<!--

<!--<!--<!--

سلسلة كيف نفهم القرآن؟ (*)

(تفسير سورة آل عمران بأسلوب بسيط جداً)

1. تفسير الربع الأول من سورة آل عمران

الآية 1: ﴿الم﴾: سَبَقَ الكلام عن الحروف المُقطَّعة في أول سورة البقرة.

الآية 2، والآية 3، والآية 4: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: أي الذي لا يَستحق العبادة إلا هو، ثم ذَكَرَ سبحانه الدليل على ذلك، فأخبَرَ أنه ﴿الْحَيُّ﴾ الذي لا يموت، وكُلُّ حَيٍّ غيره مَسبوقٌ بالعدم، ويَلحقه الفَناء، فهو وحده المُتَّصِف بالحياة الكاملة، وهذه الحياة الكاملة تَتطَلَّب بالضرورة وجود جميع الصفات - التي لا تتم الحياة إلا بها - (كالإرادة والعِلم والسمع والبصر والقدرة والقوة والعظمة والعِزّ، وغير ذلك من صفات الجلال والكمال)، وهو سبحانه ﴿الْقَيُّومُ﴾: أي القائم على كل خلقه بالتربية والرعاية والحفظ والرزق والتدبير، ولذلك افتقرتْ إليه جميع مخلوقاته، واستغنى هو سبحانه عن خلقه.

ومِن مَظاهر قيامِهِ تعالى بشؤون عباده ورحمته بهم أنْ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ﴾ - أيها الرسول - ﴿الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (وهو القرآن الذي لا شَكَّ فيه)، فكُلُّ ما فيه حقٌّ وصِدق، فكانَ ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أي مُوافقًا لِما كانَ قبله مِن صحيح الكُتب السماوية، لأنّ مَصدرها جميعًا واحد، وهو اللهُ تعالى، ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ﴾ - أي مِن قبل نزول القرآن - فأنزَلَها تعالى ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾: أي لإرشاد الناس إلى الإيمان، وإلى ما فيهِ صلاح دينهم ودنياهم، ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾: أي وأنزَلَ سبحانه ما يُفَرِّق به بين الحق والباطل، كالكتب السماوية والمُعجِزات، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ بمن جَحد حُجَجَهُ وأدِلَّته وتَفرُّده بالعُبودية.

الآية 5: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ - فعِلْمُهُ سبحانه مُحيطٌ بجميع الخلائق، وسيُجازي المُكَلَّفين منهم على أعمالهم.

الآية 6: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي يَخلقكم في أرحام أُمَّهاتكم كما يشاء (مِن ذكرٍ وأنثى، وأبيض وأسمر وغير ذلك﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي لا مَعبودَ بحقٍّ إلا هو سبحانه، وهو ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يَمنعه مانع مِمَّا أراد، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمْرِهِ وتدبيره.

الآية 7، والآية 8: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي القرآن الكريم ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ أي: مِنْ القرآن آياتٌ واضحات الدِّلالة، لا تَحتمل إلا معنًىً واحدًا، فلذلك ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: أي هُنَّ أصل الكتاب، بحَيثُ يُرجَعُ إلى هذه الآيات عند وجود التباس، أو إشكال في الفَهم، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: أي وهناك آياتٌ أُخَر تَحتمل بعض المعاني، فلا يُعلَمُ المُراد منها إلا بضَمِّها إلى الآيات المُحكَمات، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: أي مرضٌ وضلال، فهؤلاء لِسُوء قصدهم: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: أي فيَذهبون إلى المُتشابِه وحده، دونَ أن يَرجعوا إلى المُحكَم الواضح، وذلكَ ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: أي طلبًا لعمل الفتنةِ، ليُثيروا الشُّبُهات عند الناس كي يُضِلوهم، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: وحتى يُفَسِّروا هذه الآيات المُتشابهات على ما يُوافق مَذاهبهم الباطلة، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: ولا يَعلم حقيقة معاني هذه الآيات إلا الله، ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾: يعني وأما المُتمكنونَ ﴿فِي الْعِلْمِ﴾ - وَهُم أهل العِلم اليَقيني، الذين رَسختْ أقدامهم في معرفة الحق، فلا يَزِلُّون مِن أجلِ شُبهة أو باطل - فهؤلاء ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾: أي صَدَّقنا بهذا القرآن، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: أي فالقرآنُ كله - المُحكَم منه والمُتشابه - قد جاءنا مِن عند ربنا على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويَرُدُّون مُتشابِهه إلى مُحكَمِه.


 

﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يعني: وإنما الذين يَفهمون المعاني على وجهها الصحيح ويتَّعظونَ بها: هم أصحاب العقول السليمة، فهؤلاء يَسألون ربهم الثبات، ويقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ﴾ أي لا تُضِلّ ﴿قُلُوبَنَا﴾، ولا تجعلها تميل عن الحق بسبب شُبهةٍ أو شهوةٍ أو فِتنة، وذلك ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ إلى الحق وعَرَّفتنا به، ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾: أي وامنحنا مِن فضلك رحمة واسعة، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ أي كثير الفضل والعطاء.

الآية 9: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾ يعني: يا ربنا، إننا نُقِرُّ ونَشهد بأنك ستجمع الناس ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: أي ليومٍ لا شَكَّ في وقوعه - وهو يوم القيامة - لِتُجازي فيه الناس بأعمالهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.

الآية 10: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أي لن تدفع عنهم مِن عذاب اللهِ شيئًا إن وقع بهم في الدنيا، ولن تدفعه عنهم في الآخرة، ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ﴾ أي حطب ﴿النَّار﴾.

الآية 11: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: يعني إنّ شأنَ الكافرين في تكذيبهم وما يَنزل بهم من العذاب، كشأن فرعون وأتباعه ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فقد ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: يعني إنكَروا آيات اللهِ الواضحة ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: أي فعاجَلهم اللهُ بالعقوبة بسبب تكذيبهم وعِنادهم ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.

الآية 12: ﴿قُلْ﴾ أيها الرسول ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن اليهود وغيرهم، الذين استهانوا بنصرك في بَدْر، وقالوا لك: (لا يَغُرَّنَّك أنك قاتلتَ مَن لا يُحسِنُ الحرب فانتصرتَ عليهم، إنك إنْ قاتلتَنا ستعلمُ أنَّا نحن الناس، وأنك لم تَلقَ مِثلنا)، فلمَّا قالوا قولتهم هذه يُهَددون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمَره اللهُ أن يقول لهم: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ في الدنيا، وستموتون على الكفر، ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ لِتكون فِراشًا دائمًا لكم ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: أي وهي بِئسَ الفِراش والمُستقرُّ.

وبالفِعل، فقد جَمَعهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: ﴿يا مَعشرَ يَهود، احذروا مِن اللهِ مِثلَ ما نَزَلَ بقريش يومَ بدر، قبل أن يَنزل بكم ما نزل بهم، وقد عرفتم أني نبيٌّ مُرسَل، تجدون ذلك في كتابكم وعَهْدِ اللهِ إليكم﴾، (وقد صَدَقَ القرآنُ فيما أخبر به مِن هزيمة اليهود، حينما قال لهم: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾، فكانَ هذا دليلاً على أن القرآن وَحيٌ من الله، وأن محمدًا هو رسول الله، وأن الإسلام هو دين اللهِ الحق).

الآية 13: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ - أيها اليهود المُعانِدون - ﴿آيَةٌ﴾: أي دلالة وعِبرة عظيمة ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾: أي في جماعتين تقابلَتا في معركة بَدْر، منهم ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي مِن أجلِ دين الله، وهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ تقاتل مِن أجل الباطل، ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ أي: وهذه الجماعة الكافرة ترى المؤمنين ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾: أي يَزيدون عليهم في العدد زيادة كبيرة، تبلغ المُضاعَفة، وأكَّدَ على ذلك بقوله: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾، (وقد جعل اللهُ ذلك سببًا في نصر المسلمين عليهم، فهزموهم وقتلوا زعماءهم، وأسَرُوا كثيرًا منهم)، ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (فاللهُ تعالى يَنصر مَن نَصر دينه، ويَخذل مَن كَفر به).

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي حَدَث ﴿لَعِبْرَةً﴾ عظيمة ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: أي لأصحاب البصائر النافذة، والعقول الكاملة، الذين يَهتدون إلى حِكَم اللهِ تعالى وأفعاله، وإلاَّ، فلو نَظَرَ الناظر إلى مجرد الأسباب الظاهرة (كالأعداد والسلاح)، لَتأكَّدَ أنه يَستحيل هزيمة هذه الفئة القليلة لِتلك الفئة الكثيرة، ولكنْ كانَ وراء هذا السبب - الذي يُشاهَد بالأبصار - سببٌ أعظم منه، وهو نَصْرُهُ تعالى لعباده المؤمنين بجنوده التي لا يَعلمها إلا هو (كالملائكة، وإلقاء الرُّعب في قلوب الكافرين، وتكثير أعداد المؤمنين في عيون أعدائهم، وغير ذلك).

الآية 14: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ: يعني إلاموال الكثيرة ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: أي الخيل الحِسَان (والحِسان: جَمْع حَسَن)، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ من الإبل والبقر والغنم (وهي الضأن والماعز)، ﴿وَالْحَرْثِ﴾: يعني إلارض المتَّخَذة للغَرس والزراعة، ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وزينتها الفانية، ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾: أي عِنْدَهُ حُسن المَرجع والثواب، وهو الجنَّة.

الآية 15، والآية 16، والآية 17: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾: يعني هل أُخبِركم بخيرٍ مما زُيِّن للنَّاس في هذه الحياة الدنيا؟، والجواب: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يعني: إنّ الذين راقبوا اللهَ تعالى وخافوا عقابه، هؤلاء لهم في الدار الآخرةِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي حدائق عجيبة، تجري أنهارُ الماء والعسل واللبن والخمر مِن تحت قصورها وأشجارها، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لا يخرجون منها أبداً ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ من كل أنواع الدَنَس الحِسِيِّ (كالبَول والحَيض)، وكذلك مِن الدَنس المعنوي (كالكذب وسُوء الخُلُق)، ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ يُحِلُّهُ سبحانه عليهم، فلا يَغضب عليهم أبداً، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا﴾ أي آمَنَّا بك، واتَّبَعنا رسولك محمدًا صلى الله عليه وسلم ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ ﴿وَقِنَا﴾ أي: وأجِرنا واحفظنا من ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾.

وهؤلاء المتقون كانوا في الدنيا: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى ما يُصيبهم من الابتلاءات، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يَزالُ البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يَلقى اللهَ وما عليه خطيئة) (انظر السلسلة الصحيحة: ج 5/ 349)، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في الأقوال والأفعال والنِيَّات ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾: أي الطائعين المُنقادين للهِ تعالى، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ الذين يُنفِقونَ مِن أموالهم سِرّاً وعَلانية، ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: أي الذين يُكثرون من الاستغفار - وهو طلب المغفرة - قبل طلوع الفجر بقليل (وهو وقت السحور)، (وقد خَصَّ اللهُ ذلك الوقت بالاستغفار، لأنَّه وقتٌ يُرجَى فيه قبول الاستغفار، وإجابة الدعاء).

الآية 18: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: أي شَهِدَ اللَّهُ تعالى أَنَّهُ لا معبودَ بحقٍّ إلا هو، وكل معبودٍ سوَاهُ باطل، وهذا هو ما يُعرَف بـ ﴿توحيد الأُلُوهِيَّة﴾، وهو إفرادُ الله وحده بجميع أنواع العبادة ﴿كالصلاة والصيام والدعاء والذبح والنذر والطواف والاستغاثة والاستعانة - فيما لا يَقدر عليه الخلق﴾، وغير ذلك من أفعال العبد.

وهذا النوع من التوحيد هو الذي لم يُقِرَّ به مُشركوا العرب، على الرغم مِن أنهم كانوا يَعترفون بأنّ اللهَ وحده هو المُتفرِّد بالخَلق والرزق والتدبير، وغير ذلك من أفعال الرَبّ سبحانه، وهو ما يُعرَف بـ (توحيد الرُّبوبِيَّة)، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾.

ورغم إقرار المشركين بتوحيد الرُّبوبية، فإنّ ذلك لم يُنَجِّهِم من الخلود الأبدي في نار جهنم، إذ إنه لابُدّ مِن أن يَجمعوا بين توحيد الألوهية وتوحيد الرُّبوبية (فكما اعترفوا بأنه وحده الخالق الرازق: لابد أن يعترفوا - أيضًا - بأنه وحده المستحق للعبادة، وأن يُوَحِّدوا له عبادتهم)، ولكنهم تكبروا عن الإقرار بتوحيد الأُلوهية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وذلك لأنهم كانوا يعلمون أنهم إذا أقرُّوا بكلمة: ﴿لا إله إلا الله﴾، فإنهم سوف يَنقادون لأمْر اللهِ وحده، ولن يُحَكِّمُوا أهواءهم وشهواتهم في أيّ أمْرٍ بعد ذلك.

﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾: أي وقد شهدتْ الملائكة، وشهد أهل العلم - أيضًا - على أنه لا معبود بحق إلا هو سبحانه، ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: أي قائمًا بالعدل، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

************************************************

2. تفسير الربع الثاني من سورة آل عمران

الآية 19: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: يعني إنَّ الدِين الذي ارتضاهُ اللهُ لخَلقِه، وأرسَلَ به رُسُله، ولا يَقبَل غيره هو الإسلام (وهو الانقياد للهِ وحده بالطاعة، والاستِسلام له بالعُبودية، والسَلامة من الشِّرك، واتّباع الرُسُل فيما بَعَثهم اللهُ به من التوحيد)، حتى خُتِموا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، الذي لا يَقبلُ اللهُ مِن أحدٍ دينًا - بَعدَ بِعثتِهِ - إلا الإسلام الذي أُرسِلَ به، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

﴿وَمَا اخْتَلَفَ﴾: يعني وما وقع الاختلاف بين ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مِن اليهود والنصارى، فتفرَّقوا شِيَعًا وأحزابًا ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: يعني إلا مِن بعد ما تبيَّنوا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو النبي الذي وُعِدوا به في التوراة والإنجيل، وذلك ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: أي ظلمًا وحسدًا، وحِفاظًا على المنافع التي بينهم، وطلبًا للدنيا، لأنّ كل فرقةٍ منهم كانت تتمنَّى أن يكون هذا النبي الخاتَم مِن عندها، حتى تكون لها الرئاسة والسُّلطة الدينية والدنيوية دونَ غيرها، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي يَجحد بها - وخصوصًا مَن ترَكَ الحق بعدما عرفه - ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي فإنّ اللهَ يُحصِي عليه ذنوبَ كُفره وسيئات عِصيانه، ثم يُحاسبه عليها ويَجزيه بها، وهو سبحانه سريع الحساب، فلا يَشغله شيءٌ عن آخر، ولا يُتعِبُهُ إحصاءٌ ولا عدد.

الآية 20: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾: أي فإن جادلوك بعد أن أقمتَ عليهم الحُجَّة ﴿فَقُلْ﴾ لهم: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾: أي أخلصتُ قصدي وتوجهي، وأخلصتُ جميع أعمالي القلبية والبدنية للهِ وحده، وانقدتُ له بقلبي ولساني وجميع جوارحي، (وإنما خَصَّ الوجه لأنه أشرف الجوارح، وعليه تظهر المَشاعر، وبه يَحصُل التوجُّه إلى كل شيء)، (فإذا خضع وجه العبد لله: خضعتْ له جميع جوارحِه، فلا يُشرك بعبادته أحدًا)، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾: أي وكذلك مَن اتبعني من المؤمنين، أخلَصوا توجههم وأعمالهم لله، وانقادوا لأمره، ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ وهم مُشرِكوا العرب: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾؟ ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ إلى الطريق المستقيم، ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: وإن أعرضوا عن الإسلام ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾: أي فما عليك إلا البلاغ، وقد أبلغتَهم وأقمتَ عليهم الحُجَّة، وحسابُهم على اللهِ تعالى ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.

الآية 21، والآية 22: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي يَجحدون بها كِبراً وعِناداً مِن بعد ما تبيَّنَ لهم الحق ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ ظلمًا ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾: أي ويَقتلون الناس الذين يَأمرون بالعدل واتِّباع طريق الأنبياء: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أي فأخبِرْهم بخبرٍ يَظهرُ أثره على بَشرَةِ وجوههم ألمًا وحسرة، وهو العذاب المؤلم - للأبدان والقلوب والأرواح - في النار، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي بَطلَتْ أعمالهم ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾، فلا يُقبَلُ منهم عملٌ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يَنصرونهم مِن عذاب اللهِ تعالى.

الآية 23: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى﴾ حال ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: أي آتاهم اللهُ عِلماً من التوراة ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾: أي يُدْعَوْنَ إلى كتابهم الذي يؤمنون به وهو التوراة ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾: أي لِيَفصل بينهم فيما اختلفوا فيه، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ لأنّ الحُكم لم يوافق أهواءهم، ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أي وهم مِن عادتهم أنهم دائمًا معرضون عن الحق.

الآية 24: ﴿ذَلِكَ﴾ الانصراف عن الحق ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: أي بسبب أنهم ﴿قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ وهي الأيام التي عبدوا فيها العِجل، وهذا اعتقادٌ فاسد لا دليل عليه، ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: أي وهذا الافتراء والاعتقاد الفاسد - وهو اعتقادهم بأنهم لن يُعذَّبوا إلا أيامًا قليلة - هو الذي جَرَّأهم على اللهِ تعالى، وعلى استهانتهم بدينه (وهو الإسلام)، وجَرَّأهم كذلك على استمرارهم على دينهم الباطل الذي خَدَعوا به أنفسهم.

الآية 25: ﴿فَكَيْفَ﴾ يكونُ حالهم ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهو يوم القيامة ﴿وَوُفِّيَتْ﴾ - في ذلك اليوم - ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.

الآية 26، والآية 27: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾: أي تمنح المُلك والمال والتمكين في الأرض ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ مِن عبادك ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ ﴿بِيَدِكَ الْخَيْر لا بِيَدِ غيرك، تُفِيضُ الخيرَ على مَن تشاء، وتَمنعه عَمَّن تشاء ﴿إِنَّكَ ٍعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يَمتنع عليك أمْرٌ من الأمور، بلِ الأشياءُ كلها طَوْع مَشيئتك وقدرتك، ومِن دلائل قدرتك - سبحانك - أنك ﴿تُولِجُ﴾: أي تُدخِل ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ فيَطولُ هذا ويَقصُر ذاك، ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ كإخراج الزرع من الحَب، والمؤمن من الكافر، ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ كإخراج البيض من الدجاج، والكافر من المؤمن، ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

الآية 28: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: يَنهَى اللهُ المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء - بالمَحبة والتأييد والمَعونة والنُصرة - على إخوانهم المؤمنين، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: أي ومَن يَتولهم ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾: أي فاللهُ تعالى برِيءٌ منه - ومَن بَرِئَ اللهُ منه فقد هَلك - ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: يعني إلا أن تكونوا ضِعافًا خائفين، تعيشون تحت سُلطانهم، فقد رَخَّصَ اللهُ لكم في أن تُعطوهم (حلاوة لسانكم) بكلمات المُجامَلة والمُلاطفة، مع مُخالفتهم بقلوبكم وأعمالكم، فتَتَّقوا بذلك شَرَّهُم وأذاهم حتى تَقوى شَوكتكم، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ في أن تتخذوا أعداءه أولياءَ ضد أوليائه، فاتقوه وخافوهُ ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾، فيُجازي كُلاًّ بعمله.

الآية 29: ﴿قُلْ﴾ للمؤمنين: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ من مَحبة الكافرين ونُصرتهم ﴿أَوْ تُبْدُوهُ﴾ يعني أو تُظهِروا ذلك للناس: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ وسيحاسبكم عليه، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي وعِلمُهُ تعالى مُحيطٌ بكل ما في السماوات وما في الأرض، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أي وله القدرة التامة على كل شيء.

♦ ورغم أنه كان مِن المُتوَقع - بعد أنْ ذكرَ تعالى عِلمَهُ الخاص (وهو عِلمه بما في الصدور)، وبعد أن ذكرَ عِلمه العام (وهو عِلمه بجميع ما في السماوات والأرض) - أن يقول بعدها: (والله بكل شيء عليم)، ولكنه سبحانه أرادَ إثبات صفة القدرة بعد إثباتِهِ لصفة العِلم، حتى يَكمُلَ بذلك تحذيرُهُ للعُصاة، فكأنه سبحانه أراد أن يقول: (ويُحذِّركم اللهُ نفسَه، فلا تتجرَّؤوا على عِصيانه ومُوالاةِ أعدائه: إذ إنه ما مِن معصية - خَفيةٍ كانت أو ظاهِرة - إلاَّ وهو مُطَّلِعٌ عليها، وقادرٌ على العقاب بها، وإنْ أنظرَ مَن أنظر، فإنه سبحانه يُمهِل، ثم يأخذ أخْذَ عزيزٍ مُقتدِر).

واعلم أنَّ قوله تعالى: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، فيهِ إرشادٌ إلى تطهير القلوب، واستحضار عِلم اللهِ تعالى بما فيها في كل وقت، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم -: (إنّ اللهَ لا يَنظر إلى صوركم وأموالكم، ولكنْ ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، فالقلب هو مَحلُّ نظر الرَبّ، فلذلك ينبغي أن يَستحي العبد أن يَرى اللهُ تعالى في قلبه أيَّ فِكْرٍ رديء، بل عليه أن يُشغِلَ فِكرَهُ فيما يُقربه إلى ربه (مِن نصيحةٍ يَنصحُ بها عباده، أو تدبُّر لآيةٍ من كِتابه، أو تفكُّر في عظمتِهِ تعالى ونِعَمِه، فيَستشعر مَثَلاً أنَّ عافيةَ اللهِ فضْل، وأن بلاءهُ عَدْل: إذ إنه لو عامله اللهُ بِعَدْلِه لأَهْلَكَهُ في الحال، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، فبذلك يَشعر أنه لا يَستحق كل ما هو فيه من النِّعم بسبب مقابلته لِنِعَم اللهِ بالعِصيان، فساعتَها ينطقُ قلبُهُ بكلمة: (الحمدُ لله) - التي تملأ الميزان - قبل أن يَنطق بها لسانه، وذلك على كل لحظة عافية هو لا يَستحقُّها.

الآية 30: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾: أي يَنتظرها لتُجزَى به، ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ تجده أيضًا في انتظارها، و ﴿تَوَدُّ﴾ أي تتمنى ﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا﴾ أي زمنًا ﴿بَعِيدًا﴾، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ فاستعدوا لذلك اليوم، وخافوا بَطشَ اللهِ وعقابه إن عصيتموه، ﴿وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾: أي ومع شدَّة عقابه، فإنه سبحانه رءوفٌ بالعباد، إذ لم يُعاجلهم بالعقوبة، مع قدرته على ذلك.

الآية 31: ﴿قُلْ﴾ أيها الرسول: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ حقًّا ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فهل هناك شيء أفضل مِن مَحبة اللهِ تعالى لعبده، وغفرانه لذنوبه؟! فواللهِ لو أيْقنَ العبدُ ذلك، لكانَ حريصًا - كُلَّ الحِرص - على التَمَسُّك بسُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في أقواله (كالمُداومة على أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، وغير ذلك من الأذكار والأدعِيَة التي صَحَّتْ عنه صلى الله عليه وسلم)، وكذلك الاقتداء به في أفعاله (كالصلاة كما كان يُصلي، والوضوء مثل وضوئه وغير ذلك)، وكذلك التأدُّب بآدابه في الطعام والشراب وغير ذلك، وكذلك التخلق بأخلاقه (قدر المُستطاع)، فقد كان صلى الله عليه وسلم لا يَغضب لنفسه، وإنما كان يَغضب إذا انتُهِكَ حَدٌّ مِن حدود الله.

ويُلاحَظُ هنا أنّ اللهَ تعالى قال: ﴿يُحْبِبْكُم﴾، ولم يقل: (يُحِبُّكُم)، وذلك لِيُوَضِّح لنا أنّ هذا الأمر يأتي بالتَدَرُّج، فكلما ازداد اتِّباعُك للنبي صلى الله عليه وسلم، كلما ازدادت مَحبة اللهِ تعالى لك، وقد قال الحسن البَصْرِيُّ - رحمه الله - عن هذه الآية: (ادَّعَى قومٌ أنهم يحبون الله، فأنزل اللهُ هذه الآية مِحْنَةً لهم - أي امتحانًا لهم - إن كانوا صادقين في حب اللهِ تعالى، فليَتَّبعوا سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم)، فهذه الآية حاكمة على كل مَن ادَّعَى محبة اللهِ تعالى وهو ليس مُتَّبِعًا لسُنَّةِ نَبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وليسَ مُطِيعًا له في أمْرِهِ ونَهْيِه.

♦ واعلم أنّ هذا الاتباع شرطٌ من شروط قبول العمل (مِثل الإخلاص تمامًا)، بحيث إنَّ العبد إذا فعل أمرًا مُبْتَدَعًا (لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الكِرام مِن بعدِه) فإنّ ذلك العمل لا يَقبله اللهُ منه: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين -: (مَن عمل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ) أي فهو مَردودٌ على صاحبه، وقد أخبر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في صحيح مسلم - أنّ هناك أناسًا مِن أمته سوف يُطرَدون عن حَوضه يوم القيامة - رغم شدة الحر والعطش، ورغم حدوث الأمل لهم في النجاة بعدما رأوا الحَوض - فيناديهم صلى الله عليه وسلم: (ألاَ هَلُمَّ)، فيُقالُ له: (إنَّهم قد بَدَّلوا بَعدَك)، فيقول لهم: (سُحقًا سُحقًا - أي بُعدًا بُعدًا - لمَن بَدَّلَ بَعدي)، ففي هذا دليل على خطورة التفريط في اتباع سُنته صلَّى الله عليه وسلَّم

الآية 32: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ باتباع كِتابه، ﴿وَالرَّسُولَ﴾: أي وأطيعوا الرسول باتباع سُنته في حياته وبعد مماته، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أي فإن أعرضوا عنك، وأصَرُّوا على ما هُم عليه مِن الكفر والضلال، فاعلم أنهم ليسوا أهلاً لِمَحَبَّة اللهِ تعالى لهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.

************************************************

3. تفسير الربع الثالث من سورة آل عمران

الآية 33، والآية 34: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾ أي اختار ﴿آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ﴾ وفضَّلهم ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أي على عالَمِي زمانهم، وهؤلاء الأنبياء والرسل كانوا ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾: أي سلسلة طُهْر متواصلة في إخلاصهم للهِ تعالى وتوحيده والعمل بِوَحْيِه، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوال العباد ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّاتهم وأفعالهم، ولذلك يَصطفي مِنهم مَن يَعلمُ استقامته قولاً وفِعلاً، وهذا مِثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.

الآية 35: ﴿إِذْ﴾: أي اذكر حينَ ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ﴾ أي جعلتُ لك ﴿مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أي خالصًا لك، لخِدمة بيت المَقدس ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ لدعائي ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنِيَّتي.

الآية 36: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ لا تصلح للخدمة في بيت المقدس، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ وسوف يَجعل لها شأنًا، ثم قالت امرأة عِمران: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ﴾ الذي أردتُ للخدمة ﴿كَالْأُنْثَى﴾ في ذلك، لأنّ الذَكَر أقوى على الخدمة، ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا﴾: أي أحَصِّنها ﴿بِكَ﴾ ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾: أي وكذلك أحَصِّن ذريَّتها بك ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي المطرود من رحمتك.

الآية 37: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾: أي فاستجاب اللهُ دعاءها، وقَبِلَ منها نَذرها - ولم يَقبل أنثى مَنذورة غير مريم - وكذلك عصم مريم وولدها مِن مَسِّ الشيطان عند الولادة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين -: (ما مِن مولودٍ يُولد إلا والشيطانُ يَمَسُّهُ حين يُولَد، فيَستَهِلُّ صارخًا مِن مَسّ الشيطان، إلا مريم وابنها)، وذلك استجابةً لدعاء امرأة عمران: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، واعلم أنّ كلمة: ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ توضح أنّ هناك زيادة في رضاه تعالى عن امرأة عمران.

﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾: أي وتولَّى ابنتها مريم بالرعاية والتربية منذ ولادتها، فقد جعل زكريا عليه السلام كافلاً لها، قال تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ فأسكَنَها في مكان عبادته: لِيُرَبِّيها على أكمل الأحوال، فنشأتْ في عبادة ربها، وكانَ ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ - وهو مكان صلاته - ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ هنيئًا مُعَدًّا فـ ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ يعني: مِن أين لكِ هذا الرزق الطيب؟ ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

الآية 38: ﴿هُنَالِكَ﴾: أي في هذا المكان المبارك الذي حدثتْ فيه هذه الكَرامة لمريم: ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ فـ ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أي ولدًا صالحًا مباركًا، (وقد قلنا بأنّ المقصود بالذرية هنا هو الذكر وليس الأنثى، لأنّ اللهَ سبحانه قد أخبرَ في آيةٍ أخرى أنّ زكريا دعاهُ فقال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾)، ثم أتَمَّ زكريا دعاءه، فقال: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي لِمَن دَعاك.

وفي هذا إرشادٌ إلى اغتنام الدعاء في الأماكن المباركة (كالمساجد بصفة عامة)، (وكالبيت الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى) بصفة خاصة، وكذلك في الأزمِنة المباركة (كشهر رمضان، والعشر الأوائل من ذي الحجة، ووقت نزول المطر، وقُبَيْل طلوع الفجر، وفي آخر ساعة من يوم الجمعة، وغير ذلك).

الآية 39: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ أي يُخبرك بخبرٍ يَسُرُّك، وهو أنه رزقك ﴿بِيَحْيَى﴾ الذي سيكونُ ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: أي سيكونُ مُصَدِّقًا بعيسى ابن مريم - الذي سيكونُ وُجودُهُ بكلمةٍ مِن الله، وهي كلمة: (كُن) -، ﴿وَسَيِّدًا﴾: أي وسيكون يحيى سيدًا في قومه، له المكانة والمنزلة العالية، ﴿وَحَصُورًا﴾: أي لا يأتي الذنوب والشهوات الضارة، ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي الذين بلغوا أعلى درجات الصلاح.

الآية 40: ﴿قَالَ﴾ زكريا - فرِحًا مُتعجبًا -: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ﴾ يعني كيف يكونُ ﴿لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ أي أدركتني الشَّيخوخة وأضعفتني ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ أي عقيم لا تلد، ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ يعني هذا - الذي يَحدث لك - ليس بمُستبعَد على الإله القادر الذي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ من الأفعال الخارقة للعادة.

الآية 41: ﴿قَالَ﴾ زكريا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي اجعل لي علامةً على وجود هذا ال�

المصدر: (*) هي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير.
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 61 مشاهدة
نشرت فى 3 يناير 2016 بواسطة wael85

ساحة النقاش

وائل العدوى

wael85
تعريف بـ (سلسلة يلا نعبد ربنا صح) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، ثم أما بعد .. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سَلَكَ طريقاً يلتمس فيه »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

19,878