<!--<!--
الخميس ٠٤ يوليو ٢٠١٩ - ٠٩:٢٤ بتوقيت غرينتش
الحرائق تشتعل في كل مكان من الكيان الإسرائيلي لكن الحريق الجديد هو الذي لم يتوقع قادة تل أبيب أن يشتعل من الداخل الإسرائيلي ويتسبب بتفكك الواقع الاجتماعي والسياسي الذي كان الاحتلال يصوره بأنه وحدة متراصة فتبيّن أنه بناء هش.
العالم - تقارير * سيد طاهر قزويني
الحريق الجديد الذي اشتعل في الأراضي المحتلة مؤخرا هو الذي اندلع من داخل المناطق اليهودية حيث تشعر هناك فئة كبيرة من اليهود الأفارقة بالتمييز الذي يمارس ضدهم. فقد خرج آلاف اليهود الأثيوبيين والذين يعرفون باسم "الفلاشا" إلى الشوارع في كافة المناطق والبلدات اليهودية التي يعيشون فيها للمطالبة بحقوقهم الإنسانية التي كفلها القانون الدولي. الانتفاضة الجديدة التي أطلق عليها أيضا اسم "انتفاضة الفلاشا" اندلعت بعد ان قام شرطي صهيوني بإطلاق النار على شاب من اليهود الفلاشا ويدعى سلومون تاكا (18 سنة) وارداه قتيلا من دون أي ذنب ارتكبه، سوى أن بشرته سوداء ومن أصل إثيوبي.
انتفاضة الفلاشا تستلهم من الثورة الفلسطينية
<!--<!--
تظاهرات وصفت بأنها الأكثر اتساعا حيث قام المتظاهرون بإغلاق مرافق مركزية شلت الحياة في معظم البلدات، من الشمال وحتى الجنوب، كما تسببت تلك التظاهرات بتعليق حركة عشرات آلاف الإسرائيليين لساعات طويلة. المثير أن انتفاضة الفلاشا استلهمت الكثير من الانتفاضات الفلسطينية المتتالية وفي خطوات لم يستخدمها متظاهرون يهود من قبل، أشعل المتظاهرون كميات كبيرة من الإطارات، واعتدوا على رجال الشرطة وسياراتهم، وقذفوا الحجارة على مراكز الشرطة، ورفضوا الرضوخ لكل الوسائل التي استخدمها عناصر الشرطة لتفريقهم، ما أدى إلى اعتقال وإصابة العشرات منهم في مراكز الشرطة. ويبدو ان كل الوسائل التي استخدمتها القوات الصهيونية لمواجهة انتفاضة الفلاشا باتت فاشلة ومن هنا حذر وزير الأمن الداخلي "جلعاد أردان" بتصعيد وسائل تفريق التظاهرات،وقال بعد إصابة أكثر من60رجل أمن "لقد تصرفت الشرطة بضبط النفس وحاولت تجنب المواجهات العنيفة،التي من شأنها أن تؤدي إلى المزيد من سفك الدماء"وحتى هذا الخيار الذي يهدد الوزير الإسرائيلي باستخدامه هو خيار صعب وينتهي إلى نتائج وخيمة تخشى من حدوثها حكومة العدو الصهيوني، فمن غير المؤكد أن قوات الأمن الصهيونية لو استخدمت الخيار الأكثر عنفا لمواجهة المتظاهرين بأنها ستنجح في تفريقهم وتهدئتهم. فالأفارقة ينبض في عرقهم الدم الحار الذي سيغلي عندما تواجههم السلطات بالمزيد من القهر والعنف غير المبرر، ولاشك أن القوات الصهيونية ستخسر المزيد من أفرادها مع تصاعد موجة المواجهات بين الطريفين.
سقوط نظرية ارض الميعاد
<!--<!--
الشعارات التي رفعها المتظاهرون من اليهود الفلاشا تكشف عن حقيقة مأساتهم والأزمة التي يعيشونها في ظل حكم عنصري يتحكم بالأمور في تل أبيب، ومن بين تلك الشعارات: "نحن بشر" و "أوقفوا القتل، أوقفوا العنصرية"، "لن نقبل بهذه السياسة". وتضامنا مع هذه الشعارات انضمت جماعات أخرى من اليهود الأفارقة الذين ينتمون لعرقيات أخرى غير الفلاشا إلى تلك الاحتجاجات وليكثفوا الموقف الرافض للعنصرية المتفشية في واقع الكيان الاحتلالي.
ومن عمق المأساة تبرزت أصواتا لتعبر عن الواقع ففي تصريح لشاب إثيوبي شارك في التظاهرات قال "العنف ضد أبناء طائفتنا يتصاعد. ومجتمع "إسرائيل" يخطط لإجازات ونحن لجنازات، أفراد الشرطة يقتلوننا، ويطلقون الرصاص على الرأس ولكن العنصرية موجودة في كل مكان، بالنسبة لكم هذه بلاد السمن والعسل، لكن بالنسبة لنا هذه بلاد الموت.
ونقلت صحيفة "هآرتس" عن إحدى المتظاهرات قولها إنه ""يجب عدم السماح بعودة سريعة إلى الحياة العادية وإلى الإنستغرام وفيسبوك. الناس هنا معزولون عن الواقع، ولا يدركون أن ولدا مات لأنه أسود". فالصورة الوردية التي رسمتها "الحكومات الإسرائيلية" المتعاقبة عن الوضع المزدهر وحياة الرخاء التي يعيشها اليهود في المدن المحتلة بدأت بالذبول، وبدأت تظهر للعلن صورة مغايرة لما ينشر في الإعلام، وبدأ اليهود يعبرون عن حقيقة شعورهم وعيشتهم الصعبة في الكيان الإسرائيلي. فاليهود الفلاشا الذين ظنوا من خلال رحلتهم الطويلة والبعيدة من أثيوبيا إلى الأراضي المحتلة أنهم سيعبرون كل الصحاري للوصول إلى ارض الأحلام اكتشفوا أن أحلامهم كانت مجرد أضغاث وأنها لم تتحول إلى واقع ملموس. على الأقل كانوا في بلادهم يعيشون الكرامة الإنسانية ولم يتخذ أحد منهم عبيدا، لكن الوضع مختلف في الكيان الإسرائيلي المحتل لأنهم لقوا معاملة سيئة أعادت إلى أذهانهم صورة السيد الأبيض المالك الذي يأمر وينهي؛ وبقية السود كلهم عبيد تحت قدميه.
وكان رئيس حكومة العدو الصهيوني بينيامين نتنياهو دعا قياديين في طائفة الفلاشا إلى اجتماع سريع، لكن هؤلاء رفضوا الدعوة وطالبوا نتنياهو بأن يحضر هو إليهم.
اعتراضات الفلاشا لم تكن الأولى من نوعها
<!--<!--
الاعتراضات الحالية لم تكن هي الأولى من جانب اليهود الفلاشا لكنها الأضخم والأكثر اتساعا، وكانت قد شهدت الأراضي المحتلة في أوقات سابقة احتجاجات من قبل هؤلاء اليهود السود على اثر الكشف عن التجارة بأطفال الإثيوبيين وكذلك عن رفض المستشفيات الإسرائيلية الحصول على شرائح دم لأصول إثيوبية. فقد وصلت سياسة التمييز العنصرية ذروتها في التعامل مع الإثيوبيين مع الكشف عن رمي عشرات وحدات الدم إلى القمامة، تبرع بها إثيوبيون من أجل الحصول على تأمين صحي. وقد استخدمت الحكومة في وقتها مختلف المبررات والحجج للتخلص من الدم الذي تبرع به اليهود الأثيوبيون وقال المسئولون في مؤسسة داوود الحمراء، التي أجرت الفحوصات، أن نسبة الذين يحملون فيروس الإيدز من مهاجري إثيوبيا أعلى من بقية المهاجرين، أما نائبة المدير العام لبنك الدم فقالت إن "الأوامر وصلتنا من وزارة الصحة، تخوفاً من الملاريا وجنون البقر، ويوجد دول أخرى تتصرف هكذا". وفي آخر معطيات نشرتها الشرطة الإسرائيلية قبل أكثر من سنتين، تبين أن نسبة اليهود الإثيوبيين الذين يعانون من العنصرية تجاوز 65 في المائة، وفي الوقت نفسه نشرت وزارة الاستيعاب الإسرائيلية، أن النسبة لا تتجاوز 37 في المائة ما يظهر محاولات التستر على حقيقة العنصرية من قبل المؤسسة الرسمية في "إسرائيل". التقارير الإسرائيلية هي الأخرى تتحدث عن إهمال كبير من قبل المؤسسات الرسمية في دمج الإثيوبيين في مؤسسات الدولة، خصوصاً الجيش ومؤسسات التعليم، وعدم المساعدة في حل مشاكلهم. وجاء في أحد التقارير "على الرغم من أن أبناء الطائفة الإثيوبية يتجندون للجيش أكثر من المتوسط العام (86 في المائة مقابل 75 في المائة) فإنهم يتعرضون للاعتقال الانضباطي أكثر من المتوسط (53 في المائة مقابل 25 في المائة)، وعلى الرغم من أنهم يلتحقون بالجامعات أكثر من غيرهم إلا أن نسبة الخريجين منهم أقل من المتوسط (41.1 في المائة مقابل 54.4 في المائة)، وتقول تلك التقارير أن الأفارقة يتركون مقاعد الدراسة بسبب عدم إيجاد برامج مشجعة، وشعور الطلبة من أصل إثيوبي بالدونية أمام أقرانهم من أصول أخرى، عدا عن شعورهم باحتمالية عدم تشغيلهم بسبب لون بشرتهم ولأسباب اقتصادية واجتماعية أخرى.



ساحة النقاش