أرى من واجبى أن أتوجه بالشكر والامتنان إلى كل من أعدوا لهذا المؤتمر أو شاركوا فيه، فهذه المؤتمرات تؤدى حتما إلى إثراء التفاهم بين الأديان السماوية، والوقوف على الأرضية المشتركة بينها، وإزالة كل ما يسئ إليها أو يشوه صورتها بسبب أفعال قوم يزعمون انتسابهم إلى الدين، والدين برىء مما يفعلون.
مكانة الإنسان فى الإسلام
فى اعتقادى أن المحور الرئيسى الذى يرتكز عليه موضوع حقوق غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى، هو نظرة الإسلام إلى الإنسان، فالإنسان فى الإسلام يحظى بمكانة كبرى من ثلاث نواح: فقد كرمه الله عز وجل، واستخلفه فى الأرض، وحمله الأمانة (1).
والآيات القرآنية العديدة التى تمجد الإنسان وتعلى مرتبته فوق كل المخلوقات تتناول الإنسان لذاته لا لاعتقاده، ومن حيث هو تكوين بشرى وقبل أن يعتنق دينا معينا، وقبل أن يصبح أبيضا أو أسودا أو أصفرا، وليس صحيحا على الإطلاق أن تلك الحفاوة القرآنية عن نصيب المسلمين دون غيرهم كما يتصور البعض، ذلك أن النصوص القرآنية شديدة الوضوح فى هذه النقطة بالذات، فهى تارة تتحدث عن الأنسان " وتارة تتحدث عن "بنى آدم" ومرات أخرى توجه الحديث إلى " الناس "، وهذا التعميم لا تخفى دلالته على أى عقل منصف مدرك للغة الخطاب فى القرآن الكريم التى تستخدم موازين للتعبير غاية فى الدقة، فتبين متى يكون الخطاب للإنسان والناس عامة، ومتى يوجه الكلام إلى المؤمنين والمسلمين قبل غيرهم (2).
هذه النظرة السامية للإنسان- لمجرد كونه إنسانا وبغض النظر عن أية صفة أخرى فيه- تقود على الفور إلى تأكيد حقيقة ثابتة وهى أن الإسلام يساوى بين الناس جميعا، فالتفرقة بين الناس- فيما هو دنيوى- حسب اعتقادهم أو جنسهم أو لونهم ليست من منهج الإسلام، فالناس جميعا - بنص القرآن الكريم- قد خلقوا من نفس واحدة (3).
ولذلك كان الرسول e يردد فى دعائه فى صلاة آخر الليل: اللهم إنى أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، وأن العباد كلهم إخوة.
والأمر الذى ينبغى أن ننبه إليه هو أن ما نادى الإسلام من المساواة بين الناس جميعا، لم يكن- فى ذلك الوقت- يسيرا على نفوس عاشت على إنزال الأوضاع القبلية منزلة تكاد تكون مقدسة، إذ كان عرب الجاهلية يحتفظون بأنسابهم جيلا بعد جيل بصورة يصعب أن نجد لها نظيرا فى أمة من الأمم، بل وقد كان من أسباب هجوم قريش على الدعوة الإسلامية أنها أنزلت على رجل فقير، وقد سجل القرآن الكريم ذلك (4).
إن الإسلام يجعل للإنسان طبيعة مكرمة، لا تتقيد بجنس أو دين أو مكانة اجتماعية، ومن هذه الطبيعة- التى تحددت معالمها فى القرآن الكريم- يستمد الإنسان حقوقه، فلا يصح أن يتعرض إلى اضطهاد أو ظلم أو إيذاء أو تفرقة فى المعاملة بسبب العرق أو اللون أو العقيدة أو الدين.
هذه المساواة بين الناس- التى أكدها الإسلام- لا تقتصر على كونها " حقا " للإنسان، بل تتجاوز ذلك إلى إدخالها فى إطار "الواجب "، فحقوق الإنسان فى الإسلام تعتبر من "الضرورات الواجبة " بحيث يأثم كل من يفرط فيها، فهى الأساس الذى يستحيل قيام " الدين " بدون توفرها للإنسان (5).
إن الإنسان فى نظر الإسلام هو مخلوق الله المختار، الذى نفخ فيه من روحه، وفضله على جميع المخلوقات. وليس للمسلم من هذه الزاوية أى أفضلية على غيره، وإنما هو إنسان شأن أى إنسان آخر (6).
وقد بلغ حرص الإسلام على حياة الإنسان- أى إنسان- أنه اعتبر ( من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) (7).
فهذه الآية الكريمة تنطوى على تصور بالغ القوة فى الدلالة على بشاعة جريمة قتل الإنسان ظلما بغير حق، فهى ليست عدوانا على الفرد فقط ولا عدوانا على المجتمع كما تنص التشريعات الجنائية الوضعية، ولكنها شىء أكبر وأفدح، إنها عند الله سبحانه عدوان على الناس جميعا، على الجنس البشرى بأسره دون تفرقة بين لون وجنس وملة.
وقد سجلت كتب السيرة والأحاديث النبوية الشريفة أن جنازة مرت على رسول الله e فقام، فقيل له إنه يهودى، فقال مستنكرا ( أليست نفسا ؟) (8).
كذلك جاء فى خطبة الوداع: ( يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، وكلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربى على عجمى، ولا لعجمى على عربى، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد ) (9).
وخلاصة القول أن القراءة المستنيرة للإسلام، بعيدا عن الهوى وركوب لموجات تؤكد أن أعظم ما يزهو به الإسلام هو احترامه لحقوق الإنسان، بل وتسجيله لها قبل أن تعرف الدنيا هذه الكلمات، وقبل أن يخطر على البال أن تصاغ فى قوانين أو مواثيق دولية.
دستور حقوق غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى
انطلاقا من مبدأ المساواة بين الناس جميعا، وضع الإسلام أساس التعايش بين المسلمين وغير المسلمين فى القاعدة الذهبية التى أسندها الكاسانى إلى حديث نبوى شريف، وهو( لهم ما لنا وعليهم ما علينا ) (10).
ولم تكن هذه القاعدة مجرد شعار يرفع، بل تم تسجيلها فى أول وثيقة مكتوبة فى تاريخ الإسلام، وهى الوثيقة التى حررها النبى e وهو يرسى أسس المجتمع الإسلامى فى المدينة، والتى عرفت باسم " صحيفة المدينة "، فقد تضمنت نصا اعتبر اليهود مع المسلمين " أمة واحدة "، بحيث عوملوا
كمواطنين فى الدولة الإسلامية الوليدة، ولم يعاملوا كأجانب أو رعايا من الدرجة الثانية.
هذه الوثيقة جعلت غير المسلمين المقيمين فى دولة الإسلام مواطنين فيها، لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين، وعليهم من الواجبات مثل ما على المسلمين.
هذه الوثيقة تعد مفخرة من مفاخر الإسلام، لأنها سبقت المواثيق العالمية والدساتير الوطنية بقرون عدة فى مجال تطبيق مبدأ الحرية الدينية فى ظل ظرف الأمن والسلام الاجتماعى القائم على مبدأ الوحدة الوطنية بين ذوى العقائد الدينية المختلفة.
وبالإضافة إلى ذلك فإن الرسول الكريم قد طبق قاعدة " لهم ما لنا وعليهم
ما علينا " فى كافة معاملاته وحياته الشخصية، وضرب المثل والقدوة للمسلمين على ذلك، وفى هذا الصدد كتب الأستاذ الدكتور أحمد محمد الحوفى. يقول: "وكان عليه الصلاة والسلام يحضر ولائم أهل الكتاب، ويغشى مجالسهم، ويواسيهم فى مصائبهم، ويعاملهم بكل أنواع المعاملات التى يتبادلها المجتمعون فى جماعة يحكمها قانون واحد، وتشغل مكانا مشتركا، فقد كان يقترض منهم نقودا، ويرهنهم متاعا، ولم يكن ذلك عجزا من أصحابه عن إقراضه، فإن بعضهم كان ثريا، وكلهم يتلهف على أن يقرض رسول الله، وإنما كان يفعل ذلك تعليما للأمة، وتثبيتا عملت لما يدعو إليه من سلام ووئام، وتدليلا على أن الإسلام لا يقطع علاقات المسلمين مع مواطنيهم من غير دينهم " (11).
وجاء فى السيرة النبوية الشريفة أن رسول الله e زارع أهل الكتاب وساقاهم، وأكل من طعامهم، ولم يتردد فى أن يزور غلاما يهوديا مريضا فى بيته (12).
وكتب الحديث زاخرة بالأحاديث النبوية الشريفة التى تحذر من ظلم غير المسلمين من أهل العهد والذمة، ومنها قول رسول الله e ( من ظلم معاهدا أو أنقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة) (13).
وقال أيضا: ( من آذى ذميا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة )(14).
وقال أيضا: ( من آذى ذميا فقد آذانى، ومن آذانى فقد أذى الله ) (15).
ويلاحظ أن معنى الإيذاء لا ينصرف إلى الإيذاء المادى أو الجسدى فحسب،
بل يشمل أيضا الإيذاء المعنوى الذى يقوم أساسا على المساس بالشعور والكرامة، وقد ورد هذا المعنى فى القرآن الكريم فى مقام توجيه المسلمين إلى التأدب والتوقير فى معاملة النبى ودعوتهم إلى عدم دخول بيته بغير أذى إذ جاء فى سورة الأحزاب: ( إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحيى منكم) (16).
اختلاف الدين لا ينال من وحدة الدم والمصير
عندما جاء عمرو بن العاص فاتحا لمصر، وضع أمام عينيه الآية الكريمة:
( لا إكراه فى الدين) (17)، والتزم بمبدأ التعددية الذى أرسته "صحيفة المدينة " وخاصة أنه وجد الأقباط يعانون من اضطهاد مذهبى مرير على أيدى الرومان المسيحيين بسبب الخلاف حول الطبيعة الواحدة أو الطبيعتين للسيد المسيح وقد سجل التاريخ أن الأقباط قل ساعدوا المسلمين على فتح مصر، ورحبوا بهم لإنقاذهم من الاضطهاد الذى كانوا يتعرضون له على أيدى الرومان، وقد بادر عمرو بن العاص إلى إعادة البابا بنيامين- بطريرك الأقباط- إلى كرسيه بعد أن ظل هاربا فى الصحراء لمدة اثنى عشر عاما، كما أعاد للأقباط كنائسهم التى اغتصبها الرومان، وخطب فى أول جمعة صلاها بجامعه بالفسطاط قائلا: " استوصوا بمن جاوركم من القبط خيرا، فإن لكم فيهم ذمة وصهرا، فكفوا أيديكم، واعفوا، وغضوا أبصاركم ".
وعند الفتح الإسلامي الذى أنقذ الأقباط من ظلم الرومان، استوعب الأقباط جيدا الدرس الذى تلقوه من الإمبراطورية الرومانية المسيحية، وأدركوا أن اختلاف الدين لا ينال من وحدة الدم والمصير بين أبناء مصر جميعا. وهذا ما يفسر لماذا حارب الأقباط فى صفوف المسلمين ضد جميع الغزاة من الصليبيين والفرنسيين والإنجليز والإسرائيليين وغيرهم.
ومنذ التقاء الإسلام والمسيحية على أرض مصر، عاش المسلمون والأقباط كأسرة كبيرة واحدة يسودها الحب والوفاء والإخلاص فى كل مناحى الحياة، وذلك باستثناء بعض عهود الضعف والتدهور التى كان الظلم فيها يقع على المسلمين والأقباط معا. وقد لاحظ عميد الاستعمار البريطانى اللورد كرومر الاندماج التام بين المسلمين والأقباط فكتب قائلا: " إنه لا يوجد شىء على الإطلاق يميز بين المسلم والقبطى فى مصر، لا فى الشكل، ولا فى الزى، ولا فى العادات أو التقاليد أو أسلوب المعيشة، الشىء الوحيد الذى يميز بينهما هو أن المسلم يعبد الله فى المسجد والقبطى يعبد الله فى الكنيسة " (18).
لقد عبر الرئيس محمد حسنى مبارك عن هذه المعانى أصدق تعبير فى خطابه فى عيد العمال الأخير (30/4/1997م) عندما قال بالحرف الواحد: (إن أقباط مصر هم جزء أصيل من نسيجها الوطنى، مواطنون شرفاء لهم ما لنا وعليهم ما علينا، حقوقهم مصونة لأنها حقوق كل مصرى، شركاء أصلاء فى وطن يعتنق السماحة، تعلم منذ ثورة 1919م أن الدين لله والوطن للجميع) (19).
إننى أقول للذين يحاولون إشعال نيران الفتنة الطائفية، أو بذر بذور الشقاق بين الأشقاء: اقرأوا تاريخ مصر.. واستوعبوا دروسه جيدا.. وعندئذ ستدركون مدى الخطأ الفادح الذى ارتكبتموه فى حق مصر و المصريين.
من الظلم محاكمة الدين بتصرفات بعض المنتمين إليه
من الظلم البين محاكمة الدين بتصرفات بعض المنتمين إليه، فالعدالة تقضى بأن تقاس تصرفات المنتمين إلى الدين بموازين الدين نفسه، والعكس ليس صحيحا بأى حال، وبناء عليه 1فلا يصح أن يحاكم الإسلام بما يصدر عن بعض المتطرفين من المسلمين من تصرفات يرفضها الإسلام ويأمر بعكسها تماما، وكذلك يوجد فى الغرب العديد من المتطرفين والإرهابيين الذين ينتمون إلى المسيحية، ولا يصح أن تحاكم المسيحية بتصرفات هؤلاء المسيحيين.
أسال الله- جلت قدرته- أن يفتح قلوب وعيون من يحيدون عن تعاليم الدين الصحيح، ليكتشفوا ما يزخر به الدين من مبادئ وتعاليم سامية تدعو إلى الإخاء والمحبة بين البشر جميعا.
المراجع
(1) يراجع على سبيل المثال: الإسراء: 70، البقرة: 30، الأحزاب: 72.
(2) للمزيد، راجع : فهمى هويدى- مواطنون لا ذميون، الطبعة الأولى سنة
1985م، دار الشروق، ص 81، وكتابنا فى معاملة غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى- الطبعة الأولى، سنة 1993 م، مكتبة غريب ص 20.
(3) النساء:1، لقمان: 28.
(4) الزخرف: 31-32.
(5) يراجع: محمد عمارة، الإسلام وحقوق الإنسان، ضرورات لا حقوق، الكويت، سنة1985 م، ص 14-16.
(6) فهمى هويدى: الاشتباك الموهوم بين الإسلام و التعددية، الأهرام
18/6/ 996 1 م.
(7) المائدة: 32.
(8)سنن النسانى، بشرح الحافظ جلال الدين السيوطى وحاشية السندى ، ج 3، ص 45، سنن أبى داود، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة، ص 64.
(9) انظر: هذا هو الإسلام، سلسلة ثقافية تصدرها وزارة الأوقاف، الجزء الخاص بسماحة الإسلام وحقوق غير المسلمين، سنة 1991 م، ص 21.
(10) يراجع: الكاسانى، بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع، ج 7، ص 111.
(11) يراجع: أحمد محمد الحوفى، سماحة الإسلام، القاهرة سنة 958ا م، ص 87 و 88.
(12) يراجع: فهمى هويدى، المرجع السابق، ص 182.
(13) رواه أبو داود عن عدة من أبناء الصحابة.
(14) جامع الأحاديث للأمام السيوطى، ج 2 ص 547.
(15) جامع الأحاديث للأمام السيوطى، ج 2 ص 158.
(16) الأحزاب: 53.
(17) البقرة: 256.
(18)يراجع. كتاب كرومر، مصر الحديثة بالإنجليزية، ج 2 ص 205-206 و 568-569.
(19) جميع الصحف الصادرة يوم 1/5/1997م ....أرجوا من أللة أن يكف بعض الشيوخ الذين يشحنون الشباب للفتن ومعاداة الاخرين ناسيين قدوة الرسول فى المعاملة الحسنة لغير المسلميين ...هؤلاء الشيوخ اساءوا للاسلام بكراهيتهم للاخرين ....أتمنى أن تعيد الامة المصرية تماسكها بعضا لبعض ...... المقالة القادمة(حقوق المسيحى أتجاة أخية المسلم )


ساحة النقاش