تنطلق من مكامنها الحصينة، وتشل حركة الملاحة الجوية في مطار تل أبيب ولو لفترة محدودة.
فمن المفارقة أن الدول العربية الصامتة، التي صدمها الفشل الإسرائيلي في استئصال بؤرة المقاومة الاستثنائية في القطاع، ليس من اجل إنقاذ أرواح أهل القطاع الصائمين الصامدين، وإنما من اجل إنقاذ نفسها من الحرج الذي أصابها أمام شعوبها وإنقاذ إسرائيل من حماقتها أيضا.
***
مشكلة قطاع غزة والشعب الفلسطيني مع قيادته في رام الله التي حولته إلى شعب متسول، سواء للرواتب أو للتسويات المهنية، أو للإفراج عن أسرى أعيد اعتقالهم في رمشة عين، وبات كل همها منع أي هبة أو انتفاضة والتباهي بذلك على رؤوس الأشهاد، وتمجيد العمالة الأمنية لحماية المستوطنين وعربدتهم في الأرض المحتلة.
الشعب الفلسطيني، وكل الشعوب العربية، لا يريدون اجتماعا لوزراء الخارجية أو الجامعة العربية، أو الزعماء العرب، فقد نفضوا أيديهم من هذه القيادات وحكوماتها، وهذه الحكومات التي قبلت بالحصار، وصادقت على سياسات التجويع، وقدمت السلاح لكل إنسان شريطة أن لا يوجهه للاحتلال الإسرائيلي، سواء كان فتاكا أو غير فتاك، نوعيا أو تقليديا، المهم أن يستخدم هذا السلاح في قتل الآخر، العربي المسلم.
بنيامين نتنياهو صديق المعتدلين العرب وحليفهم، يهدد بإرسال دباباته إلى قطاع غزة منذ أشهر، ولكنه متردد في ذلك ليس خوفا من الزعماء العرب ورد فعلهم، وانما خوفا من السقوط لأنه يدرك جيدا ما يمكن أن ينتظره من مفاجآت، فغزة غابة مقاومة، وغزة فوق الأرض هي غيرها تحتها، والشعب الفلسطيني لن يرفع الرايات البيضاء، ولم تعد تخيفه سياسات “الصدمة والترويع″ الإسرائيلية، ولهذا يعلن على رؤوس الأشهاد رفضه لكل وساطات “التهدئة” عربية كانت أم أمريكية.
“حماس″ ليست وحدها التي تقاتل دفاعا عن القطاع، وانما أكثر من مليونين من أبنائه، فهناك 18 فصيلا مقاتلا يمثلون كل هؤلاء والأمة من خلفهم، ابتداء من الجهاد الإسلامي ومرورا بألوية الناصر صلاح الدين، وانتهاء بكتائب أبو علي مصطفى، ولا ننسى كتائب شهداء الأقصى الفتحاوية التي لم تلق سلاحها مطلقا وظلت متمسكة براية المقاومة رغم قرار رئيس سلطة رام الله بحلها.
مخزون الصواريخ لم ينضب، ولن ينضب، لأنه في معظمه صناعة محلية، أنتجته سواعد إيمانية، ومن اجل لحظة الفرز التاريخية الحالية، بين من يؤمن بقيم الشرف والعدالة والكرامة وبين من يقف في الخندق الآخر المقابل لها، ومن المؤكد أن هذه الصواريخ ستغير معادلات اعتقد البعض أنها راسخة لن تتغير، وستسقط رؤوسا كبيرة استمرأت التواطؤ والجبن، واعتقدت أنها خالدة مخلدة.
أبناء قطاع غزة سيتوجهون بالآلاف إلى معبر رفح ليس من اجل اقتحامه وفتحه بالقوة، وانما من اجل إغلاقه إلى الأبد، وبالاسمنت الصلب، لأنهم قرروا الحياة بدونه، والتوقف عن استجداء المسؤولين في الجانب الآخر لفتحه لمرور عنوان مقاومتهم المشرفة أي الجرحى والمصابين للعلاج في مستشفيات كانوا يعتقدون أنها عربية شقيقة.. نعم.. نطالب أهلنا في القطاع للزحف إلى المعبر من اجل إغلاقه بعد أن تحول إلى رمز لإذلالهم وإهانتهم.
عيب على القيادة المصرية أن تفتح هذا المعبر فقط لعشرة مصابين وجرحى قد يستشهدون في الطريق بسبب طول الإجراءات، ووقوفهم أمام المعبر لساعات ويحتاجون إلى سبع ساعات أخرى للوصول إلى المستشفيات وسط عيون غير مرحبة.
عيب أن تسمح القيادة المصرية بمرور من يحملون الجوازات المصرية فقط عبر المعبر، وهم غالبا من السيدات الماجدات الأحرار اللواتي قررن العيش في القطاع مع أزواجهن وأطفالهم وسط الحصار.
وعيب أيضا أن تستثني السلطات المصرية أبناء المصريات وبناتهن الذين يحملون الجنسيات المصرية ولكنهم ولدوا في القطاع، والسماح فقط للمولودين في مصر، أي تفرقة وأي تمييز هذا ومن منّ، من أشقاء عرب.
السلطات المصرية تخشى من هجرة أبناء القطاع إلى مصر، وهي خشية في غير محلها، فعندما وقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو كان من شروط الاتفاق استيعاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين على الطرف المصري من الحدود في مخيم سمي في حينها مخيم البرازيل، وعاد هؤلاء جميعا إلى القطاع ولم تبق أسرة واحدة في الجانب المصري، وعندما اقتحم مئات الآلاف الحدود المصرية كسرا للحصار عام 2008 لم يسرقوا بصلة واحدة، أو علبة حليب لأطفالهم الجوعى ودفعوا ثمن كل شيء اشتروه من مالهم وعادوا جميعا إلى القطاع ولم يتخلف واحد في الجانب المصري.
***
نحن ننتقد السلطات المصرية لأننا نحب مصر ونعول عليها كثيرا فلم تخذل الشعب الفلسطيني مطلقا ولا الشعوب العربية، والرئيس السيسي قال إن من أبرز مهامه إعادة الهيبة والريادة والمكانة لبلاده، وهذه فرصة من اجل أن تستعيد مصر دورها ومكانتها وان تقود الأمة في الاتجاه الصحيح وان تدافع عن كرامتها، فقطاع غزة يعاقب مصريا لان مصر انتخبت حركة الإخوان المسلمين ومحمد مرسي، فهل يجوز هذا؟
مشكلة الشعب الفلسطيني مع أشقائه العرب اكبر بكثير من مشكلته مع الإسرائيليين، لأنه يستطيع أن يقاوم الإسرائيليين وينتفض ضد ظلمهم ويطلق عليهم الصواريخ، ولكنه لا يريد أن يفعل ذلك ضد محاصريه وجلاديه العرب لأنه ما زال، ورغم جورهم، يعتبرهم أشقاء.
أهل القطاع صامدون في سجنهم، ولا ينتظرون شفقة احد وسيقاومون بكل ما ملكوا من أسلحة، ودلوني على شعب واحد، يتعرض كل عامين إلى عدوان مجرم فاشي مثل العدوان الإسرائيلي، ومع ذلك ما زال متمسكا بالمقاومة دون كلل، ولا يتردد لحظة عن تقديم الشهداء.
إطلاق سفارات الإنذار في القدس وتل أبيب وديمونا وحيفا وكل الأراضي المحتلة سيستمر، فهناك شعب يقاتل من اجل قضية عادلة، ويحمل في عروقه جينات الكرامة والبطولة، ويمثل إرثا عربيا وإسلاميا حافلا بالانتصارات، أما وزراء الخارجية العرب وحكوماتهم فلا يستحقون حتى الذكر في معركة الشرف هذه.



ساحة النقاش