التفكر والتدبر في خلق الله
إن التدبر والتأمل في مخلوقات الله من العبادات العظيمة التي يؤجر عليها المسلم ويزداد بها أيمانا , وتعرفه بربه وتجعل في قلبه تعظيما ومهابة له , فكلما نظر وتبصر في عظمة خلق السموات والأرض ونظر إلى سعة و قوة هذه المخلوقات عرف أن وراء هذه المخلوقات خالق عظيم , فإذا نظر إلى الجبال والسهول والأودية وإلى الأنهار وهي تجري بالماء أزداد إيمانه وهلل وسبح وكبر بقدرة الله العظيمة , يقول الله تعالى : ( أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا (27), رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) النازعات ,
فهنا يشير ربنا سبحانه وتعالى إلى أن يتدبر الإنسان إلى ما أوجد الله له من نعم يراها , فهذه السماء فوقنا نبصرها كل يوم وليلة ونرى عظمة امتدادها في الأفق وعلو ارتفاعها في الفضاء وقوة بنيانها فلا تتصدع ولا تنهار على الأرض بل هي سقف للكون تحفظه من الزوال إلى أن يشاء الله ثم يطويها متى شاء طي السجل للكتب .
و على المتدبر أن يتأمل هذه الأرض التي عليها حياته ومعاشه كيف أن الله خلقها فجعلها مكورة وثبتها بالجبال وأرساها حتى لا تضطرب , ويسر سبلها لينتشر فيها الخلق ويبتغي من فضله ويتأمل في كل آية يراها ويتعظ , وعليه أن يرى كيف أنبت الله فيها من كل زوج بهيج , وليرى كيف أن الله أحاط بالأرض البحار وأجرى بين سهولها الأنهار ليشربوا منها ماء عذبا ويسقوا ثمارهم وأنعامهم , ألا تكفي هذه الأمور لأن يتدبرها من كان عنده عقل رشيد فيهتدي لخالقه ويعبده ولا يشرك به شيئا .
وقال تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ{190} الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار } 191 آل عمران
صدق الله العظيم.
معنى عبادة التفكر هو التدبر والإعتبار والإفتكار وقيل هي عبادة تمارس بالقلب وتشترك فيها العين وكانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة مباشرة حياة تفكر وتعبد لله.
قالت السيدة عائشة رضي الله عنها (حبب اليه الخلاء) أي عبادة التأمل والتفكر في مخلوقات الله وكانت عبادة ابراهيم عليه السلام كما قال الله عز وجل : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } الأنعام75
قال صلى الله عليه وسلم : ( اعطوا اعينكم حظها من العبادة ، فقالوا : يا رسول الله وما حظها من العبادة. قال : النظر في المصحف والتفكر فيه والإعتبار عند عجائبه )
إن إبراهيم الخليل عليه السلام كان شابا صغيرا يافعا نقي القلب صافي الفطرة نشأ بين أقوام انتكست فيه عقولهم واختلت في أنفسهم فطرهم , فصاروا يعبدون الأصنام من دون الله , فحتى أبوه الذي نشأ في بيته كان على عبادة الأصنام , فحبب الله إلى إبراهيم في بداية الأمر إلى التأمل في السماء وزينتها والنظر في الكواكب و النجوم وسحر جمالها , فكان يراقب شروقها ومغيبها, حتى تبين له أن هذا الكون الفسيح له خالق جليل ولم يأتي هكذا عبثا , وهذا كله كان قبل أن يبعث فقادته فطرته النقية إلى التأمل في أسرار هذا الكون ومعرفة الله عبر النظر في آيات الله والتفكر فيها , قال الله تعالى : ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ) الأنعام (78) ,
فكان تأمل إبراهيم في تلك الآيات من قريب وهو في قريته من غير أن يجهد نفسه بعيدا , فكيف بمن يجتاز القرى والفيافي ويطوف الأرض ويتجول في سهولها ويهبط أوديتها ويخيم في أدغالها ويصعد إلى رؤوس الجبال ولا يهتدي بعد ذلك لخالقها ويقول هذا من صنع الطبيعة , هذا والله هو الكبر والاستعلاء والجحود والتنكر لخالق السموات والأرض , فالذي لم تدله هذه الآيات المبصرة على ربه فلن يهتدي إذا أبدا .
وقال بشر الحافي ( لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى ما عصوه) وقال عمر ابن عبد العزيز ( التأمل في نعم الله افضل عبادة ) وقال ابو الحسن ( تفكر ساعة خير من قيام ليلة ) وقال يوسف بن اسباط ( إن الدنيا لم تـُخلق لينظر اليها بل لينظر بها الى الآخرة ).
لقد حرص الصالحين على ان يتفكروا وهم يسبحون الله ويحمدونه او يكبرونه أو يوحدونه لأن الذكر والفكر يعمقان معرفة الله في القلب ولأن الذكر هو تكرار الصيغة لرسوخ المعنى والفكر هو التعمق والتركيز للوصول لمعرفة الله .
وسنضرب بعض الأمثلة على التفكر بعظمه الخالق :
هل فكرت يوما ً في إختلاف الوان الورد وتنوع أنواعه وأشكاله ، واختلاف روائحه وعبيره مع أنه يخرج من أرض واحدة ويًسقى بماء واحد ؟
هل فكرت يوما ً في هذا الشعر الذي يستمر في النمو طوال عمرك ، في حين يتوقف سائر أعضاء الجسم عن النمو في وقت ما ؟
هل فكرت يوما ً في هذه القطعة الصغيرة المسماة اللسان ..! والتي لها عدة وظائف فهي تساعد على تذوق الطعام ومضغه ..! والكلام ، وذكر الله ؟
هل فكرت يوما ً في هذه الغدد العديدة التي توجد في جسمك والتي تنظم العمل به و تقوم بتوزيع الهرمونات كُلً في مكانها بمنتهى الدقة والإتقان ..!
هل فكرت يوما ً في هذا الجنين الذي ينمو في ماء الرحم ، ثم يخرج الى الهواء ، وفي الحالتين يتنفس ، وفي مراحل تطوره من نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ً و لحما ً ثم خلق آخر ، رضيعا ًيمر بمراحل أخرى ، طفلا ً ، صبيا ً ، شابا ً ، كهلا ً،
ثم عجوزا ً ؟
هل فكرت يوما ً في العين ، قطعة اللحم الصماء الصغيرة جداً والتي لا حول لها ولا قوة ، وترى بها فى النور كل شيء ؟
هل وفكرت يوما ً في لسان المزمار وانه لا يوجد إنسان صوته مثل الآخر والأغرب بديع الأذن التي تتلقى هذه الأصوات .. والأغرب ان جميع الحيوانات لديها نفس الأدوات ولا تتكلم ؟
هل فكرت يوما ً في من جعل من الماء نسبا ًوصهراً ، واختلاف البصمات و ال DNA وكل ما يحتويه علم الوراثة ؟
هل فكرت يوما ً انه ما أنزل الله من داء إلا جعل له دواء , وان كل هذا الدواء من الأعشاب ومن نفس الأرض ؟
وغيرها الكثير والكثير لايحصيها مقال ولا يحدها كتاب
" سبحانك ربى ، جل شأنك ، وعظم ثناؤك "
إن المخلوقات المحيطة بنا كثيرة جدا ويمكن التأمل فيها من قريب ولذلك ضرب الله لنا مثلا في حيوان قريبا جدا من بيئة العرب وله مكانة ومحبه أكثر من غيره من الأنعام , ولم يضربه لنا مثلا لتفرده على معجزات أكثر من غيره , بل الأنعام كلها آيات معجزة ولكن للتقريب للنفس العربية أختار الله الإبل لتكون مثلا يستحق التدبر والتأمل , يقول الله تعالى (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ) الغاشية (17) ,
فهذا الحيوان ملك قلوب العرب وخاصة البادية منهم فهم يتباهون بتملك الإبل وتربيتها ويتغنون في أشعارهم بحبها ويجعلونها مهرا لبناتهم وفدية لفكاك أسيرهم وقتيلهم وركابا لسفرهم ونقل متاعهم ولحما وفيرا لإكرام ضيفهم وصوفا لأثاثهم وثيابهم ولبنا صافيا لشرابهم , وقد روى أبو نعيم في " صفة الجنة " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والفردوس أعلاها سموا ، وأوسعها محلا ، وفيها تفجر أنهار الجنة ، وعليها يوضع العرش يوم القيامة . فقام إليه رجل ، فقال : يا رسول الله ، إني حبب إلي الخيل ، فهل في الجنة خيل ؟ قال : إي والذي نفسي بيده ، إن في الجنة لخيلا ، وإبلا هفافة ، تزف بين خلال ورق الجنة ، يتزاورون عليها حيث شاءوا ( ..
بل وقد قرب الله للإنسان آيات التدبر أكثر من ذلك وجعلها قريبة جدا إليه , قال الله تعالى : ( وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) الذاريات(21) ,
وفي هذه الآية يوجه الأنظار إلى أن الأرض مليئة بالآيات لمن يريد أن يتيقن وجود الله وقدرته على الخلق , وأقرب شيء هو نظر الإنسان في نفسه , فكيف أنه خلق من نطفة ثم صار علقة ثم عظاما ثم كسيت لحما حتى صار خلقا تاما فتبارك الله أحسن الخالقين , أليس خلق الإنسان بهذه الهيئة إعجاز إلهي وأية من آيات الله فلما لا يتدبر الإنسان كيف خلق , قال تعالى : (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) (8) الطارق ,
فخلقه بهذه الصورة الجميلة يعد إعجازا في الخلق وتكريما له عن سائر المخلوقات , وميزه الله بالعقل المسيطر على منافع الأرض فهو سيد الأرض يستفيد مما سخر الله له من نعم ويجعلها في مصالحه وهذا كله من فضل الله عليه .
وهكذا التدبر في كل شيء يقودك إلى أن تؤمن إلى أن هذا الكون له خالق ومدبر وليس له شريك في الملك , ومن العجائب أن الذي يتجول في المناطق الصحراوية فإنه يراها في الصيف جرداء قاحلة ليس فيها أثر نبات ولا شجر فإذا جاء موسم الأمطار والربيع انقلب وجه تلك الأرض عن حالها وتحولت إلى جنة غناء خضراء وقد انتشرت فيها مختلف الأزهار وعادت لها الحياة , فمن جاء بتلك الأعشاب وزرعها ومن أحياها بعد ذلك الموت ؟ قال تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ) السجدة (27)
وكذلك أية الليل والنهار فإنها من أعجب الآيات فإن الله يدخل الليل في النهار ويدخل النهار في الليل وكل واحد منهم يطلب الأخر من غير توقف , فلم نسمع أن الليل توقف عن مروره أيام أو النهار فعل ذلك بل الحياة تدور في انسجام دقيق , وهذا دليل على قدرة الله عز وجل على إدارة الكون ولا يعجزه شيء سبحانه , يقول الله تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (72) القصص .
وماذا اكتشف الغرب اليوم في التأمل والتفكير في الاء الكون العظيم ؟
فقد اهتم العلماء في الآونة الأخيرة بهذا الموضوع ، خصوصا بعد أن ثبت بأن النشاط المعرفي والانفعالي للإنسان له أثر مباشر علي مقاومته الطبيعية للأمراض الجسمية .
إن المتدبر لآيات الكون لا يسعه إلا أن يؤمن بالله العظيم ويزداد إيمانا على إيمانه ولكن من تغلف قلبه بالكبر فإنه كمثل الشيطان الساخر الذي لا تعني له الآيات شيئا , بل يمر عليها مر السحاب ويقول هذا صنع الطبيعة ولا ندري ما هي الطبيعة التي يقر بها ويعظمها , فهل عجز هذا المتأمل الجاهل أن يقول كقول الله تعالى : (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) النمل (88) ,
فعلى المؤمن أن لا يغفل عن تدبر كل ما يمكن تدبره من خلق الله , من شمس وقمر ونجوم وليل ونهار ومطر وسحاب ورياح وغيرها , فهذه كلها علامات تدل على أن الله هو الخالق المدبر لا إله إلا هو سبحانه رب كل شيء ومليكه هو الرحمن الرحيم .
اللهم اجعلنا من :
{ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } آل عمران191
"رزقنا الله وإياكم عبادة التفكر والتدبر في مخلوقات الله حولنا ولو خمسة دقائق كل يوم عسى ان يرضى الله عنا "
وصل الله على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين .
المراجع
1- http://www.rwlh1.com/vb/t5907.html
2- http://www.tbeeb.net/ask/showthread.php?t=148992
3- http://muntada.islamtoday.net/t112847.html
------------------------------------------------
اسم الطالبة : ديما إبراهيم العوض
شعبة : FA
الثقافة الإسلامية
إدارة أعمال – مستوى ثاني

