مفهوم الزمن
إن الزمان والمكان نمطان من أنماط الإلهام الذي لا ينفصل عن الإدراك(هكذا قال أينشتاين)، لقد ولد مفهوم الزمان على يد الإنسان، فالزمان والمكان ليسا قضيتين مصنوعتين، كيف يمتلك الزمن وعينا وكيف يمتلك وعينا الزمن، لو دار أحدنا بسرعة حول نفسه ثم توقف فجأة لبقي الشعور بالدوران , إن شعورنا بالزمن واستحواذنا من قبل الزمن هو شعور مماثل مرده دورة الفلك حولنا، وبالتالي فهما من صنع الوعي الإنساني ، ويتقابل فيه الوهم مع الحقيقة،ويحمل في طياته الماضي والحاضر والمستقبل.
والزمن هو البعد الرابع في تعيين الأحداث ، ولذلك اهتم العلماء منذ القدم في تحديد ماهية الزمن ، فعرفه أرسطو بأنه الحركة ، ولكن أي حركة يقصد هل هي الحركة المطلقة أم النسبية؟
أما ابن سينا فقال:وأما الزمان فهو شيء غير مقداره، وغير مكانه. وهو أمر به يكون "القبل" الذي لا يكون معه "البعد". فهذه القبلية له لذاته، ولغيره، وكذلك البعدية. وهذه القبليات والبعديات متصلة إلى غير نهاية. والذي لذاته هو قبل شيء هو بعينه يصير بعد شيء،وليس أنه "قبل" هو أنه حركة، بل معنى آخر، وكذلك ليس هو سكون، ولا شيء من الأحوال التي تعرض، فإنها في أنفسها لها معان غير المعاني التي هو بها "قبل" وبها "بعد". وكذلك "مع" فإن للـ "مع" مفهوماً غير مفهوم كون الشيء حركة.
وعرفه سارتر بأنه ما ليس هو وما ليس هو هو، ترى ما معنى هذا الكلام؟ هل معناه بأنه ليس له هوية وانه هو العدم بذاته؟
وللزمن تعاريف متنوعة حسب العلم الذي يحتويه، ترى ألا يمكن أن لا يكون الزمن هو البعد الرابع ؟ ألا يمكن أن يكون هو الحدث المضاد للمكان ، وله أبعاد ثلاثية مثل المكان وعندها يتشكل الكون وما فيه من امتزاج الحدثين ، وبالتالي يكون له أبعاد كثيرة ناتجة عن هذا التمازج؟
الحقيقة إذا دققنا بتعريف ابن سينا للزمان نجد بأنه توصل لشيء لم يصل إليه أحد لا في الماضي ولا في الحاضر، وكم كان تعريفه بليغا ، وفسرها بأنها ليست الحركة فقط ، بل مزج عدة أحوال وصفات نتج عنها الزمان ، فالزمان مستقل عن المكان من جهة الحدث فكلاهما كائنان ، وأبعاده مرتبطة مع بعضها البعض بخلاف المكان من ناحية ومستقلة عن بعضها من ناحية ، وباتصالهما تنشأ أبعاد لانهائية ، وهذه الأبعاد لا يمكن وصفها بصفات أبعاد المكان والزمان التقليدية ، وبالتالي لا يمكن القول عنها بأنها حركة أو سكون بل له مفاهيم أخرى غير مفاهيم المكان.
أما سارتر فقد مزج الزمان بالمكان حتى أصبحا لحمة واحدة فاحتوى المكان بكل خصائصه ، واحتواه المكان بكل خصائصه، فهو العدم واللانهاية معا .
وبالتالي ومما سبق نستنتج بأن الزمن هو حدث كالمكان وهو الحدث المضاد الذي يؤدي لتوازن الكون ، وبامتزاجه مع الحدث تنشأ أبعادا لانهائية زمكانية متضادة فيما بينها لتحقيق التوازن و لتلتقي في العدم في اللانهاية .
مفهوم الزمكان
كما قلنا سابقا أخوتي الأعزاء ، فان المكان والزمان هما كائنان مستقلان بمفهوميهما و مترابطان مع بعضهما ترابطا وثيقا، وقد حاول كثير من العلماء بتمثيل هذه العلاقة رياضيا ، فمنهم من مثلها محوريا وباتجاه واحد، ومنهم من مثلها على شكل شبكة ديكارتية مستوية ، ومنهم من مثلها على شكل شبكة مستوية فراغية ، ومنهم من مثلها على شكل شبكة فراغية ، ومنهم من مثلها على شكل النابض الفراغي ، والخ...........
وذلك سعيا منهم لدراسة هذه العلاقة ، وتفسيرها من الناحية العلمية ، وبالتالي لمعرفة طبيعة الكون من وجهة مفهوم الزمكان.
فأي من هذه التمثيلات الرياضية هو الصحيح؟ والى أي علاقة رياضية ممكن أن تتبع ؟ فهل هي علاقة خطية أم تربيعية أم تكعيبية ، أم قطعية أولغارتمية والخ ............
ان هذا التخبط الهائل في دراسة مبادئ الزمكان مرده عدم امكانية معرفة طبيعة الزمان ، وعدم القدرة على تخيله الحسي.
ولكن هنالك مبادئ في الفيزياء وهي مبادئ ثابتة ، ويمكن الاعتمادعليها في انطلاقنا لدراسة مفهوم الزمكان ، ومنها مبدأ انحفاظ الطاقة ،فكما قلنا سابقا فأن المكان هو حدث والزمان أيضا ، وهما مترابطان مع بعضهما البعض ومن ترابطهما ينتج الزمكان ، وبالتالي الزمكان هي وحدة مستقلة مستقرة من وجهة العلوم الفيزيائية ، وكونها تشمل كل شئ ، فبالتالي فان أي تغير في الطاقة سيكون كاملا دون فقدان أي شكل منها .
إن التحول في المكان سيقابله تحول عكسي في الزمان وذلك من أجل الحفاظ على التوازن والحفاظ على استقرار الزمكان ، ونحن نجهل إلى الآن مدى تأثر ذلك على المواصفات العامة على المكان وكذلك على الزمان لجهلنا بطبيعة المكان والزمان من الناحية الفيزيائية ، وطبيعة العناصر المكونة لها ، فكما نعلم في الفيزياء أنه لكل شيء وزن وكتلة وحجم ، وهذه الصفات تنشأ من مجموع الصفات للأجسام الأخرى المكونة لها.
فالمكان يتكون من المكان المادي والمكان المضاد وكذلك الزمن يتكون من الزمن الايجابي والزمن السلبي ، فكما نعلم أنه إلى الآن نحن نجهل المكان المادي ولم نعلم منه إلا القليل ، فما بالكم بالمظاهر الأخرى؟.
ولكن المسلم به باجتماع تلك العناصر فانه يتكون الزمكان ، والسؤال الذي يطرح نفسه ، ترى إذا حدث تحول في أحد هذه العناصر ، فما هو العنصر الآخر الذي سيطرأ عليه التحول؟ فهل سيطرأ على جميعها ؟ وماهي النسب في ذلك إن حدث؟ وماهو طبيعة هذا التحول ؟في الحقيقة فان هذه الأسئلة هي في غاية التعقيد ، لأننا نجهل المكونات الأساسية لتلك العناصر ، ولكن يمكن أخذ تصورات مبدأية لذلك .
ولكن قبل ذلك ، ما لمقصود بالمكان ؟ وما لمقصود بالزمان؟كما أسلفنا أخوتي الأعزاء بأن المكان ما هو مادي وما هو مضاد ، وكلاهما يشكلان أيضا وبترابطهما عنصرا مستقلا متوازنا ، وان أي تغير في أحدهما سيؤدي إلى تغير في الآخر بالإضافة إلى الزمان .
فالمكان المادي هو كل ما نعرفه في هذا الكون وما أخبرنا عنه الله سبحانه وتعالى من الماديات ، وأما المكان اللا مادي فلا نعرف عنه شيئا ولكن في الآونة الأخيرة استطاع الإنسان الوصول إلى بعض آثاره ، من الناحية الرياضية ، وبالتالي فهنالك المادة واللامادة .
أما الزمان ، فانه لمعضلة كبيرة ، فطبيعته سواء من الناحية الفيزيائية أوالرياضية ، وكل مانعرفه عنه هو الزمن حسب القياس الأرضي ، أي الزمن النسبي، وقد وضعه الله لكي نعرف عدد السنين والحساب فيما يتعلق بحياتنا الأرضية، ولكن إذا خرجنا من نطاق الكرة الأرضية ، فعلى أي أساس سنعتمد ؟ فسنة عطارد غير سنتنا وكذلك المريخ وباقي الكواكب، وربما تختلف العلاقة الرياضية فيها أيضا اختلافا كبيرا ، فاذا خرجنا عن نطاق المجموعة الشمسية فلن يكون هنالك معيار للزمن ، لأننا نجهل طبيعته ومصدره .
هنالك من العلماء يعتبر أن بداية الزمن هو لحظة الانفجار العظيم وتشكل الكون ، فإن آمنا جدلا في هذا ، فمعنى ذلك بأن للزمن بداية ونتيجة لذلك فسيكون له نهاية حتما ، وعدا عن ذلك وانطلاقا من مبدأ انحفاظ الطاقة فإن المكان كان عنصرا وحيدا يشغل كامل حيز الزمكان ، وبالتالي يكون الزمان قد نتج من المكان أي أنه جزءا منه وهو ما ينافي استقلاليته .


ساحة النقاش