كاتبة و صحفية
زعماء.. ولكن
سألني صحفي لبناني يوما عن الكم الهائل من «المعلومات الخطيرة» التي تعج بها الصحافة المغربيـة، وقد أذهله ذلك التدفق السخي في المعلومات الذي لا يثير رد فعل أحد. كان بالفعل حائرا، لكنه مع مرور الوقت استأنس بالوضع ولم يعد يطرح السؤال.
مثال ذلك الصحفي ليس استثناء، فهناك صحفيون عرب وأجانب زاروا المغرب وهالهم ما هال زميلهم. فذلك التدفــق في المعلومات والمواقف يسبب عسرا في فهم حقيقة ما يحدث بالمغرب. وبالنسبة لأي صحفي عربي أو غربي، فيلزمه وقـــت طويل حتى يستطيع ليس فهم، ولكن مجرد التقاط ما يمكنه من تلمس الطريق لاستكشاف ثـنـايا المـخـاض الـسـيـاسـي والـمجتمعي الذي تعرفه بلادنا.
والواقع أن ما ينشر من أخبار يصيبنا نحن المغاربة بالدهشة قبل أن يصيب غيرنا. ففي الاستثناء المغربي يمكن أن يـكـيل زعماء الأحزاب لبعضهم ما لا يقدر من شتائم بذيئة، لكنهم يتعانقون مباشرة بعد انطفاء أضواء الكاميرات.
وهكذا يمكن للمواطن أن يقرأ يوميا سيلا من الاتهامات الثقيلة لو جرب توجيهها لمن يهمهم الأمر، لـتـم جره للمساءلة القانونية، كأن يصف زعيم حزب الاستقلال حميد شباط العدالة والتنمية بأنه حزب القتلة والعملاء. ليرد رئيس الحكومة بأن شباط «لــم يكن يتوفر على ريال منذ 20 عاما واليوم لديه النص في مدينة فاس». وهذه تهمة خطيرة لا يجد بنكيران حرجا في الإضافـــة إليها أن شباط «غارق في الفساد حتى لودنيه». ليعقب الأخير أن بنكيران « فقد عقله وأعصابه ». مطالبا إياه بالإدلاء بما لديه مـن ملفات فساد تدينه، وهو يقصد الدعوى التي رفعها حزب الاستقلال ضــد بنكيـــران على خلفيــة اتهامــه لأطر الحزب تحت قبة البرلمان بالفساد وتهريب الأموال إلى الخارج. الدعوى جامدة في محكمة النقض منذ أزيد من ستة أشهر، حالها حال دعوى أخــرى رفعها حزب الأصالة والمعاصرة منذ أكثر من عام ضد رئيس الحكومة، بعد اتهامه لـ« البــــام » بأنه يتحكم في الـــولاة والعمال ويرسل المواطنين للسجون.
لكن جمود الدعاوى لا يعني أن الحرب الكلامية متوقفة، بالعكس فــــزعماء الأحزاب يشكلون وقود هذه الحرب. وإذا كانت دعوى «البام» لا تتحرك، فإن رئيس الحكومة المعني بها لا يزال على عقيدته في مهاجمة حزب الباكـــــوري، فلم يترك نعتا إلا وألصقه به، حتى أنه وصف مسئــوليه بالأوغاد والأنذال، حين كان يتحدث عن مقتل الطالب الإسلامي عبد الرحيم الحسناوي. وجاءه الرد من زعيم الحزب مصطفى الباكوري الذي اتهمه بتضليل المغاربة بشعارات براقة، أضاف لها قياديون في الحزب اتهــامات أخرى بالسعي للسيطرة على دواليب الدولة، ليختمها رئيس الفريق البرلماني لـ«البام» بالقول إن رئيس الحكومة « يكري لسانـه لحزب سري ». وهو ما رد عليه بعنف الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان الحبيب الشوبــــاني، متهما برلمانــيــي «البـام» بالحقراء والجبناء ومهددا بتشريحهم.
ونحمد الله أن السكاكين والآلات الحادة ممنوعة داخل البرلمان، وإلا لكان مثل هذا النقاش استوجب فتح غرفـــــة للعناية المركزة بالقرب من قاعة الجلسات. فالبرلمان ليس مكانا آمنا كما قد يعتقد البعض، وما حدث لـوزير الصحـة الحـسـيـن الـوردي مع بعض الصيادلة الذين حشروه في إحدى الزوايا لا يزال طريا في الأذهان.
لكن انحدار الخطاب السياسي فعل فعله في تشجيع كثيرين على «الزعامة» أكثر، كما حصل لوزير الحكامة محمد الوفا الذي شتم برلمانيا مستخدما كلمة مستوحاة من القوادة للدلالة على غضبه، فيما لم يتردد شباط بدوره في اتهام وزراء بأنهم « سكايرية »، وزاد باتهام زوج بسيمة الحقاوي وزيرة الأسرة والتضامن والتنمية الاجتماعية، بالتورط في التـحـرش الجـنـسـي بالـطـالـبات في الجامعة حيث كان يعمل أستاذا للتعليم العالي. في هذه لم يرد بنكيران ولا حزبه ولا حتى الحقاوي.
لكن رئيس الحكومة سيحول اتجاه النقاش، كاشفا عن استعداده وحزبه للجهاد في سبيل تـطـبـيـق إصلاحاته. وقــد بدأ فعلا تطبيق وعده بإعلان « جــهــاد » صغير ضد شركة «دانــون» معلنا مقاطعتها، ردا على رفعها الأسعار دون علمه. لكن كل هذه الحروب الكلامية التي نتابعها يوميا لا تفسد للود قضية، فيمكن للقارئ أن يتابع بعدها كيف يفضل بنكيــران الجلوس إلى جانب الباكـوري، ثم يغازل شباط ولشكر ويقول لهما «عليكم الأمان من جهتي». هؤلاء هم زعماؤنا ونحن يتعين علينا فهم سياساتهم الكبيرة.



ساحة النقاش