قواعد الاشتباك في الزمن الإسرائيلي الصعب
<!--<!--
الميادين نت = هشام صفا*كاتب ومحلل لبناني
31آب 2019 على الساعة 16:30
قواعد الاشتباك أو شكل الحال القائمة لخط التماس هي مجموعة التفاهُمات المنصوصة أو الضمنيّة غير المنصوصة التي يفرضها منطق الأمر الواقع على أطراف النّزاع وهذا ما يحصل عادة قبل نشوب الحرب الحاسِمة.
لقد خاض الكيان الإسرائيلي حرب تموز 1993 (حرب الأيام السبعة) بعمليّةٍ جويّةٍ واسعةٍ لغرض إخراج منصّات الكاتيوشا التي كانت تطال معظم مستوطنات الشمال من مُعادلة الصّراع، ولم تكن غايته حفظ هيبة الكيان بقدر ما كانت حماية الداخل عند خوض حرب طويلة مع المقاومة من دون أن يتأثّر هذا الداخل ويُسبِّب ضغطاً باتجاه خوض الحرب السريعة. وعندما لم تساعد المحاولة الأولى في إرساء أمرٍ واقعٍ مفاده أنّ منصّات إطلاق الكاتيوشا ليست سوى "زوبعة في فنجان" كانت المحاولة الثانية في نيسان 1996 (حرب الستة عشر يوماً) والتي لم تُنتج إلاّ ما أفرزه الأمر الواقع وهو أن منصّات الإطلاق عصيَّة على التدمير وعلى الكيان الإسراع في تحريك وساطاته لإمضاء "تفاهم نيسان" كتنازلٍ إلزاميّ من قادة الكيان على عدم التعرّض لقصف مدنيين مقابل عدم تعريض المستوطنات الإسرائيليّة لخطر الصواريخ. وليس من نافِلة القول الاعتبار أنّ تفاهم نيسان كان له الدور الأكبر في دفع قادة العدو إلى أخذ قرار الانسحاب سنة 2000 من جنوب لبنان، أو بمعنى آخر "التخلّي عن منطقة الحِزام الأمني" بعدما أصبح من المؤكَّد امتلاك المقاومة لصواريخ تطال عُمق الكيان، فمع فُقدان الغاية الإيجابيّة من الاحتفاظ بالحِزام الأمني ومع وجود تفاهُم نيسان استطاع رئيس الوزراء "إيهودا باراك" تحصيل الموافقة على قرار الانسحاب ليصبح بذلك تفاهُم نيسان 1996 هو أوّل قاعدة اشتباك تفرضها المقاومة على الكيان الغاصِب ليبني على أساسها قراره الصعب بترك أرضٍ عربيّةٍ بعد أن احتلّها لثمانية عشر عاماً.
وكذلك أيضاً، فإنّه ليس من نافِل الاعتقاد أنّ حضور تفاهُم نيسان في حرب تموز 2006 كان له الوَقْع الأكبر في إدارة النّزاع خصوصاً في بُعده الأخلاقيّ ضمن إطار القانون الدوليّ ومعاهداته الكثيرة، فبفضل ذلك التفاهُم استطاعت المقاومة مُجاراة العدو في استهداف المدنيين باستهدافها لعُمق الكيان من دون أن تواجه ضغطاً دوليّاً واتهامات بالإرهاب من شأنها جرّ الساحة إلى مواجهةٍ أوسع مع تحالف غربيّ، كما استطاعت أيضاً تنفيذ ما يلزم من ضغطٍ على الجبهة الداخليّة لإجبار ذلك الكيان المُصطَنع على وقف الحرب وعدم الخروج ثانية من دائرة "إلزاميّة خوض الحروب السريعة". هذا في السابق،أما اليوم فإن المُفارَقة الكُبرى لا تكمُن في حركة العدو باتجاه إرساء قاعدة اشتباك جديدة مع المقاومة مفادها أنّه قادر على ضرب أهدافٍ للمقاومة في سوريا ولبنان ساعة يشاء، بل إنّ المُفارَقة تكمُن في أن يقوم ذلك الكيان الهزيل الذي يُكابِد خطر التهديد الوجوديّ بفرض منطقه العسكريّ كيفما اتّفق على الأطراف المُناوئة من دون أدنى اعتبار لوضعه الحاليّ أو التفاتة إلى أنّ ميزان القوى يميل بوضوحٍ باتجاه كفّة المقاومة كلما زأر سيّد المحور أو لمَعَت سكينٌ في يد مقاوِمٍ من غزَّة.
باختصار، فإن العدوّ الساعي لكَسْرِ قاعدة حزب الله التي أعلنها سماحة الأمين العام السيِّد حسن نصرالله مطلع 2015 (عقب الغارة الإسرائيليّة على القنيطرة السوريّة واستشهاد مجموعة من مُجاهدي المقاومة الإسلاميّة) وإرساء قاعدته المغمورة، فإنه ينطلق في ذلك من خلال دوافع عديدة سنذكر منها ثلاثة فقط على سبيل التحليل السياسيّ.
الأول هو التأكيد للداخل وللخارج أنّ ذلك الكيان ما زال صاحب الكلمة في المنطقة وذو تأثير إقليمي قادر على فرض القواعد على "الوجود الإيراني" في سوريا فضلاً عن ضربه للمقاومة في لبنان وفلسطين ساعة يرى حاجة إلى ذلك.
والثاني هو أنّ قواعد الاشتباك في حال فرضها - كما يتأمّل ويتخيّل- هي المادّة الأساسيّة والضروريّة التي سيحتاجها قبل أيّة حربٍ مُستقبليّة كي يتسلَّل من خلالها لتأمين المُباغَتة الإستراتيجيّة في توقيت شنّ الحرب، والتي تُسهّل ما سواها من المُباغتات العملياتيّة في المسارح.
أمّا الثالث فيكمُن في أنّ إرساء قواعد الاشتباك يمكن أن يدفع الطرف السوري والإيراني للردّ، ما يُعطي للعدوّ فرصة هامّة وأساسيّة لكشف المُقدّرات وخصوصاً تلك المُرتبطة بالأسلحة الكاسِرة للتوازُن والتي يمكن أن تشكِّل عنصر مُباغَتة ضدّ الكيان في أيّة حربٍ قادمة.



ساحة النقاش