المستشار القانونى ابراهيم خليل

المستشار القانوني إبراهيم خليل محام بالنقض والدستورية والإدارية العليا عضو اتحاد المحامين العرب عضو

الجوانب القانونية والسياسية للشركات العسكرية الدولية الخاصة بقلم:الدكتور السيد مصطفي أحمد أبو الخير

 

 

الدكتور

السيد مصطفي أحمد أبو الخير

الخبير في القانون الدولي

 

مقدمة

تتناول هذه الدراسة الجوانب القانونية والسياسية للشركات العسكرية الدولية الخاصة لبيان مدي شرعية وجود هذه الشركات وشرعية المهام التي تقوم بها وأساليب عملها والجهود الدولية لتنظيم عملها وأخيرا التكييف القانوني لهذه الشركات التي ظهرت علي الصعيد الدولي فجأة رغم وجودها منذ فترة ليست بالقصيرة، خاصة بعد احتلال بالعراق والدور الذي لعبته هذه الشركات في كل من العراق وأفغانستان ومن قبل أفريقيا، وزاد من حدة ظهورها الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي الإنساني والجرائم الكثيرة الفظيعة التي أرتكبها أفراد هذه الشركات، مما أثار جدلا واسعا علي كافة الأصعدة عن مدي مشروعية وجود هذه الشركات ومدي شرعية ما تقوم به وما حكم القانون الدولي في ذلك، مما جعلنا نسهم بقدر ما في إيضاح الحقائق وتبيان وجه الحق والحقيقة لتلك الشركات، تتناول الدراسة الجوانب التالية:

أولا: نشأة وتطور الشركات العسكرية الدولية الخاصة.

ثانيا: العوامل التي أدت لظهور هذه الشركات.

ثالثا: المهام التي تقوم بها هذه الشركات.

رابعا: أساليب عمل هذه الشركات.

خامسا: الجهود الدولية لتنظيم عمل هذه الشركات.

سادسا: التكييف القانوني للشركات العسكرية الدولية الخاصة.

 

أولا: نشأة وتطور الشركات العسكرية الدولية الخاصة

ظهر ت علي الصعيد الدولي بسرعة - رغم وجودها منذ زمن- ظاهرة الشركات العسكرية والأمنية الدولية الخاصة التي تأخذ من القتل والحروب تجارة لها، وكانت مأساة العراق وما أثارته من مشاكل وأزمات سببا لظهور هذه الشركات علي السطح، مما استلزم دراستها وبيان الجوانب القانونية والسياسية لها.

ترك الاستعمار الغربي في دول العالم العربي والإسلامي بأفريقيا وآسيا خلفه ظاهرة بغيضة تسمى (المرتزقة) أو (mercenaries) عبارة عن مجموعات من العسكريين الغربيين المتقاعدين ممن يبيعون خدماتهم العسكرية للحكومات أو رؤساء دول وصلوا إلى الحكم بانقلابات عسكرية مدبرة وبغير رغبة شعوبهم، ولمن يدفع أكثر، حتى أصبح من الطبيعي أن نشاهد حاكما من دول العالم الثالث يحرسه مرتزقة أجانب، أو حكومة ديكتاتورية تستأجر عملاء ومرتزقة أجانب لحمايتها بقوة السلاح من شعبها والتصدي لحركات المقاومة الوطنية واغتيال زعماء المعارضة والقيام بانقلابات.

وساعد على انتشار هذه الظاهرة في الربع الأخير من القرن الماضي الصراع بين القوى الدولية على ثروات العالم الإسلامي مع غياب وعجز الأمم المتحدة عن القيام بدورها في حفظ السلم والأمن الدوليين، وقد أنشئت أول شركة لذلك من طرف عضو سابق في الفرقة البريطانية الخاصة (جيم جونسون) وكان زبائنه في البداية من شخصيات سياسية وتجارية دولية، وكان العمل يقتصر على توفير الحماية وتدريب الحراسات الخاصة، وقد أدي التنافس بين الشركات الخاصة إلي تنشيط هذه المهنة، وسرعان ما انتقل عمل هذه الشركات من الحماية الأمنية الخاصة إلى المشاركة في النزاعات والحروب كما حدث في انجولا وزائير ثم انتقلت الفكرة إلي أمريكا وبدأوا في تأسيس شركات أمن خاصة وكانت أهمها (كي بي أر) المملوكة لـ(هليبورتون) من عام 1962م، ثم نوعت نشاطها من عام 1980م، وقد تطور هذا السوق وتلك التجارة من خلال إقامة علاقات بأجهزة المخابرات البريطانية والأميركية خاصة وزارة الدفاع الأميركية(1).

إن اللاعبين الأساسيين في هذا السوق الشركات الأميركية الكبرى خاصة شركات كي بي أر، بلاك ووتر، دين كورب وهي قادرة على تقديم عاملين على خطوط الجبهات الأمامية والخلفية، والجيش الأميركي هو الزبون الأهم في العالم لهذه الشركات، ففي حرب الخليج الثانية(1991م) قامت شركات اللوجستيك بتحصيل مبالغ مالية كبيرة نظير توظيفها ما يعادل(1%) من القوة العسكرية الأميركية ويحصلون يوميا علي ثلث موازنة الجيش الأميركي في العراق والبالغة 30 مليار دولار سنوياً، حيث يشغلون(10%) من القوة العسكرية الأميركية وتعد شركة (كي بي أر) الأكثر أهمية من بين شركات اللوجستيك في العراق حيث تشغل نحو 50 ألف مرتزق بعضهم للقتال لكن الأغلبية تعمل في الخدمات اللوجستية من طباخين وسواقيين وميكانيكيين والتموين ولديها عقد مع "البنتاجون" يصل إلى(11) مليار دولار(2).

وقد تطورت هذه الشركات فأنشأت شركات عسكرية (قطاع خاص) في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإسرائيل وجنوب أفريقيا وغيرها من الدول، تقدم خدماتها لمن يطلبها نظير المال، مثل قلب نظام حكم في دولة ما (تكرر هذا السيناريو كثيرًا في أفريقيا) أو حماية رئيس دولة أو القيام بحرب صغيرة من الباطن ضد دولة مجاورة، وحماية آبار بترولية أو مناجم ماس وذهب.

وقد اشتهرت مجموعات فردية كثيرة من هؤلاء المرتزقة كما اشتهرت شركات تتولى القيام بهذه الأعمال القذرة مقابل المال مثل جماعة (مايك المجنون) التي يقودها عسكري يدعى (هوار) لعب دورًا في قلب عدة حكومات أفريقية منها انقلاب جزر سيشيل عام 1981م وجماعة (السترات السوداء) بقيادة الفرنسي بوب دينار الذي شارك عدة مرات في قلب نظام الحكم في جمهورية جزر القمر الإسلامية، ومجموعة (تيم سبايسر) التي لعبت دورًا في المحاولة الانقلابية الفاشلة في بابوا (غينيا الجديدة) وغيرها الكثير)(3).

ثم ظهرت في الفترة التي يطلق عليها البعض العولمة ويسميها البعض الآخر الأمركة ويقول عنها فريق آخر النظام الدولي الجديد، أيا كانت التسمية فنحن في عصر ما بعد الحرب الباردة(4)، شركات الحماية الأمنية أو شركات الأمن الخاصة سواء علي الصعيد الوطني أو الدولي بشقيه الإقليمي والعالمي، أي الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، أو شركات الحماية الأمنية، أو شركات الأمن الخاصة أو الموظفون الأمنيين المتقاعدون أو المقاولون، أيا كانت تسميتهم فهي تخوض الحروب نيابة عن دول (الحروب بالوكالة) تحت زعم أن القطاع الخاص إذا كان شريكا في الأرباح فلا بد أن يكون أيضا شريكا في المخاطر، وأصبحت هذه الشركات من سمات وآليات العولمة وفرض الهيمنة ليس علي الدول فقط ولكن علي المجتمع الدولي والنظام العالمي وسوف نقوم بدراسة هذه الظاهرة من حيث النشأة والتطور والمهام والأهداف ونلقي الضوء على مهامها وأماكن عملها وأساليبها ومدي شرعيتها من حيث الوجود ومدي شرعية مهامها وأهدافها أي هل يمكن خصخصة العمل العسكري الحروب طبقا للقانون الدولي عامة والقانون الدولي الإنساني خاصة(5).

يعد ظهور هذه الشركات بمثابة انقلابا في الشئون العسكرية فهذه الظاهرة سوف تحدث تغييرا هائلا في الطريقة التي سيتم بها تنفيذ الحروب مستقبلا ورغم وجود سوابق تاريخية إلا أن هذه الظاهرة لم نشهدها منذ حوالي (250) عاما، فلأول مرة في تاريخ الدولة القومية تتنازل الحكومات طواعية عن أحد أهم حقوقها وهو احتكار استخدام القوة بشكل شرعي وإعطائه لهذه الشركات وظاهرة البنادق المؤجرة أو خصخصة الحرب بدأت في التنامي بعد انتهاء الحرب الباردة وهي عبارة عن استبدال الجنود في أي مكان في العالم بمدنيين يملكون بنادق مؤجرة ولا يخضعون لأي من الإجراءات العقابية وفق المعايير العسكرية المعروفة والمتفق عليها في القانون الدولي(6).

وقد شهد عقد التسعينات نموا متزايدا لهذه الشركات وعرفت باسم (Private Security Firms) وعملت الحكومة الأمريكية علي إتاحة المجال أمام هذه الشركات لأنها من جهة تمنح الحكومة الأمريكية فرصة شن حروب فيما وراء البحار بدون الحاجة للحصول علي موافقة من الكونجرس الأمريكي، وبدون علم وسائل الإعلام ويستخدم البنتاجون حاليا حوالي(700.000) عنصر من هذه الشركات وتدر صناعة الخصخصة العسكرية ربحا سنويا يقدر(100) بليون دولار من عمليات عسكرية أمريكية في حوالي خمسين دولة، وقد تحكمت هذه الشركات الخاصة في شن الحروب إلى درجة يصعب على الجيش الأمريكي أن يشن حربا دون الاستعانة بها، ورغم حالة السرية التي تفرض علي تعاملات البنتاجون مع هذه الشركات إلا أن بعض التقارير الصحفية تشير إلي أن حوالي ثلث الميزانية التي خصصت للعمليات العسكرية في العراق والمتضمنة أيضا عمليات وسط آسيا وأفغانستان (87 بليون دولار) سيتم إنفاقها علي عقود مع الشركات الخاصة(7)

أن ظاهرة استخدام مقاتلين في الحروب مقابل أجر مادي دون أن يكونوا من جنود تلك الدول أي يتمتعون بجنسية الدولة التي يحاربون معها ومن أجلها، أمر معروف في التاريخ الإنساني على مر الدهور وكر العصور، فالرومان كانوا من أوائل الإمبراطوريات الاستعمارية التي استخدمتهم فقد استغلت البرابرة من الجرمان والسلاف والهون في حروبها.

وفي القرون الوسطي زادت هذه الظاهرة انتشارا وتحديداً في حرب المائة عام التي قادتها الشركات العسكرية وتعد من أشرس المعارك الحربية التي قادتها هذه الشركات، وحاول ملك فرنسا (جان الثاني لوبون) القضاء علي هذه الشركات لتنامي دورها وقوتها ولكنها اتحدت فيما بينها وسحقت القوات الملكية في معركة بريني في العام 1362م.

ويري البعض أن بداية تلك الظاهرة يعود لأيام إمبراطور اليونان كوزينوفون الذي جند عشرة ألاف يوناني للمحاربة في بلاد فارس مقابل مال(8) بينما يري البعض الأخر أن تاريخهم الحقيقي يبدأ قبل الثورة الفرنسية 1789م، ولكنها ظهرت بوضوح في الثلث الأخير من القرن الماضي خاصة في الدول الإفريقية التي تركها الاستعمار الفرنسي والبريطاني.

وبدأ التعاون بين شركات العسكرية والجيوش النظامية منذ حرب فيتنام وخصوصاً من قبل (السي آي إيه) ضمن برنامج سري عرف باسم (العمليات السوداء) فكان المرتزقة يرسلون لتنفيذ عمليات اغتيال وتخريب ضد مواقع وشخصيات فيتنامية لا تريد الحكومة الأمريكية التورط فيها مباشرة(9).

ونظرا لسلوك الجنود المرتزقة وممارساتهم غير المقبولة وغير المسئولة والقذرة اعتبروا عناصر مرفوضة في كافة المجتمعات، فقد وجدت في كثير من المجتمعات واشتهرت المرتزقة بأدوار منافية لقيم المجتمعات الإنسانية مقابل أجر دون أن تكون لهم قضية يقاتلون عليها أو يقتلون من أجلها، وغالبا ما يكون المرتزق من العسكريين المتقاعدين خاصة الذين سبق وعملوا رسميا كأفراد حماية لمسئولين في دولهم أو حماية الأثرياء والمصارف وغيرها والمرتزق عادة ما يكون محترفا حياة الجندية التي يكتسب منها قدرة قتالية وكفاءة عالية لا تتوفر لمن لا يعيش حياة الجندية بصورة دائمة ويستخدم المرتزقة من قبل أنظمة أو دول أو جيوش أو شخصيات لتنفيذ سياساتها وتحقيق غاياتها بوسائل يحددونها(10).

وقد انحسر دور هذه الطبقة المحاربة نتيجة تنامي دور الدولة القومية وتنامي المشاعر الوطنية التي ربطت المواطنة والجندية بمدى انتماء الفرد أو الجندي بدولته من خلال الالتحاق بالجيش الوطني كتعبير عن انتمائه والتزامه بقضايا دولته، لكن أخذ هذه الدور يتنامى مرة أخرى في عصر العولمة مع انحسار التشريعات الوطنية التي تحظر على الفرد أو المواطن الانضواء في مؤسسات أو شركات تمتهن العمل العسكري لغايات الربح المادي بل زاد الطلب على هذا النوع من المحاربين من قبل مؤسسات ومنظمات منها بعض المنظمات التابعة للأمم المتحدة) ودول نظر لاعتبارات مختلفة أبرزها الحرفية والكفاءة التي يتمتعون بها وسرعة تعبئتهم لأداء المهام التي تطلب منهم دون الدخول بإجراءات بيروقراطية وإجرائية التي تأخذ وقتاً طويلاً حتى يتم تجنيد قوة محاربة.

كان لتداعيات عصر العولمة أعظم الأثر فى التغيير الذي طال العلاقات الدولية وتنامي دور الشركات متعددة الجنسية بحيث أصبحت لهذه المؤسسات الضخمة والمندمجة دوراً كبيراً في رسم بعض السياسات الخاصة لبعض الأطراف على حساب القواعد السائدة في الدولة القومية فالأخيرة لم تعد تتحكم بوسائل الإنتاج في هذا العصر حيث أصبح للقطاع الخاص دورا رياديا في توجيه الدول حتى لو اقتضى الأمر تغييب الدولة ومؤسساتها مقابل مصالح فئات مختلفة فقد أخذت دوراً قيادياً في توجيه مصالح الدول القومية الخاصة بتوفير الأمن والحماية وهي تعبير للمزاوجة بين القطاعين العام والخاص حيث يوكل الأول للثانية بعض المهام التي تدخل في صميم عمله ليقوم بها(11).

فقد كانت مهامها في بداية نشأتها تقتصر علي حراسة مداخل ومنافذ الشركات الخاصة الاستثمارية داخل الدولة حيث تقوم كل شركة استثمارية بعمل إدارة للأمن بالشركة تتكون من أفراد يقومون بحراسة الشركة ليلا ونهارا، وعندما كثرت الشركات الاستثمارية الخاصة وبدأت حلقات التنافس والمضاربة تتزايد بينها وبين أصحابها عمد هؤلاء إلي حماية أنفسهم من منافسيهم باتخاذ ما يطلق عليه (بودي جارد) ثم انتشرت هذه الظاهرة بين رجال الأعمال وأصبح من المألوف أن تري أحد رجال الأعمال يتقدمه حرسه الخاص، ثم تطورت الظاهرة وأخذت بعدا أخر فقد انتقلت من عالم رجال المال والأعمال إلي مجال الفن حيث كانت الملاهي الليلية قديما تتخذ فتوات لحمايتها، وكذا كل طالب شهرة فقد رأينا بعض الفنانين يتخذون حرسا خاصا بدعوى حمايتهم ممن يحاول الاعتداء عليهم من منافسيهم، ومن رجال الفن إلي رجال الفكر والأدب وغيرهم.

وكانت الحراسات الخاصة تقتصر في السابق علي رجال الحكم من رؤساء و وزراء و محافظين وغيرهم تحت زعم الخوف عليهم من المعارضة وأنصارها ولكن في ظل العولمة وما ترتب عليها من احتكار وظلم وسرقات جعل كل شيء خاضع لآليات السوق وظروفه وملابساته، فأصبح الأمن سلعة تباع وتشتري مثل كافة السلع المادية(12).

ففي 7/3/2004 جرى في زيمبابوي القبض على طائرة كانت تحمل سبعين من المرتزقة متجهين إلى غينيا الاستوائية لتدبير انقلاب مسلح، وهذه الدولة الصغيرة النامية هي ثالث أكبر منتج للبترول في جنوب الصحراء بعد نيجيريا وأنجولا. وفي 25/8/2004 اعتقلت سلطات جنوب أفريقيا (مارك) نجل مارغريت تاتشر رئيس وزراء بريطانيا الأسبق لعلاقته بتلك المحاولة الانقلابية تمهيداً لمحاكمته في جنوب إفريقيا وذلك تطبيقا لقانون صدر بها قبل سنوات يجرم أعمال الارتزاق من هذا النوع.

ومن أشهر الوقائع محاولة التخلص من باتريس لومومبا زعيم الكونغو وحادث الطائرة الذي مات فيه داج همرشولد أمين عام الأمم المتحدة، لكن ما كان يجري على استحياء في سنوات الستينات اتسعت أبعاده تماماً بعد نهاية الحرب الباردة وانكشاف العالم الثالث أمام أكبر موجة لنهب موارده بالسياسة أحيانا وبالقوة صراحة أحيانا وبالمرتزقة بين وقت وآخر أو بمزيج من الثلاثة في بعض الحالات(13 ).

وقد بدأت الخطوات العملية لخصخصة حرب العراق بدلا من القوات البريطانية والأمريكية تتم من خلال استبدال جنود الاحتلال الأمريكي والبريطاني بما تطلق عليهم الولايات المتحدة موظفي شركات الحماية الأمنية أو المتعاقدين الأمنيين مما يدل علي أن عملية انسحاب القوات الأمريكية والبريطانية قد بدأت في العراق وبلغت نسبة القوات البريطانية النظامية في العراق إلى قوات المرتزقة هي(1 إلى 6) حيث يبلغ إجمالي عدد أفراد هذه الشركات(41) ألف(14).

 

ثانيا: العوامل التي أدت لظهور هذه الشركات

 

يرجع ظهور هذه الشركات في المجتمعات سواء القديمة أو مجتمعات العصور الوسطي والحديثة والمعاصرة إلي عدة أسباب سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية بل ودينية هي.

1: الأسباب السياسية(15): تعددت الأسباب السياسية التي يمكن اعتبارها من أسباب ظهور هذه الشركات نجملها فيما يأتي:

1 – وجود مشروع إمبراطوري لبسط الهيمنة والسيطرة من قبل دولة استعمارية كبيرة بغية تمرير مشروعها وفرضه علي المجتمع الدولي أو النظام العالمي وقتئذ، كما فعلت الأمبراطرية الرومانية من قبل وهو ما تحاول فعله حاليا الولايات المتحدة الأمريكية، وريثة الإمبراطورية الرومانية والاستعمار البريطاني والفرنسي، حيث تتطلب هذه المهمة الكبيرة أعدادا كبيرة من الجنود لا تتوفر لهذه الدولة مع توافر المال اللازم لاستخدام هذه الشركات.

2 – صعوبة عودة عصر الاستعمار العسكري مما جعل الدول الاستعمارية تستعمل حكام عملاء تحميهم تلك الشركات من شعوبهم لأنهم يؤدون للدول الاستعمارية خدمات أفضل من الاحتلال.

3 – تفشي ظاهرة الظلم في المجتمع الدولي الذي أدي لقيام تنظيمات تدافع عن نفسها بدرء الظلم عنها أو يطلق عليه الغرب مصطلح (الإرهاب) مما هدد مصالح الدول الكبرى، وظهور ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا والمنازعات علي الصعيد الدولي بل ظهرت حاليا ظاهرة تعدد المعايير في التعامل مع مثل تلك القضايا والمنازعات(16).

4 – يعتبر ظهور شركات الحماية الدولية أو الشركات العسكرية خطوة علي طريق هدم بناء الدولة الحديثة حيث مر هذا البناء بعدة مراحل حتى أكتمل البنيان فمن الدولة الحارسة إلي الدولة المتدخلة إلي الدولة الحارسة مرة أخري التي تقتصر مهمتها علي حفظ الأمن العام داخل الدولة إلي الدولة ذات الدور المحدود فقد بدأت مرحلة انسحاب الدولة من كافة الأنشطة الاقتصادية ليقتصر دورها علي مهام الأمن والحراسة ثم بدأت مرحلة خصخصة الأمن وعرضه في الأسواق مثل بقية السلع المادية لتنتهي بذلك الدولة كنظام سياسي قطعت البشرية ردحا طويلا من الزمن لبنائه، عن طريق عولمة كل ما هو داخلي فتنهار الدولة ولا يعد لها أدني دور، فالناحية الاقتصادية يتولاها القطاع الخاص والناحية الاجتماعية تتولاها منظمات المجتمع المدني التي تدار من الخارج لتحقيق أغراض وأهداف تمرير الهيمنة والسيطرة، والناحية العسكرية الأمن يتم خصخصته عن طريق الشركات العسكرية الخاصة التي بدأت تنتشر في كل أرجاء الأرض(17).

ففي داخل الدولة الواحدة تجد شركات الأمن الخاصة لحماية الشخصيات التي ترغب في الحماية ولحماية الشركات التي بدأت تولي مهمة حفظ الأمن داخلها وخارجها ليلا ونهارا إلي شركات خاصة لتوفير نفقات إدارة الأمن داخل الشركات، فلا يبقي للدولة كمؤسسات ونظام أي دور حيث تخضع كافة الأنشطة للقطاع الخاص الذي يدار عن طريق الشركات متعددة الجنسية فما الداعي إذن لبقاء الدولة، خاصة وأن البرلمانات أصبحت تحت رحمة وسيطرة رجال الأعمال الذين أصبحوا نوابا في البرلمان فتم خصخصة السياسة وسنت هذه البرلمانات(برلمانات رجال الأعمال) الخاصة قوانين لمصلحة رجال الأعمال دون النظر إلي المصلحة القومية العليا للدولة ودون وضع الشعوب ومصلحتها في الاعتبار حتى أننا نجد أن هناك عائلات محدودة تتحكم في نشاط معين في الدولة كلها(18).

 

 

ثانيا، الأسباب العسكرية:

1 – الرغبة في تنفيذ عمليات خارجة عن القانون من قبل دولة ضد حكومة دولة أخري أي القيام بانقلابات عسكرية لتغير الحكومات التي ترفض الهيمنة والسيطرة دون التورط علانية في مثل هذا العمل كما حدث في جزر القمر وبعض الدول الإفريقية. مما أدي لتفشي ظاهرة الانقلابات العسكرية واعتلاء الحكم حكام عملاء للخارج يصلون إلي الحكم دون رغبة شعوبهم فيضطرون إلي حماية أنفسهم بمثل تلك الشركات، وتجدهم غالبا في الدول النامية الغنية بالموارد الطبيعية أو صاحبة موقع جغرافي متميز يتحكم في أحدي الممرات الدولية الهامة.

2 – للتقليل من قتلي الدول التي اشتركت في حرب حتى لا يثور الرأي العام الداخلي ضدها لكثرة القتلى من جنودها ولإخفاء هزيمة أو للانسحاب خفية حتى لا يظهر للعالم وللرأي العام داخلها هزيمتها كما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا حاليا في العراق(19).

3 – القيام بعمليات قذرة تخشي الدولة فعلها في العلن لما فيه من مخالفات جسيمة للقانون الدولي والقيم الأخلاقية كما فعلته الولايات المتحدة في فيتنام من عمليات اغتيال قادة وقتل بالجملة.

4 –تسريح العديد من الجيوش التي تمت نتيجة لنهاية الحرب الباردة ومنها الجيش الأحمر وجيش ألمانيا الشرقية ونهاية نظام الأبارتيد في جنوب إفريقية وتسريح طبقة الضباط البيض وكذلك عملية تقليص الجيش الأمريكي بنسبة (60%) مما كان عليه في الماضي، مما خلق فائضا هائلا من العمالة العسكرية والخبرة التي كان يجب أن يتم الاستفادة منها بشكل أو بآخر.

6 – وجود الشركات العسكرية الخاصة التي تنتج الأسلحة كما في الولايات المتحدة الأمريكية المجمع الصناعي العسكري وهذه الشركات تعتبر الشركات العسكرية الدولية مكملة لغرض إنشاءها لاستكمال منظومة الإنتاج والتوزيع مما يوفر لها منافذ للبيع، وقد ردد البعض أن ما دفع الولايات المتحدة لحربها ضد كل من أفغانستان والعراق هو المجمع الصناعي العسكري، وذهب البعض إلي أنهم هم الذين قاموا بحادث الحادي عشر من سبتمبر لخلق أسواق جديدة لبضاعتهم (20).

7 -إن الاعتماد عسكريا على الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة أي (عسكرة الشركات وخصخصة الحروب)استراتيجية اعتمدها البنتاجون مفادها خصخصة الكثير من المهمات التي كان يضطلع بها الجيش الأميركي وهي فكرة تحمس لها ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي تدعو إلى إسناد الكثير من المهمات التي تقوم بها القوات النظامية التي تخوض حرب مثل حرب العراق إلى شركات خاصة بصفة 'مقاولات'، للتخفيف عبء الكثير من المهام عن كاهل الجيش وهذه الفكرة فتحت الباب لهذه الشركات للقيام بأعمال عسكرية وأمنية وبمهام التموين والأعمال اللوجستية وباتت تلقى قبولا في صناعة الجيوش الحديثة(21).

ثالثا: الأسباب الاقتصادية: استند أصحاب هذه الشركات ومؤيدوها إلي عدة أسباب اقتصادية هي:

1 –ضرورة مشاركة القطاع الخاص في الأخطار كما يشارك الدولة في الأرباح في قطاع الاستثمارات.

2 – انتشار البطالة في كافة دول العالم وبين العسكريين خاصة علما بأن مرتب الفرد في هذه الشركات يصل في اليوم إلي ما يقارب ألفي دولار وأكثر.

3 – في الدول الغنية تزداد فيها الرفاهية مما يجعل شباب هذه الدول لا يقبلون علي حياة الجندية الخشنة التي فيها خطر الموت محتملا خاصة وأن معظم تلك الدول لا يوجد فيها تجنيد إجباري مما تعد معه الجندية وظيفة لاكتساب الرزق أي مثله مثل أي عمل مدني.

رابعا: الأسباب الدينية:

يري البعض منهم الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في حديثة لقناة الجزيرة في ابريل2007م(إن الجيش الأميركي يستخدم فرسان مالطا كجيش بديل في العراق من اجل استمرار وجودها في العراق وتقليل نسبة الخسائر بين صفوفها وان احد فرسان مالطا كوّن شركة لتجنيد الناس لتقديمهم إلى الجيش الأميركي لاستخدامهم في العراق ودارفور تحت شعار الصليب) أوضح هيكل(22)(أن وجود قوات المرتزقة بالعراق ليس مجرد تعاقد أمني مع البنتاجون تقوم بمقتضاه هذه القوات بمهام قتالية نيابة عن الجيش الأمريكي، بل يسبقه تعاقد أيديولوجي مشترك بين الجانبين يجمع بينهما، ألا وهو "دولة فرسان مالطا) 23)الاعتبارية آخر الفلول الصليبية التي تهيمن على صناعة القرار في الولايات المتحدة والعالم) وقال هيكل: (لأول مرة أسمع خطابا سياسيا في الغرب واسعا يتحدث عن الحروب الصليبية.. هناك أجواء حرب صليبية)، مشيرا إلى حقائق كشف عنها الصحفي الأمريكي جيرمي سكيل في كتابه الحديث - السابق الإشارة إليه - عن شركة "بلاك ووتر" أكبر الشركات الأمنية المتعاقدة مع الإدارة الأمريكية في العراق، حيث أظهر العلاقة "الدينية" التي تجمعهما أن الغرض من إنشاء هذه الشركات غرض ديني أو بالأصح غرض صليبي هدفه إحياء الحروب الصليبية التي حدثت في الماضي، وقد استشهدوا علي ذلك من العلاقة الحميمة بين هذه الشركات ومنظمة فرسان مالطا أو فرسان المعبد أو فرسان القديس يوحنا، التي تقف وراء بعض هذه الشركات، وأيضا العلاقة والأساس الذي قامت عليه كبري هذه الشركات وهي شركة بلاك ووتر في الولايات المتحدة التي يقف وراء إنشاءها وتمويلها التحالف المسيحي الصهيوني أو المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية(24).

 

 

ثالثا: المهام التي تقوم بها هذه الشركات

تعددت المهام التي تقوم بها هذه الشركات وارتبطت ارتباطا وثيقا بأسباب نشأتها وسبب ظهورها، وتقوم هذه الشركات بالمهام الآتية(25).:

- المشاركة في القتال.

- الأمن الشخصي: Personnel Security للأشخاص والموظفين خصوصاً الوكالات الأمريكية والأجنبية والأمم المتحدة العاملين في مجال الدبلوماسية (كرول وكنترول ريسك

- خدمات المرافقة لعمليات الإمداد والتموين للقوات المسلحة: Escort Services

- توفير خدمات الاتصال والمواصلات.

-إدارة الأزمات وحالات الاختطاف Management.

- استشارات الأمنية وتقدير المخاطر: Risk Advisory Consulting and assessment.

- تأمين المواقع والمنشآت والبعثات الدبلوماسية والشركات المدنية المنخرطة في إعادة الأعمار Site Security

- توفير الحماية الالكترونية ولقواعد البيانات.

- تطوير أنظمة الحماية والرقابة.

- الدعم اللوجستي والإسناد.

- مرافقة قوافل الإمدادات والأغذية سواء لجيوش الائتلاف أو للقطاع الخاص.

- تولي متابعة وتطبيق تنفيذ العقود التي تدخل في باب إعادة الأعمارفي العراق حيث تكلف هذه الشركات بالقيام بأعمال إدارية ووكالات لتنفيذ مهام المتعاقد الأساسي الذي يخشى تنفيذ هذه الأعمال بصورة مباشرة (26).

- جمع المعلومات العسكرية وتحليلها.

- احتجاز واستجواب السجناء.

- وتعمل هذه الشركات حاليا بحراسة رؤساء الدول القادمين عبر الانقلابات في دول العالم الثالث والتي عادة ما تكون مدبرة من الخارج، أو حماية حكوماتها وحماية آبار النفط ومناجم الماس في أفريقيا، وحتى القيام بانقلابات علي أنظمة الحكم التي ترفض الهيمنة كما حدث في جزر القمر بقيادة المرتزق الفرنسي بوب دينار، وفي دول أخرى مثل غينيا وجزر سيشل وغيرها من الدول.

- وقد استعانت بهم الدول الاستعمارية في إخماد حركات المقاومة الوطنية في المستعمرات التي تناضل من أجل الاستقلال وخاصة أفريقيا واستعانت بهم الدول الاستعمارية في تشجيع الحركات الانفصالية فقد قاتل أفراد هذه الشركات مع قوات تشومبي الانفصالية في كينشاسا في الفترة من 1962إلي 1964م، واشتركوا في الحرب الأهلية في نيجيريا 1967 إلي 1970م، وفي الحرب الأهلية أنجولا عام 1976م وفي غزو جزر القمر وإسقاط الحكومة، فقد كانوا وقود الحروب التي يشعلها ويوجدها الاستعمار في أفريقيا(27).

- ويشتركون في نزاعات مسلحة ذات طابع دولي رغبة في الحصول علي مزايا شخصية ويتم الاستعانة بهم في وقت السلم لغزو بلد معين من أجل قلب نظام الحكم فيه أو لشل الحياة الاقتصادية أو لإرهاب السكان المدنيين أو لمنع ممارسة شعب لحقه في تقرير المصير، ويزداد الطلب علي المرتزقة في كل النقاط الساخنة في العالم لأن اللجوء إليها بمثابة(حرب غير علنية) أو أداة للتدخل المقنع تلجأ إليه بعض الدول كقوة ردع أو إرهاب ضد دول لا تتفق معها أي لا تشاطرها ميولها السياسية(28).

 

 

رابعا: أساليب عمل هذه الشركات

 

هذه الشركات لها أساليبها الخاصة لتقديم أفضل الخدمات العسكرية و الحماية الأمنية فهي شركات تجارية غايتها الأساسية الربح كغيرها من الشركات التجارية تستخدم أساليب وطرق تسويقية للترويج لسلعتها، وتقاس قدرة الشركة وكفاءاتها بحجم وعدد القتلى من أفرادها فكلما زاد عدد القتلى بين صفوفها زاد الطلب على خدمات هذه الشركة باعتبار أن ذلك كفيل ببناء الثقة بهذه الشركة وتقوم الشركات ضمن خطتها التسويقية بضرب هالة من الرهبة على نشاطها وعلى أفرادها بحيث تتخذ هذه الشركات أوصافاً مختلفة مليئة بالعنف والقوة من منها عمليات الصقر والعين الحمراء وغيرها من الأوصاف التي تدخل في النفس رهبة وخوف، وتتخذ أساليب أخرى سواء لنجاح عملها وكسب مزيد من العملاء تتمثل في الآتي:

1 - تدريب موظفيها على الطرق المثلي لتجنب الخطر وتحديداً على المهام التي تدر أرباحاً عالية مثل التدريب على التعامل مع حالات الاختطاف.

2 - الاختطاف مقابل المال مما أجبر شركات الحماية تعيين أفراد ذو مهارات خاصة استقطبت مستشارين ومحللين سياسيين ومخبرين واستعانت بعدد من المخضرمين في هذا المجال.

3 - استخدام المواقع الإلكترونية للترويج لخدماتها ونشر ثقافة القتل والعنف وقد وضعت إحدى هذه الشركات وهي شركة(Aegis) فيلماً على موقعها تعرض فيه قيام أفرادها بإطلاق النار باتجاه المدنيين العراقيين القريبين من عرباتهم ذات الدفع الرباعي وتقوم هذه الشركات في سبيل تقديمها لخدماتها باستخدام الأساليب الآتية:

1 - دفع مبالغ ضخمة مقابل الحصول على المعلومات الأمنية والإستخباراتية.

2 - عقد دورات تدريب وإرشاد لأفرادها حول طرق التعامل مع الخطر.

3 - تزويد العملاء بإرشادات تجعلهم هدفا يصعب الحصول عليه.

4 - استخدام السلاح دون اعتبار لإجراءاته قانونية ووقت وكيفية استخدامه.

5 - استخدام مختلف التقنيات سواء على صعيد الاتصال أو على صعيد الأسلحة حيث تستخدم جزء من هذه الشركات تقنيات عالية في مجال الاتصالات.

6 - تلجأ بعض هذه الشركات إلى العمل بعيداً عن القواعد والقوانين السارية في البلاد بحيث تمنح بعض هذه الشركات لنفسها صلاحيات احتجاز المواطنين ونصب الحواجز علي الطرق دون ترخيص.

7 - وتقوم هذه الشركات باتخاذ العديد من الأساليب التي تحقق نجاحاً لمهماتها حتى لو انتهكت حياة وخصوصية الإنسان(29).

8- كونت هذه الشركات عصابات للجريمة المنظمة وتاجروا في المخدرات والرقيق الأبيض وأداروا بيوت الدعارة حتى أن بعضهم أسس شبكات تقوم باختطاف الأطفال والأشخاص وخاصة الأطفال لاستئصال الأعضاء البشرية مثل الكلي والكبد للمتاجرة فيها كما تاجروا في الآثار كما حدث في تشاد قريبا من ضبط عصابة منظمة لسرقة الأطفال وبيعهم في أوربا.

ويتم كتابة عقد بين الشركة والشخص الذي وقع عليه الاختيار يكون عادة بلغة لا يعرفها الفرد المراد تجنيده حتى لا يعرف مضمون العقد والالتزامات والحقوق لأنه ينطوي أساسا علي بنود مبهمة وغير واضحة منها التخلي عن حقوق أساسية مثل حق الحياة والتأمين والمعاش، والعقود سرية لا يمكن الإطلاع عليها من قبل الغير لأن الشركات تعتبر ذلك من أسرارها التي لا يجب الإطلاع عليها، والمرحلة الأخيرة يتم نقلهم إلي مقر العمل عن طريق شركة أخري(30).

وتقوم الشركات العسكرية والأمنية الخاصة بصرف مرتبات مرتفعة جدا نظرا للخطورة الشديدة للمهام التي يقوم بها عناصرها حيث يصل مرتب الفرد الواحد في اليوم(من 500دولار إلي 1500دولار) ويصل مرتب البعض منهم إلي (15000 دولار) في اليوم، وتلك سمة غالبة علي عقود هذه الشركات لأغراء الأفراد بالعمل في هذه الشركات(31).

وتتعدد الأساليب والطرق التي تعمل بها هذه الشركات وأغلب هذه الأعمال أو الأساليب المتبعة لا تحكمها قواعد قانونية أو إجرائية محددة، فالحصانة القضائية ضد الملاحقة القانونية التي يتمتع بها أفراد هذه الشركات جعلتهم بحل من الالتزام بأي قوانين، وفي العراق حيث تقوم هذه الشركات بعمليات قتل وتدمير وتدبير انفجارات عن طريق تلغيم السيارات المملوكة للأهالي عند تفتيشها وتنفجر هذه السيارات دون معرفة أصحابها ويذهبون ضحية هذه الأعمال القذرة، وقد قامت هذه الشركات بإشعال نار الفتنة الطائفية في العراق عن طريق تدبير انفجارات في مناطق السنة والشيعة وتفجير المساجد والمنازل مما أدي إلي سقوط ألاف الضحايا.

وتحاول الولايات المتحدة أن تصور للعالم أن أفراد هذه الشركات مقاولون أو متعاقدون تقتصر مهامهم على أعمال الحراسة وتأمين حماية المنشآت، ولكن الحقيقة عكس ذلك تماما فالواقع أن هؤلاء يمارسون مهام قتالية ضد المقاومة العراقية إضافة إلى ارتكابهم جرائم ضد المدنيين العراقيين، وحاليا يوجد آلاف الشركات التي توفر المرتزقة في العالم ويوجد في العراق حاليا أكثر من خمسين شركة وأغلبها أمريكية إضافة إلى شركات بريطانية وإسرائيلية و جنوب أفريقية أيضا، ومن هذه الشركات من تمتلك أسطول طائرات هيلكوبتر(32)وتعقد هذه الشركات اتفاقيات مع بعض العشائر المحلية بالعراق.

 

خامسا: الجهود الوطنية والدولية لتنظيم عمل هذه الشركات

من مستلزمات الوطنية الدفاع عن الوطن، ومن توابع الجنسية القتال دفاعا عن الوطن، فالوضع الطبيعي أن يدافع أبناء الوطن عنه ويفدونه بأرواحهم وأموالهم وينالون شرف الجندية في فواته المسلحة للدفاع والذود عن أمنه وأمانه وعن سيادته وأرضه واستقلاله وحريته.

إلا أن هذا الأمر أصبح غير صحيح علي إطلاقه فهناك حالات يوجد بين المدافعيين عن الوطن والأرض والعرض جنود غير أبنائه، ففي حالات أقرها الشرع الإسلامي حيث جعل الدفاع عن أرض الإسلام فرض كفاية وواجب علي كل المسلمين حتى قال الفقهاء أنه في حالة احتلال جزء من أرض الإسلام يجب علي كل مسلم ومسلمة أن تخرج للجهاد والدفاع لتحرير هذا الجزء وتخرج المرأة بدون أذن وليها أو زوجها، فالدفاع هنا عبادة وطاعة لله أي لغرض إسلامي كما أنه للدفاع عن الوطن أي صدا لعدوان وليس للاعتداء، وليس غرضه وهدفه الحصول علي الكسب المادي، وقد حدث ذلك منذ فجر الإسلام حتى الآن في أفغانستان والبوسنة والهرسك وفلسطين والشيشان والعراق(33).

وقد أقر القانون الدولي للدول بصفتها الرسمية حق مساعدة الدولة التي تتعرض للعدوان ومساعدة حركات التحرر الوطني، فيحق لها أن السماح لمواطنيها بالقتال جنبا إلي جنب مع القوات العسكرية والجيوش النظامية للدولة المتعرضة للعدوان ومع أفراد حركات التحرر الوطني، ولها أيضا أن تمدها بالسلاح وذلك للدول فرادي وجماعات ولا تثريب علي الدول أن هي فعلت أيهما سواء في حالة الدفاع الشرعي طبقا للمادة(51) من ميثاق الأمم المتحدة وحالة الأمن الجماعي الدولي(34).

ولكن مع ظهور هذه الشركات أصبحت نعمة الأمن والأمان سلعة تباع وتشتري كأي سلعة مادية أخري مثل السلع الغذائية والأجهزة الكهربائية والمنزلية المختلفة، وهذه الشركات سمة من سمات النظام الدولي الجديد(العولمة) التي جعلت من السوق آلها وخضعت نعمة الأمن والأمان لقانون العرض والطلب أي لمن يدفع أكثر دون الوضع في الاعتبار أي قيم أخلاقية أو مبادئ أو مثل إنسانية أو دينية المهم الكسب المادي.

ونظرا لخطورة ذلك علي السلم والأمن الدوليين ولأهمية الدور الخطير لهذه الشركات وتأثيراته علي السلم والأمن الدوليين، عرضنا كل ذلك علي مبادئ وقواعد وأحكام القانون الدولي المعاصر لنري مدي شرعية تلك الشركات من حيث النشأة والدور والهدف.

فقد تعددت الجهود التي بذلت لمحاولة تقنين وتجريم ظاهرة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة فقد سنت بعض الدول تشريعات تنظم عمل هذه الشركات وتحدد مجال عملها كما حظرت بعض الدول تلك الظاهرة وقدمت مبادرة من أحدي الدول لتنظيم عمل هذه الشركات، وعلي الصعيد الدولي فأن اللجنة الدولية للصليب الأحمر الوحيدة التي ناقشت هذه الظاهرة وبحثتها، ولكن باقي الجهود ركزت علي أفراد المرتزقة فقط فأبرمت اتفاقيات منها منظمة الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وأصدر مجلس الأمن عدة قرارات تصب في خانة تجريم المرتزقة وعدها من الجرائم ذات الاختصاص العالمي والتي يمكن محاكمة مرتكبيها في كافة دول العالم بصرف النظر عن مكان ارتكابها، وسوف نوضح الجهود التي بذلت لذلك علي الصعيدين الوطني والدولي.

 

1 – الجهود الوطنية لتنظيم عمل هذه الشركات:

لم تقم سوي عدد قليل من الدول لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة بإصدار تشريعات لتنظيم إنشاء وعمل هذه الشركات علي أراضيها أو خارج حدودها، ونصت هذه القوانين علي حماية أفراد تلك الشركات واختلفت هذه التشريعات باختلاف الدول، فقد أصدرت كل من العراق وجنوب أفريقيا والولايات المتحدة الأمريكية تشريعا ينظم إنشاء وعمل هذه الشركات.

وفي محاولة للحد من تزايد ضحايا هذه الشركات فقد ألزمتها وزارة الداخلية العراقية بعدد من الإجراءات هي:

1 - تم التنبيه علي جميع الشركات العسكرية العراقية والأجنبية علي تقديم جميع أولياتها ومعلوماتها وبشكل تفصيلي لوزارة الداخلية.

2 – إلزام هذه الشركات بوضع علامة خاصة بالشركة علي صدر أفرادها وعلى السيارات التي تستخدمها.

3 - إلزام هذه الشركات بمراجعة دوائر الضريبة وجلب براءة ذمة ومراجعة وزارة العمل والشئون الاجتماعية لضمان حقوق موظفيها من العراقيين.

4 - قامت وزارة الداخلية العراقية بمخاطبة مختلف البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية وغيرها من المؤسسات والشركات بعدم التعاقد مع أي شركة عراقية أو أجنبية غير معترف بها من قبل وزارة الداخلية.

أن جزءا كبيرا من هذه التعليمات تم تطبيقها على الشركات العراقية فقط دون الشركات الأجنبية التي تعتبر نفسها فوق القانون ولا تتقيد بهذه التعليمات ولا بأي قانون ويقدر عدد العاملين العراقيين في هذه الشركات بحوالي مائة ألف شخص.

وتقدمت الحكومة السويسرية بمبادرة لتعزيز احترام هذه الشركات للقانون الدول الإنساني وجاءت الفكرة من وزارة الخارجية السويسرية بسبب تزايد تواجد هذه الشركات في دول تعاني النزاعات المسلحة، والخطوات التي ينبغي علي الدول اتخاذها من أجل تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان من قبل تلك الشركات، وقد شاركت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في هذه المبادرة.

وبناء علي هذه المبادرة انعقدت في يناير2006م ورشة عمل تضم خبراء من الدول ذات الصلة إضافة إلي عدد صغير من ممثلي الصناعة وغيرهم من الخبراء، وكانت ردود الفعل إيجابية للغاية، وعقد اجتماع ثان في نوفمبر2006م لطرح القضية علي المؤتمرات الدولية و الإقليمية.

وتهدف المبادرة إلي تأكيد مسئوليات الدول والشركات العسكرية والأمنية وموظفيها في ظل القانون الدولي والإقرار بها، ويمكن عن طريق هذه المبادرة إصدار وثيقة توفر الإرشاد للدول في علاقاتها مع هذه الشركات وتقترح الوثيقة خطوات تستطيع الدول اتخاذها من أجل تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان سواء عند استئجار هذه الشركات أو عندما تعمل علي أراضيها أو عندما ترغب الشركات القائمة علي أراضي الدولة تقديم خدماتها خارج دول المنشأ، وقد تعتمد أيضا معيارا وطنيا من شأنه أن يوفر أساسا قانونيا للتعامل مع هذه الشركات.

ومن الدول التي أصدرت قانونا لتنظيم عمل هذه الشركات الولايات المتحدة الأمريكية وجنوب أفريقيا، وقد تبني كل منهما أسلوبا مختلفا في معالجة هذا الموضوع، حيث يتناول قانون تنظيم تصدير الأسلحة في الولايات المتحدة الأمريكية الصادر عام 1968م وتعديلاته مسألة تصدير الخدمات الأمنية بنفس الطريقة التي ينظم بها تصدير البضائع، وينظم هذا القانون وتعديلاته بشكل صارم الجهات التي يتم تصدير هذه الخدمات إليها، إلا أنه لا ينظم الطريقة التي يتم بها استخدام هذه الخدمات، ويشترط هذا القانون علي الشركات الأمريكية التي تقدم خدمات عسكرية للأجانب داخل الولايات المتحدة أو خارجها الحصول علي ترخيص من وزارة الدفاع الأمريكية وذلك بموجب الأنظمة الخاصة بنقل الأسلحة International Transfer of Arms Regulation. والتي تنظم تصدير الأسلحة.

وعلي أية حال لا تتبع عملية الترخيص ذاتها إجراء عاما، حيث لا تتوافر رقابة رسمية بعد إصدار هذه الرخص، ولا ينص علي أحكام قانونية لضمان الشفافية باستثناء العقود التي تتجاوز قيمتها(50)مليون دولار فيجب إبلاغ الكونجرس بها قبل إبرامها، وتقع مسئولية تنفيذ أنظمة منح التراخيص الخاصة بالخدمات التي تصدرها الشركات العسكرية الأمريكية الخاصة لأغراض تجارية علي عاتق المسئولين في سفاراتها في الدول (وهم الملحقون العسكريين)بالإضافة إلي دائرة الجمارك فيما يتعلق بالأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى(35).

وفي عام 1998م أصدرت جنوب أفريقيا قانون تقديم المساعدات العسكرية للجهات الأمنيةForeign Military Assistance Act ينظم تصدير الخدمات الأمنية وقد أتسم هذا القانون بالتالي:

1 –اعتبار الأنشطة التي تنفذها المرتزقة والتي تعرف علي أنها الاشتراك في النزاعات المسلحة لتحقيق مكاسب خاصة محظورة داخل جنوب أفريقيا وخارجها مع الأخذ بعين الاعتبار أن القانون لا يتعرض للمواطنين الأجانب الذين يرتكبون جرائم خارج إقليم هذه الدولة.

2 – يجوز تقديم المساعدة العسكرية والتي تعرف علي أنها الخدمات العسكرية من قبل أفراد مرخصين وحاصلين علي موافقة صريحة من الحكومة علي كل عقد من العقود التي يبرمونها فقط.

3 – اللجنة القومية لتنظيم الأسلحة التقليدية هي جهة الرقابة المسئولة عن الترخيص ويرأسها وزير من وزارة حكومية لا يرتبط بصورة مباشرة بمؤسسة الدفاع.

وقد حقق قانون تقديم المساعدة العسكرية للجهات الأجنبية بعض النجاح، فقد أغلقت عدد من الشركات العسكرية الخاصة في جنوب أفريقيا كما تم نقل عدد أخر منها خارج جنوب أفريقيا، ولكن اقتصرت العقوبات التي طبقتها المحاكم علي غرامات مالية قليلة، وهذه الغرامات القليلة ليست رادعة لهذه الشركات والأفراد مما سمح للبعض باستغلال الضعف في القانون لإنشاء شركات خاصة وسمح لبعض أفراد أجهزة النظام العنصري السابق في العمل لدي شركات الحماية الأمريكية والبريطانية في العراق.

وبسبب وجود عدد كبير من رعايا جنوب أفريقيا كحراس أمنيين في العراق وفشل محاولة الانقلاب في جمهورية غينيا الاستوائية عام 2004م، قدمت الحكومة اقتراح تشريع جديد فصدرت لائحة عام(2005م) بشأن حظر وتنظيم الأنشطة التي تنفذها قوات المرتزقة وحظر وتنظيم نشاطات محددة في منطقة تشهد نزاعا مسلحا، تناولت هذه اللائحة كافة الأنشطة التي يضطلع بها الأفراد والشركات التي تشارك في النزاعات المسلحة الذين من خارج القوات المسلحة.

وسعت هذه اللائحة لحظر أية مشاركات في الأنشطة العسكرية الخاصة والتي لا يصدر التفويض الصريح بشأنها من قبل اللجنة القومية لتنظيم الأسلحة التقليدية وتمنح المحاكم اختصاصات قضائية تتعدي الحدود القومية لدولتها علي أية شركة عسكرية خاصة موظفيها.

2- الجهود الدولية لتنظيم عمل هذه الشركات:

ولم تكن الأمم المتحدة بعيدة عن ذلك فأصدر مجلس الأمن قرارات بشأن المرتزقة وكونت الجمعية العامة لجنة لدراسة هذه الظاهرة وأقرت اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية بشأن القضاء علي أنشطة المرتزقة وأقرت الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم.

وتسعي مجموعة من الخبراء برعاية الأمم المتحدة لإعداد مدونة حسن سلوك لهذا القطاع المزدهر للأمن الخاص إلي جانب العمل علي تعريف جديد للمرتزقة يأخذ في الاعتبار المعطيات الجديدة علي الأرض، وت

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 723 مشاهدة
نشرت فى 4 يونيو 2012 بواسطة thefreelawyer

ساحة النقاش

المستشار القانونى ابراهيم خليل

thefreelawyer
المستشار القانوني إبراهيم خليل محام بالنقض والدستورية والإدارية العليا الاستاذ/ خالد ابراهيم عباس المحامي بالاستئناف عضو اتحاد المحامين العرب عضو الجمعية المصرية للقانون الدولي عضو جمعية الضرائب المصرية عضو جمعية إدارة الأعمال العربية كافة الاستشارات مجانا موبيل 01005225061 01021141410 تليفون 23952217 http://kenanaonline.com/ibrahimkhalil »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

663,700