وليد الأشوح يطرح نظرية جديدة لبناء اقتصاد معرفي قائم على الوعي والتحول والإبداع
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم—من صعود الاقتصاد المعرفي إلى تحديات المناخ وأنظمة الابتكار—يقدّم خبير الاستدامة وعضو الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة المهندس وليد الأشوح نظريته الجديدة للتطور الثلاثي (ATTHE)، وهي رؤية شاملة تعيد تعريف كيفية نضوج الأنظمة البشرية والبيئية، وكيف يمكن تحويل المعرفة إلى قوة اقتصادية خلاقة.
لا تأتي النظرية بوصفها مخططًا فكريًا مجردًا، بل بوصفها إطارًا تطوريًا متكاملاً يؤسس لبناء اقتصاد معرفي قائم على وعي مستمر، وتحول نقدي، وإبداع متجدد.
وترتكز على ثلاث مراحل حاكمة تشكّل القاعدة المعرفية لصناعة القيمة: البداية (الاستقبال)، التحول (النقد والتفكيك)، ثم الإبداع (الظهور).
قانون الثلاثية: البنية الداخلية لاقتصاد قائم على المعرفة
تعتمد النظرية على فرضية مركزية:
لا ينتقل أي نظام—فردي، مؤسسي، بيئي، أو حضاري—إلى مستوى أعلى من الفاعلية المعرفية إلا عبر ثلاث مراحل إلزامية.
هذه المراحل تشكّل خريطة التطور التي تقترحها النظرية:
1. البداية (B): التلقي بوصفه قاعدة التعلم
تتسم هذه المرحلة بالتكرار، والنقل، والاستيعاب السطحي.
وهي النقطة التي يُخزّن فيها النظام المادة الأولية للانتقال اللاحق.
2. التحول (C): النقد بوصفه نقطة الانعطاف
مرحلة تفكيك البنى القديمة، وطرح الأسئلة العميقة، وتشكيل الوعي القادر على إعادة تفسير ما تم تلقيه.
وهي مرحلة تُرهق النظام لكنها تمنحه القدرة على إعادة البناء.
3. الظهور (E): الإبداع بوصفه نضجًا
تشكّل هذه المرحلة إنتاج القيمة الحقيقية—فكرة جديدة، نموذج اقتصادي مبتكر، أو معرفة قابلة للتحويل إلى أثر مجتمعي.
ويمتد النمو عبر حلزون تطوري صاعد:
Eₙ → Bₙ₊₁
أي أن كل إبداع يتحول إلى بداية جديدة أعلى مستوى.
المحركات الأربعة: الإضافات التي أعطت النظرية بعدها الاقتصادي–المعرفي
إلى جانب الثلاثية، تضيف النظرية أربعة عناصر تُعدّ المحرك الحقيقي لاقتصاد معرفي إبداعي:
1. استمرار الوعي: محرك النمو ما بعد اللغة
يقدم الأشوح مفهومًا جديدًا هو استمرار الوعي بعد توقف اللغة، حيث يتجاوز التفكير حدود “النص” ليصبح عملية مستمرة تعيد تفسير الواقع.
وهذا الاستمرار هو ما يخلق:
رؤية استراتيجية،
تحليلًا عميقًا،
وإبداعًا غير مألوف.
من دونه، يتحول النظام إلى جهاز يستقبل ولا يُنتج.
2. الأخلاق: المعيار الذي يضبط مسار التطور
تؤكد النظرية أن أي اقتصاد معرفي بلا أخلاق يتحول بسرعة إلى اقتصاد استهلاكي أو مدمر للبيئة.
الأخلاق هنا ليست “قيمة إضافية” بل معيار أساسي يرافق:
تلقي المعرفة،
نقدها،
وتحويلها إلى نماذج إبداعية.
إنها ضمانة أن الإبداع سيخدم الإنسان والبيئة، لا أن ينهشهما.
3. الجمود الفكري: التحذير الذي يفسر فشل النظم
تحذر النظرية من “قانون الجمود الفكري”، وهو حالة توقف الأنظمة عند إحدى المراحل بسبب الخوف من النقد أو التغيير.
ويظهر الجمود في:
مؤسسات ترفض التحول لأنها معتادة على نمط ثابت،
مجتمعات تكرر الماضي دون مساءلته،
أفراد يظنون المعرفة هي الحفظ لا الفهم.
الجمود هو العدو الأول للاقتصاد المعرفي.
4. الثقافة: البيئة التي تحكم فعالية التطور
الثقافة هي الإطار البيئي الحاكم لعمل الثلاثية.
فهي تُحدد:
كيف نتلقى المعرفة،
كيف نمارس النقد،
وكيف نبدع.
ولذلك تُعد الثقافة حجر الزاوية لكل اقتصاد معرفي وبغياب ثقافة نقدية وإبداعية، تفشل الأنظمة مهما توافرت لها الموارد.
الوعي والثقافة… ما الفرق؟
المجال
الوعي
الثقافة
الطبيعة
فردي، ذاتي
جماعي، مكتسب
الوظيفة
تحليل، تفكيك، فهم
تشكيل السلوك والقيم
الدور في النظرية
المحرك الداخلي للتطور
البيئة المنظمة للمراحل الثلاث
السرعة
سريع التغيّر
بطيء لكنه مؤثر بشدة
الوعي يولّد الفكرة… والثقافة تُحدد مصيرها.
من هنا ينشأ اقتصاد معرفي حقيقي: من فرد واعٍ داخل ثقافة تسمح له بالإبداع.
التطبيق البيئي: استدامة الوعي بوصفها مسارًا تطوريًا
يمثل الوعي البيئي إحدى تطبيقات النظرية الأكثر وضوحًا:
الاستغلال (B): التعامل مع الطبيعة كمورد للنهب.
المساءلة (C): العلم يقيّم الأثر ويكشف الأزمة.
الشراكة (E): حلول قائمة على الطبيعة، اقتصاد دائري، كربون أزرق.
عبر هذا المسار يصبح مفهوم الاستدامة نتيجة تطورية طبيعية وليست مشروعًا بيروقراطيًا.
حالة تطبيقية: غابات المانجروف — نموذج تطوري عربي ناجح
تُظهر تجربة السعودية ومصر مع المانجروف التطبيق العملي للنظرية:
B: استخدام تقليدي غير واعٍ.
C: دراسات علمية وسياسات بيئية.
E: محميات ذكية، استزراع واسع، نماذج اقتصادية قائمة على الطبيعة.
هنا لم يحدث “إصلاح بيئي”… بل إعادة تصميم للعلاقة بين الإنسان والطبيعة.
نحو اقتصاد عربي قائم على الوعي والإبداع
تمنح نظرية الأشوح للتطور الثلاثي أدوات عملية تتيح:
تشخيص المرحلة التي يقف عندها أي نظام،
كشف أسباب الجمود،
تصميم انتقالات آمنة،
وبناء اقتصاد معرفي قادر على الإبداع والاستدامة.
وتؤكد النظرية أن:
الاقتصاد المعرفي لا يُبنى بضخ المعلومات، بل بوعي مستمر، وثقافة حاضنة، وأخلاق صارمة، وتحول نقدي يُنتج إبداعًا قادرًا على البقاء.


